الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَكَانَ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ رضي الله عنه وَرَأَيْت عَنْ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ أَنَّهُ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا الرَّسْمِ إذَا جَعَلَ زَوْجٌ لِزَوْجَتِهِ أَمْرَ الدَّاخِلَةِ عَلَيْهَا وَمَلَّكَهَا ذَلِكَ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَطَلُقَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ إنْ مَلَّكَهَا قَدْ رَفَعَتْهُ بِمَا مَلَكَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ قَبْلَ تَزْوِيجِهِ وَلَمَّا ذَكَرْت هَذَا بِالْمَجْلِسِ تَرَدَّدَ فِيهِ الطَّلَبَةُ لِلنُّبَلَاءِ عِنْدِي فِي صِحَّةِ وُرُودِهِ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ نَمْنَعُ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَلَكَتْ أَمْرًا ثَبَتَ لَهَا مِلْكٌ فِيهِ بَلْ أَثْبَتَتْ إمَّا وَكَالَةً مِنْ الزَّوْجِ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ أَوْ أَثْبَتَتْ مَا يُوجِبُ الطَّلَاقَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُورِدُ عَلَى الْحَدِّ بِوَجْهٍ، وَقَدْ رَأَيْت تَقْيِيدًا عَنْ الشَّيْخِ رحمه الله وَنَفَعَ بِهِ وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ تَصَوَّرَ ثُبُوتَ الِاسْتِحْقَاقِ بِدُونِ شَهَادَةٍ بِالْغَصْبِ مُشْكِلٌ قَالَ: لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَشْهَدُ بِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِ مَالِكِهِ بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمَعْلُومَةِ قَالَ، ثُمَّ إنَّ وُجُودَ الْمُسْتَحَقِّ بِيَدِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ مَعَ الشَّهَادَةِ لِلْمُسْتَحِقِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا غَصَبَهُ فَيَلْزَمُ فِي الْمُسْتَحَقِّ مِنْ يَدِهِ مَا يَلْزَمُ الْغَاصِبُ مِنْ رَدِّ الْغَلَّةِ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ تَعَارَضَ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ الْغَالِبُ أَنْ لَا يَحُوزَ الْإِنْسَانُ شَيْئًا إلَّا بِأَحَدِ الْوُجُوهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ خُرُوجِ الْمِلْكِ عَنْهُ فَرُوعِيَ الْغَالِبُ وَتُرِكَ الْأَصْلُ لِلْمَصْلَحَةِ فَتَأَمَّلْ هَذَا كَذَا وَجَدْته عِنْدِي وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَنْفَعُنَا بِهِ وَبِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ.
[كِتَاب الشُّفْعَةِ]
(ش ف ع) : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
قَالَ الشَّيْخُ رضي الله عنه " الشُّفْعَةُ اسْتِحْقَاقُ شَرِيكٍ أَخَذَ مَبِيعَ شَرِيكِهِ بِثَمَنِهِ " الشُّفْعَةُ فِي اللُّغَةِ مُشْتَقٌّ مِنْ الشَّفْعِ كَذَا قِيلَ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَخْذًا وَضَمًّا لِحِصَّةٍ أُخْرَى شَفَعَتْهُ، وَأَمَّا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ فَهُوَ أَخَصُّ وَوُضِعَتْ لَمَّا وَقَعَ الْحَدُّ لَهُ فَقَوْلُ الشَّيْخِ اسْتِحْقَاقٌ صَيَّرَهُ جِنْسًا لِلشُّفْعَةِ وَالِاسْتِحْقَاقُ الْمَعْهُودُ وَهُوَ رَفْعُ مِلْكِ شَيْءٍ وَلَا يَصِحُّ هُنَا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْأَخْذِ بَلْ الْمُرَادُ بِالِاسْتِحْقَاقِ اللُّغَوِيُّ أَيْ طَلَبُ الشَّرِيكِ بِحَقِّ أَخْذِ مَبِيعِ شَرِيكِهِ وَطَلَبُهُ أَعَمُّ مِنْ أَخْذِهِ فَمَاهِيَّةُ الشُّفْعَةِ إنَّمَا هِيَ طَلَبُ الشَّرِيكِ بِحَقِّ أَخْذِ مَبِيعِ شَرِيكِهِ وَهِيَ مَعْرُوضَةٌ لِلْأَخْذِ وَعَدَمِهِ وَلِذَا عَبَّرَ بِالِاسْتِحْقَاقِ لِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ
لَا الْمَاهِيَّةُ قَابِلَةٌ لِلْأَخْذِ هُنَا وَالتَّرْكِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِحْقَاقِ فِي الشَّرِيكِ بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ حَالَةً يَثْبُتُ لَهُ بِهَا حَقٌّ فِي الشُّفْعَةِ كَمَا تَقُولُ فُلَانٌ يَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ لِلْعَدَالَةِ بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ حَالَةً تُوجِبُ لَهُ الِاخْتِصَاصَ بِذَلِكَ بِسَبَبِ بَيْعِ شَرِيكِهِ فَالْأَوَّلُ يَرْجِعُ إلَى طَلَبِ فِعْلٍ وَالثَّانِي لِنِسْبَةٍ فَإِذَا بَاعَ شَرِيكٌ حِصَّةً مِنْ دَارٍ فَلِشَرِيكِهِ الشُّفْعَةُ فَهَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ لَلشَّرِيك طَلَبَ أَخْذِ الْمَبِيعِ بِسَبَبِ الْبَيْعِ أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّرِيكَ لَهُ حَالَةٌ اسْتَحَقَّ بِهَا الطَّلَبَ أَوْ الْأَخْذَ بِسَبَبِ الْبَيْعِ ذَلِكَ مِمَّا يُقَوِّي مَعْنَى الِاسْتِحْقَاقِ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالظَّاهِرُ هُوَ الصَّوَابُ.
