الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقد اختلف الفقهاء في حكم العبد المشترك اذا عتق أحد الشركاء حصته:
فذهب الامام سعيد بن المسيب أن العبد اذا كان بين شركاء فاعتق أحدهم حصته وأبى الآخرون سرى العتق الى باقيه، ثم ان كان المعتق موسرا كان عليه ضمان حصص شركائه ولا يرجع على العتيق بشيء، وان كان موسرا فلا شيء عليه واستسعى (1) العبد فيما بقي من قيمته.
وبذلك قال أبو يوسف، ومحمد، والطحاوي، وهو رواية عن أحمد.
ووافق أبو حنيفة الامام سعيد فيما يختص بالمعتق معسرا وخالفه في الموسر فقال: الشريك بالخيار ان شاء أعتق، وان شاء استسعى العتيق في قيمة حصته، وان شاء ضمن المعتق، فان ضمنه رجع المعتق على العتيق فاستسعاه بما ضمنه.
ووافق مالك والشافعي الامام سعيد فيما يختص بالموسر وخالفاه في المعسر فقالا: لا تعتق حصته وتبقى حصة الشريك رقيقا. وبذلك قال أحمد في رواية (2) .
المبحث الثالث: اعلال خبر الآحاد بكونه مما تعم به البلوى
ان ورود الحديث بطريق الاحاد ليس علة تقدح في صحة الحديث لكن اشترط بعض الفقهاء شروطا للعمل بخبر الآحاد، وكل حديث ورد ولم يستوف الشروط فالأصل أنه لا يعمل به عندهم. وسأتناول هذه الشروط على شكل علل لأن كثيرا من الأحاديث أعلت على هذه الطريقة.
ومن الشروط التي اشترطها الحنفية للعمل بخبر الآحاد ما يأتي:
(1) استسعى: أي كلف الاكتساب حتى يحصل قيمة نصيب الشركاء الآخرين. وأنظر فتح الباري 5/157.
(2)
فقه الامام سعيد 4/253-254، شرح السنة 9/357.
أن لا يكون خبر الآحاد واردا فيما تعم به البلوى.
والمقصود بعموم البلوى هو: ما يكثر وقوعه ويحتاجه جميع الناس، فما كان من هذا القبيل يحتاج اثباته الى خبر متواتر أو مشهور، ومانقل بخبر الآحاد يعد في هذا الموضع غير صحيح فلا يعمل به (1) .
واحتج الحنفية على هذا الشرط: بأن الخليفة الأول أبا بكر الصديق رضي الله عنه رد خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة، ورد عمر خبر أبي موسى في الاستئذان فلولا أن مذهب الصحابة رد أخبار الآحاد الواردة فيما تعم به البلوى ما ساغ لأبي بكر وعمر رد هذه الأخبار مما يدل على أن ذلك اجماع منهم. (2)
والمقصود بخبر المغيرة هو:
حديث قبيصة بن ذؤيب، قال:((جاءت الجدة الى أبي بكر تسأله ميراثها، قال: فقال لها: مالك في كتاب الله شيء، ومالك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر)) (3) .
(1) أصول السرخسي 1/368، كشف الاسرار للبزدوي 3/16، الفصول في الأصول 3/114.
(2)
أصول السرخسي 1/368، الفصول في الأصول 3/117
(3)
أخرجه عبد الرزاق (19083) ، وسعيد بن منصور (80) ، وابن أبي شيبة 11/320، وأحمد 4/225، والدارمي (2924) ، وأبو داود 3/121 رقم (2894) ، وابن ماجه 2/909 رقم (2724) ، والترمذي 4/366 رقم (2101)، وقال الترمذي:((حسن صحيح)) . وأنظر تحفة الأشراف 8/361.
وأما خبر أبي موسى فهو: حديث أبي سعيد الخدري قال: ((استأذن أبو موسى على عمر، فقال: السلام عليكم أأدخل؟ قال عمر: واحدة، ثم سكت ساعة، ثم قال: السلام عليكم أأدخل؟ قال عمر: اثنتان، ثم سكت ساعة فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: ثلاث، ثم رجع، فقال عمر للبواب: ما صنع؟ قال: رجع، قال: عليَّ به، فلما جاءه، قال: ما هذا الذي صنعت؟ قال: السنة، قال: السنة؟ والله لتأتيني على هذا ببرهان أو بينة أولا فعلن بك، قال: فأتانا ونحن رفقة من الأنصار فقال: يا معشر الأنصار، ألستم أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الاستئذان ثلاث، فان أذن لك، والا فارجع)) فجعل القوم يمازحونه، قال أبو سعيد: ثم رفعت رأسي اليه فقلت: فما أصابك في هذا من العقوبة فانا شريكك. قال: فاتى عمر فاخبره بذلك، فقال عمر: ما كنت علمت بهذا)) (1) .
