الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والرواية الموقوفة: رواها يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي ألأسود، عن أبيه، عن علي، فذكره موقوفآ (1) .
وهكذا صحح الحديث ابن حبان (2) ، والحاكم (3) ، ولم يتعقبه الذهبي، ونقل صاحب عون المعبود (4) عن المنذري:((وقال البخاري: سعيد بن أبي عروبة لا يرفعه وهشام يرفعه وهو حافظ)) .
وهكذا صحح البخاري وغيره رفع الحديث، مع أنه قد صح موقوفا أيضا؛ وهذا يدل على أن الحديث اذا صح رفعه ووقفه، فان الحكم عندهم للرفع ولا تضره الرواية الموقوفة الا اذا قامت قرائن تدل على أن الرفع خطأ.
نموذج لهذه الصورة
وما دمنا قد تكلمنا في حديث علي -كرم الله وجهه- فلنذكر اختلاف الفقهاء في كيفية التطهر من بول الأطفال. وقبل أن أذكر آراء الفقهاء، أذكر جملة من الأحاديث المتعلقة بالمسألة لأحيل عليها عند الاشارة الى الأدلة طلبا للاختصار؛ فأقول:
1-
صح عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: ((أتي النبي صلى الله عليه وسلم بصبي، فبال على ثوبه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فأتبعه اياه)) رواه مالك (5)، وزاد مسلم (6) في روايته:((ولم يغسله)) .
2-
صح عن أم قيس بنت محصن؛ أنها أتت بابن لها صغير - لم يأكل الطعام - الى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأجلسه في حجره، فبال على
(1) أخرجها عبد الرزاق (1488) ، وابن أبي شيبة 1/121، وأبو داود 1/103 رقم (377) ، والبيهقي 2/415.
(2)
الاحسان رقم (1375)
(3)
المستدرك 1/165.
(4)
1/145.
(5)
الموطأ ج1/109 رقم (164) ، ومن طريق مالك أخرجه البخاري 1/65 رقم (222) .
(6)
الجامع الصحيح 1/164 رقم (286)
ثوبه؛ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء، فنضحه ولم يغسله، رواه مالك والشيخان (1) .
3-
حديث علي -كرم الله وجهه- وقد سبق- ((ينضح من بول الغلام، ويغسل بول الجارية)) .
ورواه النسائي (2) عن أبي السمح بلفظ: ((يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام)) .
وقد اختلف الفقهاء في الاحكام المستفادة من هذه الآحاديث على مذاهب أشهرها - ما يأتي:
المذهب الأول: يرى أن التطهير من بول الرضيع- كالتطهير من بول الكبير - انما يكون بغسله، لا فرق في ذلك بين بول رضيع أكل الطعام أو لم يأكل، كما أنه لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى.
والى ذلك ذهب أبو حنيفة، وهو المشهور عن مالك على خلاف بينهما في كيفية الغسل الذي يجزئ في التطهير من النجاسة: فان أبا حنيفة يشترط لتطهير النجاسة
(1) الموطأ 1/109 رقم (165) ، صحيح البخاري 1/66 رقم (223) ، صحيح مسلم 1/164 رقم (287) .
(2)
المجتبى: 1/158.
غير المرئية تعدد مرات غسلها - ثلاثا أو سبعا- والعصر بعد كل غسلة، ولم يشترط مالك أكثر من صب الماء على النجاسة بحيث يغمرها، ويذهب لونها وطعمها ورائحتها ولا يشترط لازالة النجاسة امرار اليد والعصر ونحو ذلك (1)
وقد حملوا ((اتباع الماء)) و ((نضحه)) و ((رشه)) ، هذه الالفاظ كلها حملوها على معنى الغسل، وقد أفاض الطحاوي في ايراد الآثار الدالة على أن هذه الالفاظ قد تطلق ويراد بها الغسل (2) .
لكن هذا يؤخذ عليه: أن هذه الالفاظ وان كانت تطلق أحيانا على الغسل فان الحال في مسألتنا هذه لا يحتمل ذلك؛ لأنه يؤدي الى تناقض تتنزه عنه نصوص الشريعة، فحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قد جاء بلفظ:((فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فاتبعه اياه ولم يغسله))
. فاذا جعل أتبعه بمعنى غسله فان المعنى حينئذ يكون: فغسله ولم يغسله.