الثَّانِي وَطَلَبُ الشُّفْعَةِ يَبْعُدُ هُنَا وَسَنَزِيدُ ذَلِكَ بَيَانًا بَعْدُ، وَقَوْلُهُ " شَرِيكٍ " وَخَرَجَ بِهِ غَيْرُ الشَّرِيكِ وَقَوْلُهُ " مَبِيعِ شَرِيكِهِ " أَخْرَجَ بِهِ غَيْرَ مَبِيعِ شَرِيكِهِ قَوْلُهُ " بِثَمَنِهِ " أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا اسْتَحَقَّهُ بِمِلْكٍ مَلَكَهُ بِهِ وَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشُفْعَةٍ أَوْ اسْتَحَقَّهُ بِثَمَنٍ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ إذَا بَاعَهُ لَهُ فَإِذَا فَهِمْت مَا ذَكَرْنَاهُ عَلِمْت مَا يَبْطُلُ بِهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِي مَجْلِسِهِ: إنَّ الشَّيْخَ إنَّمَا عَرَّفَ بِالِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّهُ مَالَ إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: الشُّفْعَةُ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ لَا مِنْ بَابِ الْبَيْعِ. وَهَذَا كَلَامٌ لَا صِحَّةَ لَهُ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِحْقَاقِ مَا بَيَّنَّا بِهِ كَلَامَهُ بِالْوَجْهَيْنِ وَذَلِكَ شَامِلٌ لِلْمَذْهَبَيْنِ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: هَلْ تُعْطَى حُكْمَ الِاسْتِحْقَاقِ إذَا وَقَعَ أَخْذُ الشِّقْصِ أَمْ لَا وَلِذَا بَنَوْا عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلَ مِنْهَا إذَا اكْتَرَى الْمُشْتَرِي مُدَّةً، ثُمَّ وَقَعَ الِاسْتِحْقَاقُ هَلْ يَقَعُ الْفَسْخُ أَمْ لَا وَقَدَّمْنَا التَّنْبِيهَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلُ.
وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ الشُّفْعَةَ فِي الدَّيْنِ وَلَا يَصِحُّ إيرَادُهَا بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْمُورِدَ أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ فِي الدَّيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا صُورَتُهَا اسْتِحْقَاقُ الْمَدِينِ أَخْذَ الدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ بِالْعِوَضِ الَّذِي بِيعَ بِهِ وَهَذِهِ الشُّفْعَةُ لَيْسَ فِيهَا شَرِكَةٌ فِي شِقْصٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي الدَّيْنِ» وَيَرُدُّ هَذَا الْكَلَامَ بِأَنَّ الشُّفْعَةَ حَيْثُ قِيلَ بِهَا إنَّمَا ذَلِكَ قَوْلٌ شَاذٌّ فِي الْمَذْهَبِ وَإِنْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ قَالُوا وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا الشُّفْعَةَ مَجَازًا بِمَعْنَى رَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الْمَدِينِ الشَّبِيهِ بِالشُّفْعَةِ.
قَالُوا إنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَصِحَّ وَذَكَرَ الشَّيْخُ رحمه الله رَسْمَ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ أَخَذَ الشَّرِيكُ حِصَّةً جَبْرًا شِرَاءٌ وَاعْتَرَضَهُ بِمَا سَيَأْتِي وَنَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ نَقَضَ طَرْدَهُ بِأَخْذِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا لَا يَنْقَسِمُ بِمَا يَقِفُ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنٍ إنْ دَعَا لِبَيْعِهِ أَحَدُهُمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْجَوَابُ بِأَنَّ
الْمَأْخُوذَ كُلُّ الْمُشْتَرَكِ لَا حَظُّ الشَّرِيكِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ قَالَ الشَّيْخُ رحمه الله قَوْلُ ابْنُ الْحَاجِبِ جَبْرًا يَمْنَعُ دُخُولَ مَا ذَكَرَ لِأَنَّ قُدْرَةَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الزِّيَادَةِ تَمْنَعُ كَوْنَ أَخْذِهِ جَبْرًا، ثُمَّ ذَكَرَ قَبْلَ هَذَا الرَّدَّ عَلَى الشَّيْخِ ابْنِ هَارُونَ فِي رَدِّهِ بِأَنَّ حَدَّ ابْنِ الْحَاجِبِ غَيْرُ مَانِعٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الشُّفْعَةِ فِي الْعُرُوضِ وَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، قَالَ الشَّيْخُ وَهَذَا لَا يَخْفَى سُقُوطُهُ لِذِي فَهْمٍ (قُلْت) وَبَيَانُ أَنَّهُ سَاقِطٌ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ جَبْرًا وَالْجَبْرُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ حَاكِمٍ فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ يَقُولُ بِالشُّفْعَةِ فِي الْعُرُوضِ فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ فَلَا جَبْرَ لَهُ، ثُمَّ إنَّ الرَّسْمَ إنَّمَا هُوَ لِلْمَاهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا مَا يَمْنَعُهَا فَتَأَمَّلْهُ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يُقَرِّرُهُ كَذَلِكَ وَرَأَيْت لِبَعْضِ فُقَهَاءِ شُيُوخِ الْعَصْرِ رحمهم الله أَيْضًا هُنَا كَلَامًا بَحَثَ فِيهِ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ قَالَ وَجْهُ قَوْلِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ وَلَا يَخْفَى سُقُوطُهُ لِذِي فَهْمٍ فِي رَدِّهِ عَلَى الشَّيْخِ ابْنِ هَارُونَ رحمه الله أَنَّ الْمَحْدُودَ هُوَ الْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِرَاضُ بِالْعُرُوضِ فِي عَدَمِ طَرْدِ الْحَدِّ.
