الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عَلَى مَا قَدَّمَ أَنْ يَقُولَ فِي جِنْسِ الْآبِقِ مَالٌ ثُمَّ يُقَيِّدُهُ كَمَا ذَكَرَ فِي الْهِبَةِ وَكَذَلِكَ يَقُولُ فِي الضَّالَّةِ وَقَدْ ذَكَرَ مَا رَأَيْته (قُلْتُ) أَتَى بِأَقْرَبِ جِنْسٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ هُوَ أَخَصُّ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ فَلِذَا لَوَّنَ مَا رَأَيْت فِيمَا يَظْهَرُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَتَأَمَّلْ حَدَّهُ لِلْآبِقِ فَإِنَّهُ صَادِقٌ عَلَى اللُّقَطَةِ فَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ وَلَوْ قَالَ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ لَمْ تُرَدَّ اللُّقَطَةُ.
[بَابُ اللَّقِيطِ]
(ل ق ط) : بَابُ اللَّقِيطِ قَالَ الشَّيْخُ رضي الله عنه " صَغِيرُ آدَمِيٍّ لَمْ يُعْلَمْ أَبَوَاهُ وَلَا رِقُّهُ " قَوْلُهُ اللَّقِيطُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَأُطْلِقَ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى هُنَا وَلَيْسَ هُوَ هُنَا خَاصًّا بِالذَّكَرِ وَقَوْلُهُ " صَغِيرُ آدَمِيٍّ " جِنْسُ اللَّقِيطِ قَوْلُهُ " لَمْ يُعْلَمْ أَبَوَاهُ " أَخْرَجَ بِهِ مَنْ عُلِمَ أَبَوَاهُ قَوْلُهُ وَلَا " رِقُّهُ " أَخْرَجَ بِهِ مَنْ عُلِمَ رِقُّهُ لِأَنَّهُ لُقَطَةٌ لَا لَقِيطٌ كَذَا قَالَ الشَّيْخُ قَالَ الشَّيْخُ وَيَخْرُجُ وَلَدُ الزَّانِيَةِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ لَمْ يُعْرَفْ أَبَوَاهُ وَهَذَا قَدْ عُلِمَ أَحَدُهُمَا قَالَ الشَّيْخُ وَعَرَّفَ ابْنُ الْحَاجِبِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ طِفْلُ ضَائِعٌ لَا كَافِلَ لَهُ وَأَبْطَلَ طَرْدَهُ بِطِفْلٍ كَذَلِكَ قَدْ عُلِمَ أَبُوهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَقِيطِهِ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ عَنْهُ وَهُوَ كَوْنُ وِرَاثَتِهِ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُفْهِمُنَا عَنْهُ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا ذَكَرَهُ فِي حَدِّ اللَّقِيطِ فِيمَنْ عُلِمَ رِقُّهُ أَنَّهُ لُقَطَةٌ يُنَافِي مَا قَدَّمَهُ فِي رَسْمِهَا مِنْ زِيَادَةِ قَوْلِهِ لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا (قُلْتُ) السُّؤَالُ وَارِدٌ عَلَى مَا رَأَيْنَا فِي النُّسَخِ بِلَفْظِ لُقَطَةٌ، وَصَوَابُهُ لُقَطٌ وَكَذَلِكَ وُجِدَ فِي مُبَيَّضَتِهِ مُصْلَحًا مَبْتُورَ التَّاءِ وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ عَلَى رَسْمِهِ مَنْ وَجَدَ وَلَدًا صَغِيرًا وَلَمْ يَجِدْ لَهُ أَبًا فِي حَالِ ضَيَاعِهِ وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِ أَنَّهُ لَقِيطٌ لِصِدْقِ الرَّسْمِ عَلَيْهِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْمَنْبُوذُ يُرَدُّ عَلَى حَدِّهِ وَلَا يُسَمَّى لَقِيطًا (قُلْتُ) نُقِلَ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ الْمَنْبُوذُ اللَّقِيطُ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ الْمَنْبُوذُ كَاللَّقِيطِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالدِّينِ وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمَنْبُوذَ مَنْ طُرِحَ عِنْدَمَا وُلِدَ وَشَأْنُهُ فِيمَنْ كَانَ وُلِدَ زِنًا وَاللَّقِيطُ مَا طُرِحَ فِي الشَّدَائِدِ وَالْحَرْبِ لَا عِنْدَمَا وُلِدَ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَدْخُلُ فِي رَسْمِهِ وَعَلَى الثَّانِي يُزَادُ فِيهِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْهُ وَيَخُصُّ الْمَنْبُوذَ بِرَسْمِهِ وَانْظُرْ مَا قَالَهُ مَالِكٌ رحمه الله فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلِ يَا مَنْبُوذٌ قَالَ لَا يُعْلَمُ مَنْبُوذٌ إلَّا وَلَدُ الزِّنَا اُنْظُرْ مَا فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَهُوَ رَبُّ الْأَرْبَابِ.