وكذلك حديث ام قيس بنت محصن قد جاء بلفظ: ((فنضحه ولم يغسله)) . فلو حمل النضح على معنى الغسل لكان التقدير: فغسله ولم يغسله، وهذا تناقض غير معقول.
وأيضا فان النبي صلى الله عليه وسلم عطف الغسل على النضح في حديث علي -كرم الله وجهه- وعطف الرش على الغسل في حديث أبي السمح رضي الله عنه والعطف يقتضي المغايرة. فلو أريد بهما معنى واحدا لكان عبثا يتنزه عنه الشارع (3)
المذهب الثاني: نسب الى الشافعي قول: بأن بول الصبي الذي لم يأكل الطعام
(1) الاختيار 1/40-44، المنتقى شرح الموطأ 1/128.
(2)
شرح معاني الآثار 1/93.
(3)
فقه الامام سعيد بن المسيب 1/37.
طاهر. ونسبت رواية الى مالك: أنه لا يغسل بول الجارية ولا الغلام قبل أن يأكلا الطعام.
لكن ذكر الباجي: أن هذه الرواية عن مالك شاذة. وذكر النووي: أن نقل هذا القول عن الشافعي خطأ (1) .
لذلك فلا حاجة للتعليق على هذا المذهب.
المذهب الثالث: ينضح بول الطفل الرضيع الذي لم يأكل الطعام، فاذا أكل الطعام كان حكم بوله كحكم بول الكبير يغسل.
وقد فسر هذا المذهب النضح: بأنه غمر موضع البول ومكاثرته بالماء مكاثرة لا يبلغ جريانه وتردده وتقطره. فهو بمعنى الغسل الذي سبق ذكره عن مالك (2)
وقد اعتمد هذا المذهب حديث أم قيس بنت محصن، فقد جاء بلفظ: ((أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام
…
الخ
وقد اعترض ابن حزم - القائل: بأن النضح يكفي في التطهير من بول الذكر كبيرا أو صغيرا -: بأن تخصيص ذلك بالصبي الذي لم يأكل ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لذلك فالحديث لا دلالة فيه على هذا التحديد (3) .
ويجاب عن ذلك: بأن نجاسة الأبوال المستتبعة لوجوب غسلها كل ذلك متيقن بالاحاديث العامة الدالة على ذلك: كحديث أبي هريرة مرفوعا: ((استنزهوا من البول؛ فان عامة عذاب القبر منه)) (4) .
(1) المنتقى شرح الموطأ 1/128، شرح مسلم للنووي 3/135.
(2)
المجموع 2/596، المغني 1/735.
(3)
المحلى 1/101.
(4)
رواه ابن خزيمة وصححه على ما ذكر الحافظ في الفتح 1/233، ولم أقف عليه في المطبوع من صحيح ابن خزيمة.
وحديث ابن عباس في القبرين اللذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صاحبيهما يعذبان، وقال:((أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول)) (1) .
فنجاسة بول الآدمي ووجوب غسله كل ذلك متيقن بهذه الاحاديث، وتخصيص بول الصبي الذي لم يأكل الطعام بالنضح متيقن بحديث أم قيس بنت محصن، وما عدا ذلك مشكوك فيه، فلا يترك اليقين للشك (2) .
والاكتفاء بالنضح في التطهير من بول الرضيع خصه أحمد وجمهور الشافعية بالصبي الذي لم يأكل الطعام، أما بول الصبية فلا يجزى فيه الا الغسل (3) .
أما الشافعي نفسه فقد نص على جواز الرش على بول الصبي ما لم يأكل الطعام، واستدل على ذلك بالحديث، ثم قال:((ولا يبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثابتة، ولو غسل بول الجارية كان أحب الي احتياطا، وان رش عليه ما لم تأكل الطعام اجزأ، ان شاء الله تعالى)) (4) .
وقد ذكر النووي -رحمه الله تعالى-: انه لم يذكر عن الشافعي غير هذا، وقال: قال البيهقي: كأن أحاديث الفرق بين بول الصبي والصبية لم تثبت عند الشافعي. وقول الشافعي هذا مروي عن النخعي، وهو رواية عن الأوزاعي
ووجه لبعض الشافعية، ووصفه النووي: بأنه ضعيف (5)
(1) أخرجه البخاري 1/65 رقم (218) ، ومسلم 1/166 رقم (292)
(2)
فقه الامام سعيد بن المسيب 1/36.