قَالَ الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ وَمَا قَالَهُ الصَّاحِبُ الْمَذْكُورُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ حَمْلَ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى ذَلِكَ يُخِلُّ بِالْعَكْسِ فِي الْحَدِّ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ بِهَا هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ بِاخْتِصَارٍ.
(فَإِنْ قُلْت) مَا نَقَلَهُ عَنْ الصَّاحِبِ الْمَذْكُورِ لَا بُعْدَ فِي قَصْدِهِ مِنْ الشَّيْخِ رحمه الله فِي بَيَانِ سُقُوطِ مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا هُوَ لِلْحَقِيقَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ مَذْهَبٍ وَلَا صِحَّةٍ وَلَا فَسَادٍ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ هُنَا (قُلْت) هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَمَا أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ مِنْ عَدَمِ الْعَكْسِ فَلَنَا أَنْ نَقُولَ: نَلْتَزِمُ ذَلِكَ وَنَلْتَزِمُ أَنْ يُزَادَ فِي الرَّسْمِ بَعْدَ شَرِيكٍ أَوْ جَارٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ رُبَّمَا رَاعَى رَسْمًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَكَذَا الشَّيْخُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَمُحَقِّقُو الشُّيُوخِ رَأَوْا أَنَّ الرَّسْمَ أَوْ الْحَدَّ إنَّمَا هُوَ لِلْمَاهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، وَقَدْ نَقْلنَا كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مَوَاضِعَ وَاخْتَارَ ذَلِكَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ كَذَلِكَ وَاعْتَرَضَ فِي الشَّهَادَةِ بِمَا يَجْرِي عَلَى مُرَاعَاةِ ذَلِكَ لَكِنْ إنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي الْخِلَافِ الْمَذْهَبِيِّ، وَأَمَّا مُطْلَقُ خِلَافٍ فَلَا وَهُوَ الصَّوَابُ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ الْفَقِيهَ الْمَذْكُورَ قَالَ: التَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ فِي بَيَانِ السُّقُوطِ أَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ مَعْنَى كَوْنِ الْحَدِّ غَيْرَ مَانِعٍ أَنْ يَصْدُقَ الْحَدُّ فِي فَرْدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ خَارِجًا عَنْ مَاهِيَّةِ
الْمَحْدُودِ فَيُوجِبُ الْحَدُّ إدْخَالَ شَيْءٍ فِي الْمَاهِيَّةِ مِمَّا لَيْسَ مِنْهَا وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْحَدِّ الَّذِي هُوَ أَخْذُ الشَّرِيكِ إلَخْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْعُرُوضِ عَلَى مَذْهَبِنَا وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ فَكَيْفَ يَدَّعِي وُجُودَ صَادِقِيَّةِ الْحَدِّ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ هَذَا مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَنَقُولُ: أَمَّا تَفْسِيرُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ مَعْنَى كَوْنِ الْحَدِّ غَيْرَ مَانِعٍ فَصَحِيحٌ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا غَيْرُ مُطَّرِدٍ فِي اصْطِلَاحٍ، وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ فِي صُورَتِهِ فَيُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يُوجَدْ فِي صُورَتِنَا عَلَى مَا بُنِيَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْحَدَّ لِلْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى كُلِّ مَذْهَبٍ كَانَ، ثُمَّ قَوْلُهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْعُرُوضِ عَلَى الْمَذْهَبِ هَذَا عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ مَارِثٍ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ الْخِلَافَ فِي الشُّفْعَةِ فِي الْعُرُوضِ وَالتَّعْرِيفِ لِلْمَشْهُورِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ إذَا بَاعَ شَرِيكٌ حَائِطًا وَفِيهِ عُرُوضٌ وَحَيَوَانٌ أَنَّ الشُّفْعَةَ فِي ذَلِكَ وَفِي الْعُرُوضِ، ثُمَّ قَالَ إنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالشَّيْخِ ابْنِ عَرَفَةَ إنَّمَا حُدُودُهُمَا قَاصِرَةٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهَذَا صَوَابٌ كَمَا قَدَّمْنَا وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّرْدِيدُ فِي مُرَاعَاةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ أَوْ عَلَى قَوْلٍ مَذْهَبِيٍّ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ الْفَقِيهَ الْمَذْكُورَ اعْتَرَضَ عَلَى حَدِّ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي عَدَمِ مَنْعِهِ بِصُورَتَيْنِ.
(الْأُولَى) مَسْأَلَةُ التَّيَمُّمِ إذَا كَانَ الْمَاءُ شَرِكَةً بَيْنَ حَيٍّ وَمَيِّتٍ وَلَا يَكْفِي إلَّا أَحَدُهُمَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْحَيُّ أَوْلَى بِالْقِيمَةِ وَقِيلَ الْمَيِّتُ أَوْلَى.