[كِتَابُ الْقَضَاءِ]
(ق ض ي) :
بسم الله الرحمن الرحيم
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
كِتَابُ الْقَضَاءِ قَالَ الشَّيْخُ رضي الله عنه " صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا نُفُوذَ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ أَوْ تَجْرِيحٍ لَا فِي عُمُومِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ " الْقَضَاءُ لُغَةً يَصْدُقُ عَلَى الْحُكْمِ تَقُولُ قَضَى فُلَانٌ بِمَعْنَى حَكَمَ وَفَصَّلَ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْأَمْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَقَضَى رَبُّكَ} [الإسراء: 23] الْآيَةَ وَلَمَّا كَانَ مَدْلُولُهُ اللُّغَوِيُّ الْفَصْلُ أَوْ الْأَمْرُ وَكَانَ الْقَاضِي فِي عُرْفِ الشَّرْعِ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ لَهُ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ يُوجِبُ نُفُوذَ حُكْمِهِ عِلْمُنَا أَنَّ هُنَاكَ حُكْمًا وَنُفُوذَ حُكْمٍ وَمَعْنًى حُكْمِيًّا يُوجِبُ النُّفُوذَ كَمَا تَعَقَّلْنَا طَهَارَةً وَتَطْهِيرًا وَفَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا شَرْعًا فَرَّقْنَا هُنَا بَيْنَ الْحُكْمِ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِنُفُوذِ الْحُكْمِ لَكِنَّ الْمَعْنَى الْحُكْمِيَّ هُنَا هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ نُفُوذَ الْحُكْمِ بِخِلَافِ الْمَعْنَى الْحُكْمِيِّ فِي الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ جَوَّزَ الِاسْتِبَاحَةَ وَلَمَّا رَأَى الشَّيْخُ رضي الله عنه أَنَّ الْقَضَاءَ فِي الشَّرْعِ مَعْنًى حُكْمِيٌّ أَتَى بِقَوْلِهِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ وَرُدَّ عَلَى مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ لِقُصُورِهِ عَلَى الْفَصْلِ الْفِعْلِيِّ وَالْقَضَاءُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَاضِي لَهُ مَعْنًى أَوْجَبَ لَهُ نُفُوذَ الْفَصْلِ وَإِنْ لَمْ يَفْصِلْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَاضِي عُرْفًا مَنْ كَانَ بِهِ مَعْنًى اخْتَصَّ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ شَرْعًا فَصَلَ أَوْ لَمْ يَفْصِلْ قَوْلُهُ " صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ " تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ مَعْنَى ذَلِكَ وَيَأْتِي هُنَا مِنْ الْبَحْثِ مِثْلُ بَعْضِ مَا هُنَاكَ قَوْلُهُ " تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا " صَيَّرَهَا سَبَبًا فِي نُفُوذِ الْحُكْمِ وَمَعْنَى نُفُوذِهِ إمْضَاؤُهُ وَالنُّفُوذُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بِمَعْنَى الْإِمْضَاءِ وَبِالْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى الْفَرَاغِ وَقَدْ كُنَّا بَيْنَ يَدَيْ شَيْخِنَا الْإِمَامِ سَيِّدِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عِقَابٍ رحمه الله وَكَانَ يُفَسِّرُ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَ بَعْضَ ظَوَاهِرِ الطَّلَبَةِ آيَةَ قَوْلِهِ {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} [الرحمن: 33] الْآيَةَ
وَصَرَّحَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فَسَمِعَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ لَهُ الْآيَةَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِمْضَاءُ وَالْمُهْمَلَةُ الْمُرَادُ مِنْهَا الْفَرَاغُ قَالَ تَعَالَى {لَنَفِدَ الْبَحْرُ} [الكهف: 109] الْآيَةَ وَقَوْلُ الشَّيْخِ نُفُوذُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَخْرَجَ بِذَلِكَ مَنْ لَيْسَ لَهُ تِلْكَ الصِّفَةِ فَإِنَّهُ