(3)
المغني 1/734، المجموع 2/595.
(4)
المجموع 2/595-597.
(5)
المصدر السابق.
وهنا يأتي دور حديث علي -كرم الله وجهه- ومثله حديث أبي السمح رضي الله عنه خادم النبي صلى الله عليه وسلم فهي أحاديث ثابتة، وقد فرقت بين بول الصبي وبين بول الصبية. وقد ثبت هذا عند أحمد؛ لذلك أخذ به وفرق بينهما في الحكم، أما الشافعي فقد صرح بأنه لم يثبت عنده من السنة ما يفرق بينهما؛ لذلك رأى ان النضح يكفي فيهما وان كان الأحب اليه غسل بول الصبي احتياطا؛ ولو ثبتت عند الشافعي هذه الأحاديث لأخذ بها - فهذا هو شأنه وشأن الفقهاء كافة لا يتخطون السنة الثابتة عندهم الى غيرها ما لم يكن لها عندهم معارض- ولذلك أطبق أصحاب الشافعي على الفرق في الحكم بين بول الصبي والصبية لما ثبتت عندهم هذه الأحاديث.
وقد تترجح الرواية الموقوفة اذا كان رواتها أوثق:
مثال ذلك حديث ابن عمر الآتي:
روى الدارقطني (1) بسنده من طريق الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عمر:((انه جمع بين حج وعمرة، فطاف لهما طوافين وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنعت)) .
وروى الدارقطني (2) من طريق الحسن بن عمارة، عن علي -كرم الله وجهه- مرفوعا نحو هذا، وقال:((لم يروهما غير الحسن بن عمارة، وهو متروك)) .
وقد ضعف الحسن بن عمارة. أبو داود الطيالسي، والعقيلي وغيرهما (3) .
على ان الحديث قد روي من طرق أخرى مرفوعا وموقوفا بخلاف هذا:
فقد رواه أحمد بن أبي بكر الزهري، قال: أخبرنا الدراوردي، عن عبيد الله بن
(1) سنن الدارقطني 2/258.
(2)
سنن الدارقطني 2/258.
(3)
نصب الراية 3/110، ميزان الاعتدال 1/513 وما بعدها.
عمر، عن نافع عن ابن عمر مرفوعا:((من جمع بين الحج والعمرة طاف لهما طوافا واحدا ثم لم يحل حتى يحل من حجه)) .
وهذا اسناد ضعيف؛ فان الدراوردي وهو عبد العزيز بن محمد، عن عبيد الله ابن عمر منكر كما نص عليه الامام النسائي (1) .
والحديث أخرجه البيهقي (السنن الكبرى: 5/107) من طرق عن أحمد بن أبي بكر الزهري، بهذا الاسناد.
وأخرجه أحمد (المسند:2/67)، والدارمي (السنن:1851) ، والترمذي (الجامع: 3/284 رقم 948) ، وابن ماجه (السنن: 2/991 رقم 2975) ، والدارقطني (السنن:2/257) ، والطحاوي (شرح المعاني: 2/197) من طرق عن الدراوردي، به.
وقال الترمذي: ((حسن صحيح غريب (2) ، تفرد به الدراوردي، وقد رواه غير واحد عن عبيد الله ولم يرفعوه وهو أصح))
وقد أورده ابن التركماني في الجوهر النقي (3) وذكر قول الترمذي ثم قال: ((وفي الاستذكار: لم يرفعه أحد عن عبيد الله غير الدراوردي وكل من رواه غيره (4) أوقفه على ابن عمر)) .
وقال الطحاوي: ((هذا الحديث خطأ، أخطأ فيه الدراوردي فرفعه الى النبي صلى الله عليه وسلم،
(1) تقريب التهذيب 1/512.
(2)
في تحفة الاشراف 6/156 عقيب (8029) : ((حسن غريب)) وهو أصوب؛ لما بعده وكذا نقله الزيلعي في نصب الراية 3/108 عن الترمذي.
(3)
5/107.
(4)
الرواية الموقوفة في صحيح مسلم 4/50-51 رقم (1230)، وقد رواه عن عبيد الله: يحيى القطان، وعبد الله بن نمير.