(الثَّانِيَةُ) إذَا كَانَ عَرَضٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ شَرِيكِهِ، ثُمَّ أَقَالَهُ بِشَرْطِ أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ فَإِنَّ الشَّرِيكَ يَأْخُذُهُ لِشَرْطِهِ وَهِيَ فِي السَّمَاعِ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ ابْنَ عَرَفَةَ رحمه الله رَدَّ حَدَّ ابْنِ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ حَدُّ ابْنِ الْحَاجِبِ أَخْذَهَا لَا مَاهِيَّتَهَا؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ مَعْرُوضَةٌ لِلْأَخْذِ وَنَقِيضِهِ وَهُوَ تَرْكُهَا، وَالْمَعْرُوضُ لِشَيْئَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ لَيْسَ عَيْنَ أَحَدِهِمَا وَإِلَّا اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ وَتَقْرِيرُهُ جَلِيٌّ وَبَيَانُ تَقْرِيرِهِ فِيمَا كَانَ يَمْضِي لَنَا أَنْ نَقُولَ قَصْدُهُ رحمه الله أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْأَخْذَ غَيْرُ الشُّفْعَةِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ الرَّدَّ الْمَذْكُورَ فَالدَّعْوَى أَنَّ الْأَخْذَ غَيْرُ الشُّفْعَةِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقِيَاسٍ اسْتَثْنَى فِيهِ نَقِيضَ التَّالِي وَبَيَّنْت فِيهِ الْمُلَازَمَةَ بِقِيَاسِ حَمْلَيْ الصُّغْرَى بِالْفَرْضِ وَالْكُبْرَى بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَ مِنْ الْقِيَاسِ أَيْضًا فَيُقَالُ: الْأَخْذُ لَوْ كَانَ عَيْنَ الشُّفْعَةِ؛ لَصَحَّ اجْتِمَاعُ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَعَدَمُ الْأَخْذِ وَذَلِكَ مُحَالٌ قَطْعًا؛ لِامْتِنَاعِ التَّنَاقُضِ وَهُوَ بَاطِلٌ فَالْقِدَمُ كَذَلِكَ فَصَحَّتْ النَّتِيجَةُ وَهِيَ الدَّعْوَى.
(بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ) أَنَّا فَرَضْنَا أَنَّ الشُّفْعَةَ مَعْرُوضَةٌ أَيْ مَحَلًّا لِلْأَخْذِ وَنَقْضِهِ وَهُوَ تَرْكُهَا
فَالصُّغْرَى مُسْلِمَةٌ بِالْفَرْضِ وَمَا كَانَ مَعْرُوضًا لِشَيْئَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ لَيْسَ عَيْنَ أَحَدِهِمَا قَطْعًا وَإِلَّا لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ لِفَرْضِ أَنَّ الْمَعْرُوضَ هُوَ عَيْنُ أَحَدِ الْمُتَنَافِيَيْنِ مَعَ قَبُولِهِ لِلِاتِّصَافِ بِالْعَارِضِ الْآخَرِ فَالْجَوْهَرُ الْمَعْرُوضُ لِلْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ يَسْتَحِيلُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَيْنَ أَحَدِ الْمُتَنَافِيَيْنِ وَإِلَّا لَزِمَ عَيْنُ اجْتِمَاعِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ وَالشَّيْخُ رحمه الله أَطْلَقَ هُنَا الْمُتَنَاقِضَيْنِ عَلَى مَا يَعُمُّ النَّقِيضَيْنِ أَوْ مَا يَسْتَلْزِمُ النَّقِيضَيْنِ كَالْمُتَضَادِّينَ اللَّذَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ وَتَنَافِيهِمَا لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُ النَّقِيضَيْنِ؛ لِأَنَّ تَضَادَّهُمَا لَيْسَ بِالذَّاتِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ عَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ بِقَوْلِهِ: النَّقِيضُ أَوْ مَا يَسْتَلْزِمُ مَعْنَاهُ وَلَوْ قَالَ كَذَلِكَ هُنَا؛ لَكَانَ حَسَنًا وَلَمَا كَانَ كَلَامُهُ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ الْإِجْمَالِ أَوْ الِاحْتِمَالِ.