وأجيب عن هذا: بان دعوى الاجماع غير مسلم بها بل الصحيح خلاف ذلك؛ فقد رجع الصحابة في مسائل كثيرة من هذا القبيل الى خبر الآحاد وقبلوها: فقد قبل أبو بكر حديث عائشة وحدها في القدر الذي كفن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قالت عائشة: ((دخلت على أبي بكر رضي الله عنه فقال: في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: يوم الاثنين)) (2) .
وكذلك قبول عمر بن الخطاب خبر أم المؤمنين عائشة في وجوب الغسل من التقاء الختانين، وهو ما رواه عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: تذاكر أصحاب النبي
(1) أخرجه عبد الرزاق (19423) ، وأحمد 3/19، والدارمي (2632) ، والبخاري 3/72 رقم (2062) ، ومسلم 6/179 رقم (2153)
(2)
أخرجه البخاري 2/127 رقم (1387) .
رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عمر بن الخطاب الغسل من الجنابة. فقال بعضهم: اذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، وقال بعضهم: انما الماء من الماء. فقال عمر رضي الله عنه: قد اختلفتم علي وانتم أهل بدر الأخيار، فكيف بالناس بعدكم؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين ان اردت ان تعلم ذلك، فأرسل الى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فسلهن عن ذلك. فأرسل الى عائشة رضي الله عنها فقالت:((اذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل)) . فقال عمر عند ذلك: لا أسمع أحدا يقول: الماء من الماء الا جعلته نكالا)) (1) .
وكذلك رجوع عبد الله بن عمر عن المخابرة الى رواية رافع بن خديج وهو ما رواه نافع، ان ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي امارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من خلافة معاوية، حتى بلغه في آخر خلافة معاوية ان رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل عليه وانا معه فسأله؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر بعده وكان اذا سئل عنها بعد قال: زعم رافع بن خديج ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها)) (2) .
وأما قصة المغيرة: فان أبا بكر انما توقف فيه لأنه أمر مشهور فاراد ان يتثبت فيه (3) . وأما عمر رضي الله عنه فان أبا موسى أخبره بذلك الحديث عقب انكاره عليه رجوعه فاراد عمر الاستثبات في خبره لهذه القرينة (4) .
(1) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني 1/59
(2)
أخرجه البخاري 3/123 رقم (2285) و 3/141 رقم (2344) ، ومسلم 5/21 رقم (1547) ، وابن ماجه 2/820 رقم (2453) ، والنسائي 7/47.
(3)
النكت للحافظ ابن حجر 1/245.
(4)
النكت للحافظ ابن حجر 1/246.
قال لي العلامة الدكتور هاشم جميل:
((ويدل على ان فعل الصديق وعمر رضي الله عنهما انما قصدا منه مجرد التثبت ولا علاقة للأمر بخبر الآحاد: ان الصديق لم يرد خبر المغيرة، وانما سأل هل معه غيره؟ فلما شهد محمد بن مسلمة بذلك قضى الصديق بموجب الخبر وعمل به؛ والخبر لا يزال خبر اثنين، وخبر الاثنين -كخبر الواحد- كلاهما خبر آحاد.
وكذلك الحال بالنسبة لخبر أبي موسى، لم يرده عمر رضي الله عنه بل قبله لما شهد معه أبو سعيد، وهذا أيضا خبر اثنين لم يخرج عن كونه خبر آحاد كما ذكرنا)) (1) .
وقد قبل عمر حديث عبد الرحمن بن عوف وحده في: ((ان النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر)) (2) .
وحديث الضحاك بن سفيان في توريث امرأة أشيم من دية زوجها (3) .
فالراجح ما ذهب اليه الجمهور من أهل العلم فان خبر الآحاد يعمل به وان كان مما تعم به البلوى اذا استوفى شروط القبول للاحتجاج به من حيث ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذلك ان الادلة الشرعية الدالة على وجوب العمل بخبر الآحاد لم تفرق بين عموم البلوى وغيرها
(1) الى هنا انتهى كلام الدكتور هاشم جميل.
(2)
أخرجه الطيالسي (225) ، والشافعي في الرسالة (1183) ، وعبد الرزاق (9972) ، وابن أبي شيبة 12/243، وأحمد 1/190، والدارمي (2504) ، والبخاري 4/117 رقم (3157) .
(3)
أخرجه عبد الرزاق (17764) ، وابن أبي شيبة 9/363، وأحمد 3/452، وأبو داود 3/129 رقم (2927) ، وابن ماجه 2/ 883 رقم (2642)، والترمذي 4/19 رقم (1415) وقال:(حسن صحيح) . وأنظر تحفة الأشراف 4/202 حديث (4973) .