اعْتَرَضَ عَلَيْهِ تِلْمِيذُهُ الشَّيْخُ الْوَانُّوغِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَهُ وَالْمَعْرُوضُ لِشَيْئَيْنِ إلَخْ الْبَحْثُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
(الْأَوَّلُ مِنْهُمَا) فِي صِحَّةِ جَعْلِ التَّرْكِ نَقِيضًا لِلْأَخْذِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ نَقِيضَ الْأَخْذِ لَا أَخْذَ وَلَا أَخْذَ أَعَمُّ مِنْ التَّرْكِ وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدَ ذَوِي الْأَفْهَامِ السَّلِيمَةِ (قُلْت) ذَوُو الْأَفْهَامِ السَّلِيمَةِ لَا يُسَلِّمُونَ لَهُ هَذَا الْبَحْثَ الْمَذْكُورَ مَعَ شَيْخِهِ رحمه الله وَلِذَا قَالَ الْمُكْمِلُ عَلَى التَّكْمِلَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَ نَقْلِهِ لَهُ وَفِي النَّظَرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ لَهُ مَفْهُومَانِ أَحَدُهُمَا أَخَصُّ وَهُوَ تَصْرِيحُهُ بِالْإِسْقَاطِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ لَا أَخْذَ وَأَنَّ لَا أَخْذَ أَعَمُّ مِنْهُ، وَالْمَعْنَى الْآخَرُ فِي مَعْنَى التَّرْكِ عَدَمُ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ صَرَّحَ أَوْ سَكَتَ حَتَّى مَضَى مَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقِيَامِ قَالَ وَهَذَا مُرَادُ الشَّيْخِ بِقَوْلِهِ نَقِيضُ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لِلنَّقِيضِ الَّذِي هُوَ لَا أَخْذَ (قُلْت) فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إنَّ تَرْكَ الْأَخْذِ بِهَا الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ إسْقَاطِهَا، وَالسُّكُوتُ عَنْهُ مُسَاوٍ لِنَقِيضِ الْأَخْذِ فَصَحَّ إطْلَاقُ النَّقِيضِ عَلَيْهِ مِنْ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذَا صَوَابٌ وَهُوَ يَرْجِعُ لِمَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ إطْلَاقِ النَّقِيضِ عَلَى مَا يَعُمُّ النَّقِيضَ حَقِيقَةً أَوْ مَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كَالضِّدَّيْنِ الْمُسَاوِيَيْنِ لِلنَّقِيضِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَهُ قَبْلَ وُقُوفِي عَلَيْهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ نَقِيضَ الْأَخْذِ يَصْدُقُ عَلَى تَرْكِ الْأَخْذِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُنَافٍ لِلْأَخْذِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ مُسَاوٍ لِنَقِيضِ الْأَخْذِ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُنَافٍ لِلْأَخْذِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ لَا يُنَافِي الْأَخْذَ الْمَذْكُورَ بَلْ السُّكُوتُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ الْبَحْثُ بِهِ مِنْ بَعْضِ الْحَاضِرِينَ وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ
بِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ الْأَخْذُ الْفِعْلِيُّ وَذَلِكَ مُنَافٍ لِلسُّكُوتِ وَقَسِيمِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(الْوَجْهُ الثَّانِي) مِنْ الْبَحْثِ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ التَّكْمِلَةِ قَالَ رحمه الله مَا أَلْزَمَهُ مِنْ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ فِي قَوْلِهِ إنَّ الْمَعْرُوضَ لِشَيْئَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ لَوْ كَانَ عَيْنَ أَحَدِهِمَا لَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ غَيْرُ وَاضِحٍ قَالَ بَلْ إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَعْرُوضُ لِشَيْئَيْنِ بِقَيْدِ الْمَعِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِ وَإِنَّمَا اللَّازِمُ عَلَى مَا قَالَ كَوْنُ الْمَعْرُوضِ أَعَمَّ غَيْرُ أَعَمَّ؛ لِأَنَّ عَيْنَ أَحَدِهِمَا لَا يَصْدُقُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا يَحْتَمِلُهُ وَالْمَعْرُوضُ مُسَاوٍ لَهُ فَيَلْزَمُ عَدَمُ تَنَاوُلِهِ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ أَعَمَّ. هَذَا خُلْفٌ أَلَا تَرَى أَنَّ التَّصْدِيقَ أَعَمُّ مِنْ عَارِضِيَّةِ اللَّذَيْنِ هُمَا السَّلْبُ وَالْإِيجَابُ وَاللَّوْنُ أَعَمُّ مِنْ الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ وَإِنَّمَا اللَّازِمُ مَا قُلْنَاهُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الِاجْتِمَاعُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ بِقَيْدِ الِاجْتِمَاعِ قَالَ فَتَأَمَّلْهُ بِالْإِنْصَافِ لَا بِالْمَيْلِ وَالِاعْتِسَافِ، ثُمَّ قَالَ وَإِنَّمَا جَرَى فِي كَلَامِنَا الْبَيَاضُ وَالسَّوَادُ؛ لِأَنَّ قَصْدَنَا مِثَالٌ نُمَهِّدُ بِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّصْدِيقِ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ فِي النَّقِيضَيْنِ هَذَا مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ التَّكْمِلَةِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ قَصَدَ الْقَدْحَ فِي الْمُلَازَمَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانُهَا وَأَنَّ الْمُلَازَمَةَ لَا يَصْدُقُ مَعْنَاهَا كُلِّيًّا عَامًّا وَإِنَّمَا تَصْدُقُ جُزْئِيَّةً فَالْقَصْدُ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِهِ وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ وَالْمَعِيَّةُ لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ بَلْ الْعَارِضَانِ لِلْمَعْرُوضِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ.
(قُلْت) وَهُوَ كَلَامٌ لَمْ يَظْهَرْ بِوَجْهٍ وَلِذَا صَاحِبُ تَكْمِلَةِ التَّكْمِلَةِ لَمَّا ذَكَرَهُ قَالَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّقْيِيدِ لَا عَلَى الْمَعِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ كَلَامُ الشَّيْخِ رحمه الله صَوَابٌ وَقَرَّرَهُ بِمَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَعْرُوضَ إذَا فَرَضْنَاهُ عَيَّنَ أَحَدَ الْعَارِضَيْنِ، فَأَمَّا أَنْ يُمْكِنَ عُرُوضُ الْعَارِضِ الْآخَرِ أَمْ لَا فَإِنْ أَمْكَنَ عُرُوضُهُ لَهُ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ مُنَافِيًا لِلْعَارِضِ الْآخَرِ فَقَدْ اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ قَطْعًا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ عُرُوضُهُ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ عَوَارِضِهِ وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ مِنْ عَوَارِضِهِ هَذَا خُلْفٌ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ الْوَانُّوغِيُّ رحمه الله فِي قَوْلِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ التَّصْدِيقِ عَيْنَ الْإِيجَابِ تَنَاقُضًا إلَخْ فَكَلَامٌ ضَعِيفٌ لَا يَخْفَى ضَعْفُهُ عَلَى مَنْ لَهُ مُشَارَكَةٌ فِي الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ وَهَذَا الرَّدُّ ظَاهِرٌ كَمَا ذَكَرَ الرَّادُّ
(فَإِنْ قُلْت) عَلَى تَسْلِيمِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ التَّكْمِلَةِ وَأَنَّهُ إنَّمَا يَتَقَرَّرُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ أَعَمَّ غَيْرَ أَعَمَّ يَتِمُّ مُرَادُ الشَّيْخِ مِنْ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ؛ لِأَنَّ أَعَمَّ نَقِيضُهُ لَا أَعَمَّ، فَقَدْ اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ إذَا كَانَ الْمَعْرُوضُ الْأَعَمُّ عَيْنَ أَحَدِ الْمُتَضَادَّيْنِ بِمَا قَرَّرْنَا فَنَقُولُ: الشُّفْعَةُ أَعَمُّ مِنْ الْأَخْذِ وَعَدَمِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ عَيْنَ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَكَانَتْ أَعَمُّ غَيْرَ أَعَمَّ وَهُوَ مُتَنَاقِضٌ.
قُلْت) هَذَا صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ وَلَيْسَ مُرَادُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ رحمه الله بِاجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ الْعَارِضَيْنِ وَهُوَ وَإِنْ صَحَّ لَمْ يَقْصِدْهُ الشَّيْخُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ نَرْجِعُ لِكَلَامِ الشَّيْخِ رحمه الله فِي أَصْلِ كَلَامِهِ فِي رَدِّهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ أَخْذَهَا لَا مَاهِيَّتَهَا؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إلَخْ وَقَرَّرَ كَلَامَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ عَصْرِنَا مِمَّنْ لَهُ تَمَامُ الْمُشَارَكَةِ فِي الْعُلُومِ رحمه الله بِقَوْلِهِ إنَّ الدَّعْوَى أَنَّ الشُّفْعَةَ غَيْرُ الْأَخْذِ وَالدَّلِيلُ قِيَاسِيٌّ اقْتِرَانِيٌّ حَمْلِيٌّ بَيَّنْت كُبْرَاهُ بِشَرْطِيَّةٍ اسْتَثْنَى فِيهَا نَقِيضَ تَالِيهَا يُنْتِجُ نَقِيضَ مُقَدِّمِهَا وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الصُّغْرَى فِي كَلَامِ الشَّيْخِ الشُّفْعَةُ مَعْرُوضَةٌ لِلْأَخْذِ وَالتَّرْكِ وَالْكُبْرَى وَالْمَعْرُوضِ إلَخْ وَدَلِيلُ الْكُبْرَى قَوْلُهُ وَإِلَّا اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ وَتَقْرِيرُهُ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ مُشَارَكَةٌ قَالَ وَالصُّغْرَى لَمْ يُبَيِّنْهَا الشَّيْخُ وَرَآهَا جَلِيَّةً وَيَظْهَرُ مِنْ قَصْدِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ رحمه الله فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ هَذَا الشَّيْخُ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَرَّرْنَاهُ قَبْلَ لَفْظِهِ إلَّا أَنَّ هَذَا الشَّيْخَ لَمْ يُبَيِّنْ الْكُبْرَى وَهِيَ مِحَكُّ الْبَحْثِ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ الْفَقِيهَ الْمَذْكُورَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ انْتَقَدَ عَلَى الصُّغْرَى بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ مَنَعَ صِدْقَهَا بَلْ الْمَعْرُوضُ لِلْأَخْذِ وَالتَّرْكِ هُوَ الشِّقْصُ لَا الشُّفْعَةُ وَسَبَبُ عُرُوضِ الْأَخْذِ لَهُ هُوَ الشُّفْعَةُ الْمُعَرَّفَةِ بِالِاسْتِحْقَاقِ الْخَاصِّ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُنَا أَخَذْت الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَقُولَ أَخَذْت الشُّفْعَةَ إذْ الِاسْتِحْقَاقُ لَا يَتَعَقَّلُ كَوْنُهُ مَأْخُوذًا.
ثُمَّ رَدَّ وَغَلَا وَعَلَا عَلَى الْإِمَام بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ فَقَوْلُهُ مَعْرُوضَةٌ لِلْأَخْذِ لَا يَخْفَى سُقُوطُهُ وَهَذَا فِيهِ إغْلَاظٌ عَلَى الْإِمَامِ السَّنِيِّ الشَّيْخِ السُّنِّيِّ رحمه الله وَنَفَعَ بِهِ فَنَقُولُ الْأَدَبُ وَاجِبٌ مَعَ الْأَئِمَّةِ السَّابِقِينَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالدِّيَانَةِ وَكَلَامُ الْبَاحِثِ الْمَذْكُورُ كَلَامُ مَنْ وَقَفَ وَهْمُهُ عِنْدَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ كَأَنَّهُ لَمْ يَرَ كَلَامَ الْفُقَهَاءِ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ الشُّفْعَةِ بِقَوْلِهِمْ أُخِذَ بِالشُّفْعَةِ وَأَسْقَطَ الشُّفْعَةَ وَمُسْقِطَاتُ الشُّفْعَةِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا مَا تَمْلَأُ بِهِ الدَّفَاتِرَ فِي كَثْرَةِ التَّعْبِيرِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ أَخْبَرَ بِالثَّمَنِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الثَّمَنَ دُونَ ذَلِكَ فَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ وَيَحْلِفُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَقَالَ فِيهَا إنْ قَالَ أَخَذْت بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالثَّمَنِ وَفِيهَا إنْ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ لَزِمَهُ وَقَالَ فِيهَا الْمُسَاوَمَةُ تُسْقِطُ الشُّفْعَةَ فَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ لَك أَنَّ الشُّفْعَةَ مَعْرُوضَةٌ لِلْأَخْذِ وَالتَّسْلِيمِ نَقْلًا وَعَقْلًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَخْذِ هُنَا الْقَبْضَ وَالْمُنَاوَلَةَ الْحِسِّيَّةَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ الْقِيَامُ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَخْذِ وَعَدَمِ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ فُلَانٌ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ
إذَا قَامَ بِهَا وَلَمْ يَأْخُذْ بِهَا إذَا سَلَّمَهَا وَالْأَخْذُ بِالشِّقْصِ بِمَعْنَى الْقَبْضِ بِسَبَبِ الشُّفْعَةِ فَإِذَا فَهِمْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ الْبَاحِثَ تَسَاهَلَ وَأَطْلَقَ اللِّسَانَ فِي إنْسَانِ عَيْنِ الزَّمَانِ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ الْفَقِيهَ رحمه الله لَمْ يَعْتَرِضْ كَلَامَ هَذَا الْبَاحِثِ مِنْ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ.
وَالصَّوَابُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ بَلْ قَالَ هَذَا لَا يُنْتَجُ لَهُ فِي مَقْصِدِهِ لِأَنَّ الْأَخْذَ إذَا كَانَ مِنْ عَوَارِضِ الْمَشْفُوعِ فِيهِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الشُّفْعَةِ كَانَ مِنْ عَوَارِضِ الشُّفْعَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا لَوْلَا الطُّولُ لَجَلَبْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ وَفِيهِ اعْتِرَاضَاتٌ لَا يَخْفَى ذِكْرُهَا يَخْرُجُ عَنْ مَقْصِدِنَا وَإِنَّمَا أَشَرْنَا لِهَذِهِ النُّبْذَةِ تَكْمِيلًا لِلْفَائِدَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ فَلْنَرْجِعْ لِأَسْئِلَةٍ تَرِدُ عَلَى الشَّيْخِ رحمه الله فَنَقُولُ.
(فَإِنْ قُلْت) قَدْ قَدَّمَ الشَّيْخُ فِي حَدِّ التَّفْلِيسِ أَنَّهُ قَالَ حُكْمُ الْقَاضِي بِخَلْعِ الْمَالِ إلَخْ وَكَانَ الْجَارِي عَلَى مَا قَدَّمَ أَنْ يَقُولَ فِي الشُّفْعَةِ أَنَّهُ الْحُكْمُ بِاسْتِحْقَاقِ شَرِيكٍ (قُلْت) سِرُّ ذَلِكَ أَنَّ التَّفْلِيسَ هُوَ الْحُكْمُ بِالْخَلْعِ وَلَا يَتَقَرَّرُ بِغَيْرِ حُكْمٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا هُنَا أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ هُوَ طَلَبُ الشَّرِيكِ لِمَا ذَكَرَ أَوْ حَالَةٌ لِلشَّرِيكِ وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى حُكْمٍ بِوَجْهٍ وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحُكْمِ أَخْذُ الشَّرِيكِ، وَقَدْ قَالُوا: إنَّ الْعَمَلَ عَلَى الْحُكْمِ وَالْأَخْذِ وَأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بِالْإِشْهَادِ وَمَا وَقَعَ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ لَا عَمَلَ عَلَيْهِ وَقَدْ قَدَّمَ الشَّيْخُ رحمه الله أَنَّ الْأَخْذَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ نَفْسَ الْمَاهِيَّةِ وَإِنَّمَا هُوَ عَارِضُهَا وَمَا قَالُوهُ إنَّ الشُّفْعَةَ تَفْتَقِرُ لِحُكْمٍ مَعْنَاهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى مَعَ مَا سَيَأْتِي فِي مُوجِبِ اسْتِحْقَاقِ الشَّفِيعِ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ هَذَا.
(فَإِنْ قُلْت) قَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْمُوصِيَ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ وَالْأَبُ وَمُقَدَّمُ الْقَاضِي وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَرِيكٌ فَحَقُّ الشَّيْخِ أَنْ يَقُولَ أَوْ نَائِبَهُ (قُلْت) هَذَا يُظْهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَقَدْ يُصَرِّحُ الشَّيْخُ فِي مَوَاضِعَ بِالنِّيَابَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَصْلِ فِي الْحَدِّ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ هُنَا لَكَانَ حَسَنًا.
(فَإِنْ قُلْت) أَوْرَدَ بَعْضُ شُيُوخِ الْعَصْرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ رحمه الله فِيمَا رَأَيْت عَنْهُ أَنَّ صُورَةً مِنْ صُوَرِ الثُّنْيَا تَرِدُ عَلَى رَسْمِهِ فِيمَا إذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي دَارٍ، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نِصْفَهُ لِشَرِيكِهِ، ثُمَّ الْتَزَمَ لَهُ أَنْ يُقِيلَهُ، ثُمَّ أَقَالَهُ عَلَى أَنَّهُ مَهْمَا بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَأَتَى بِمِثْلِ الثَّمَنِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ رَسْمُ الشَّيْخِ فِي الشُّفْعَةِ وَهِيَ مَنْصُوصَةٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ وَهِيَ لَيْسَتْ شُفْعَةً فَهَلْ يُرَدُّ ذَلِكَ
(قُلْت) لَمَّا رَأَيْت عَنْهُ هَذَا السُّؤَالَ ظَهَرَ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ لَيْسَ بِشَرِيكٍ بَلْ كَانَ شَرِيكًا فَإِنْ أُجِيبَ بِجَوَابِ
الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282] فَقَدْ عَلِمْت مَا تَقَدَّمَ فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ، ثُمَّ رَأَيْت عَنْهُ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ إصْلَاحُهُ اسْتِحْقَاقُ شَرِيكٍ مِنْ حَيْثُ هُوَ شَرِيكٌ (فَإِنْ قُلْت) ذَكَرَ بَعْضُ الْعَصْرِيِّينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ حَدَّ الشَّيْخِ رحمه الله فِيهِ بَحْثٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَتَى بِثَمَرَةِ الشُّفْعَةِ وَصَيَّرَهُ جِنْسًا لَهَا وَالثَّمَرَةُ خَارِجَةٌ عَنْ الْمُثْمِرِ لَهَا قَالَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ لَك أَنْ تَقُولَ اسْتِحْقَاقُ الشَّرِيكِ مُسَبَّبٌ عَنْ الشُّفْعَةِ وَالسَّبَبُ غَيْرُ الْمُسَبَّبِ (قُلْت) رَأَيْت فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ قَالَ مَا نَصُّهُ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْإِيرَادِ بِأَنْ يُقَالَ مَعْنَى الِاسْتِحْقَاقِ كَوْنُ الشَّرِيكِ أَحَقَّ بِأَخْذِ الشِّقْصِ بِثَمَنِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَكَوْنُ الشَّرِيكِ أَحَقَّ هُوَ نَفْسُ الشُّفْعَةِ لَا مُسَبَّبٌ عَنْهَا، ثُمَّ قَالَ وَفِيهِ بَحْثٌ.
(فَإِنْ قُلْت) فَهَلْ يَصِحُّ الْجَوَابُ بِذَلِكَ (قُلْت) قَدْ أَشَارَ الْمُجِيبُ بِأَنَّ فِيهِ بَحْثًا وَلَا شَكَّ فِي الْبَحْثِ فِي هَذَا مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ تَفْسِيرُهُ الِاسْتِحْقَاقَ الْمَذْكُورَ بِمَا ذَكَرَ وَهُوَ تَفْسِيرُ لَفْظٍ بِلَفْظٍ أَخْفَى مِنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَحَقِّيَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا مَا يُوجِبُ الدُّورَ مَعَ تَفْسِيرِ الِاسْتِحْقَاقِ، ثُمَّ دَعْوَى الْمُجِيبِ بِأَنَّ هَذَا هُوَ عَيْنُ الشُّفْعَةِ مُصَادَرَةً فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ وَالصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ الْمَنْعُ مِنْ أَنَّ الشُّفْعَةَ تَكُونُ سَبَبًا فِي الْمَذْكُورِ بَلْ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ ثُبُوتُ بَيْعِ شَرِيكٍ حِصَّتَهُ مَعَ شَرِيكٍ وَذَلِكَ الْبَيْعُ سَبَبٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالِاسْتِحْقَاقُ قَدْ قَدَّمْنَا فِيهِ أَحَدَ أَمْرَيْنِ إمَّا طَلَبُ حَقٍّ وَإِمَّا حَالَةٌ لِلشَّرِيكِ بِهَا يَخْتَصُّ بِالشِّقْصِ عَنْ شَرِيكِهِ فَالشُّفْعَةُ هِيَ الِاسْتِحْقَاقُ الْمَذْكُورُ إلَخْ فَلَا تَصِحُّ السَّبَبِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْمُعْتَرِضُ بِمَا نَصُّوا عَلَيْهِ بَعْدُ فِي قَوْلِهِمْ مُوجِبُ اسْتِحْقَاقِ الشَّفِيعِ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ ثُبُوتُ مِلْكِ الشَّفِيعِ لِشِقْصٍ شَائِعٍ وَشِرَاءُ غَيْرِهِ شِقْصًا آخَرَ مِنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَهَذَا يَمْنَعُ أَنَّ الشُّفْعَةَ سَبَبٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَتَأَمَّلْهُ.
(فَإِنْ قُلْت) هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الشُّفْعَةَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ إلَخْ (قُلْت) لَمَّا قَوِيَ السُّؤَالُ عِنْدَ الْمُوَرَّدِ أَوَّلًا صَوَّبَ الرَّسْمَ بِهَذَا وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا رحمه الله بِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي عُرُوضُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَسْمٍ وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ التَّأْلِيفِ مِنْ أَنَّ الشَّيْخَ يُحَافِظُ عَلَى مَقُولَةِ الْحَدِّ مَعَ مَحْدُودِهِ مَا أَمْكَنَهُ جَرْيًا عَلَى الْقَوَاعِدِ الْعَقْلِيَّةِ فِي الرُّسُومِ وَلَا يَلْزَمُ اطِّرَادُ ذَلِكَ إلَّا فِيمَا يُشْبِهُ الْمَقُولَةَ مِنْ الصِّفَاتِ فَنَقُولُ: هُنَا عَيَّنَ الشَّيْخُ رحمه الله الْجِنْسَ