لَا يَنْفَدُ حُكْمُهُ وَلَا يَجِبُ وَهَذِهِ الصِّفَةُ تُوجِبُ إيجَابًا شَرْعِيًّا إمْضَاءَ مَا حَكَمَ بِهِ الْمَوْصُوفُ بِهَا وَاحْتِرَامَهُ وَالصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ تَثْبُتُ لِلْمَوْصُوفِ بَعْدَ ثُبُوتِ تَقْدِيمِهِ لِلْحُكْمِ فَتَقْدِيمُهُ لِلْحُكْمِ وَالْفَصْلِ إذَا كَانَ أَهْلًا هُوَ الْمُوجِبُ لِحُصُولِ الصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ (فَإِنْ قُلْتَ) الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ مَا هُوَ هُنَا (قُلْتُ) الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانِي خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقِ إلَخْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَيُطْلَقُ عَلَى إلْزَامِ الْقَاضِي هُنَا أَمْرًا شَرْعِيًّا لِخَصْمٍ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَالْإِضَافَةُ تُعَيِّنُهُ لِقَوْلِهِ حُكْمُهُ الشَّرْعِيُّ وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ غَيْرَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ (فَإِنْ قُلْتَ) الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ يُطْلَقُ تَارَةً لِجَزْمِ الْقَاضِي بِمُجَرَّدِ إعْلَامِهِ بِهِ فَهَذَا فَتْوَى وَتَارَةً لِجَزْمِهِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِهِ وَالْجَبْرِ عَلَيْهِ فَهَذَا حُكْمٌ فَصَارَ حُكْمُ الْقَاضِي هُوَ الْجَزْمُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِهِ وَالْجَبْرِ وَهَذَا لَا يُفِيدُهُ مَا وَقَعَ ذِكْرُهُ فِي رَسْمِ الْقَضَاءِ (قُلْتُ) قَرِينَةُ قَوْلِهِ نُفُوذَ تُعَيِّنُ الْحُكْمَ وَتُعَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَأْمُورُ بِهِ جَبْرًا (فَإِنْ قُلْتَ) : قَوْلُهُ نُفُوذَ حُكْمِهِ رُبَّمَا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَغْيِيرُ أَمْرٍ عَنْ حَالِهِ أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَهُوَ حُكْمٌ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ فَقِيلَ إنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَلَا حُرْمَةَ لَهُ وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْقَاضِي الْحَاكِمِ أَنْ يَرُدَّهُ وَمِثَالُ ذَلِكَ نِكَاحُ مُحْرِمٍ إذَا أَمْضَاهُ قَاضٍ ثُمَّ رَفَعَ لِغَيْرِهِ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ هَذَا تَرْكٌ لَيْسَ حُكْمًا وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّهُ حُكْمٌ وَلَا يَفْسَخُهُ الْقَاضِي الثَّانِي وَيَجِبُ عَلَيْهِ إمْضَاؤُهُ (قُلْتُ) لَا يُرَدُّ ذَلِكَ وَالْحَدُّ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ وَالصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ وَالْحُكْمُ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ التَّغْيِيرِ وَعَدَمِهِ وَتَأَمَّلْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ إذَا رَفَعَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ لِقَاضٍ وَقَدْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَقَالَ لَا أُجِيزُهُ وَلَمْ يَحْكُمْ بِفَسْخِهِ فَهَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ وَلَكِنَّهُ فَتْوَى وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخَ ذَلِكَ أَنَّهُ فَتْوَى فَلِمَنْ وُلِّيَ بَعْدَهُ نَقْضُهُ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ وَالظَّاهِرُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلثَّانِي نَقْضُهُ لِأَنَّ قَوْلَ الْأَوَّلِ لَا أُجِيزُهُ حِينَ رُفِعَ إلَيْهِ وَلَا أَفْسَخُهُ حُكْمٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالْكَرَاهَةُ أَحَدُ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَحُكْمُ الْمَكْرُوهِ عَدَمُ نَقْضِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي حُكْمِ الْحَاكِمِ إذَا كَانَ مُتَعَلِّقُهُ تَرْكًا فَتَأَمَّلْ هَذَا الْكَلَامَ فَفِيهِ نَظَرٌ وَكَلَامُ ابْنِ شَاسٍ فِي قَوْلِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِفَسْخِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ قَوْلَ الشَّيْخِ وَلَا أَفْسَخُهُ وَتَأَمَّلْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ الْقَاضِي لَا يَحْكُمُ بِالْمَكْرُوهِ
وَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي رَاتِبِ إمَامٍ مَرِضَ اُنْظُرْهُ فِيهِ وَانْظُرْ ابْنَ فَرْحُونٍ فِي حَدِّ الْحُكْمِ وَسَبَبِ الْحُكْمِ وَمَا ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ كُلُّ ذَلِكَ يُحْتَاجُ إلَيْهِ هُنَا (فَإِنْ قُلْتَ) : قَوْلُهُ " تُوجِبُ نُفُوذَ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ " الْحُكْمُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ إلَى الضَّمِيرِ فَيَعُمُّ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الصِّفَةَ تُوجِبُ إمْضَاءَ جَمِيعِ أَحْكَامِهِ وَقَدْ ذَكَرُوا مَا يَجِبُ نَقْضُهُ لَا إمْضَاؤُهُ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ (قُلْتُ) ذَلِكَ لِمَانِعٍ مَنَعَ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ أَوْ مَعْنَاهُ. لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ فِي حَدِّهِ الطَّهَارَةُ أَوْ يُقَالُ حُكْمُهُ الشَّرْعِيُّ يَمْنَعُ مِنْ إيرَادِ مَا ذَكَرَ وَهُوَ الصَّوَابُ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا حَكَمَ الْقَاضِي فَالصِّفَةُ أَوْجَبَتْ لَهُ نُفُوذَ الْحُكْمِ وَلَا يَصِحُّ لَهُ رُجُوعٌ وَقَالُوا يَصِحُّ لَهُ الرُّجُوعُ بَلْ يَجِبُ رُجُوعُهُ إلَى الصَّوَابِ وَأَمَّا إلَى الْأَصْوَبِ فَفِيهِ خِلَافٌ (قُلْتُ) ذَلِكَ أَيْضًا لِمَانِعٍ مَنَعَ مِنْ الْإِمْضَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالشَّرْعِيُّ أَيْضًا يَمْنَعُ هَذَا كُلَّهُ قَوْلُهُ " وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ أَوْ تَجْرِيحٍ " عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَصْلُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَكَمَ بِهِ وَلَوْ كَانَ بِتَعْدِيلٍ أَوْ تَجْرِيحٍ لِيَصِيرَ التَّعْدِيلُ وَالتَّجْرِيحُ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ اُنْظُرْ ابْنَ فَرْحُونٍ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إذَا قَدَّرْت بِكُلِّ شَيْءٍ يُشْكِلُ ذَلِكَ بِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ أَخْرَجُوهَا عَنْ الْحُكْمِ كَالثُّبُوتِ وَالتَّأْجِيلَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَطَالَ فِيهِ ابْنُ فَرْحُونٍ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ عُمُومُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ تَتَقَرَّرُ الْغَايَةُ الْمَذْكُورَةُ (قُلْتُ) هَذَا التَّقْرِيرُ صَحِيحٌ بِكُلِّ شَيْءٍ حَكَمَ بِهِ وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْمَسَائِلِ لَيْسَ بِحُكْمٍ قَوْلُهُ " لَا فِي عُمُومٍ إلَخْ " أَخْرَجَ بِهِ الْإِمَامَةَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ وَلَا تَفْرِيقُ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا تَرْتِيبُ الْجُيُوشِ وَلَا قَتْلُ الْبُغَاةِ وَلَا الْإِقْطَاعَاتُ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَزَادَ الْقَرَافِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَلَا إقَامَةُ الْحُدُودِ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَفِيهِ لِأَنَّ لَهُ إقَامَةَ الْحُدُودِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ إلَّا الْحَاكِمُ قَالَ شَارِحُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ لِأَنَّهُ لِلْخُلَفَاءِ وَالْقُضَاةِ وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَته ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ رضي الله عنه وَيَخْرُجُ التَّحْكِيمُ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُوجِبَ فِي الصِّفَةِ عَامٌّ فِي كُلِّ حُكْمٍ حَتَّى التَّعْدِيلِ وَضِدِّهِ وَالتَّحْكِيمُ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ فَلَمْ يُشَارِكْ مَعْنَى الْقَضَاءِ إلَّا فِي بَعْضِ صِفَتِهِ لَا خَاصِّيَّتِهِ وَكَذَلِكَ وِلَايَةُ الشُّرْطَةِ وَأَخَوَاتِهَا مِنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ وَإِنَّمَا أَخْرَجَ الْإِمَامَ لِأَنَّ نَظَرَهُ أَوْسَعُ مِنْ نَظَرِ الْقَاضِي عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْفَرْقِ (فَإِنْ قُلْتَ) عَلَى أَيِّ شَيْءٍ عَطَفَ مَا بَعْدَ لَا (قُلْتُ) عَطَفَ عَلَى مُقَدَّرٍ مُتَعَلِّقٍ بِحُكْمٍ أَيْ فِي شَيْءٍ لَا فِي عُمُومِ
مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُتَعَلِّقِ نَظَرِ الْقَاضِي بَلْ مِنْ نَظَرِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَنَظَرُهُ أَعَمُّ مِنْ نَظَرِ الْقَاضِي وَلِذَا يَصِحُّ عَزْلُهُ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى مَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ وَيُقَدَّمُ كَذَلِكَ وَيَنْظُرُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَيَأْمُرُ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ أَوْ خَاصَّةٌ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِ سَبَبٍ وَبِالْفِرَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِشُرُوطِهَا وَقَدْ ذَكَرُوا لَهَا بَابًا مُسْتَقِلًّا وَالْقَاضِي قَاصِرٌ عَنْ ذَلِكَ فَإِذَا حَكَمَ فِي ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ نُفُوذُ حُكْمِهِ بِالْمَعْنَى الْمُتَّصِفِ بِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (فَإِنْ قُلْتَ) الصِّفَةُ الْمُوجِبَةُ نُفُوذَ حُكْمِهِ هَلْ تُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَوْ تُوجِبُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ فِيمَنْ بَعْدَهُ (قُلْتُ) الظَّاهِرُ عُمُومُ الْوُجُوبِ لِثُبُوتِ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ.
(فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ لَهُ عَزْلُ قَاضٍ لِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَيَجِبُ نُفُوذُ حُكْمِهِ فِي ذَلِكَ لِمُوجِبِ حُصُولِ الصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ أَمْ لَا (قُلْتُ) أَمَّا الْإِمَامُ فَلَهُ ذَلِكَ وَقَدْ نَصُّوا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَنْ هُوَ دُونَهُ فَلَا يَعْزِلُهُ وَأَمَّا الْقَاضِي إذَا كَانَ لَهُ نَظَرٌ عَلَى قُضَاتِهِ فَلَا يَعْزِلُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْمُوجِبِ (فَإِنْ قُلْتَ) إذَا حَكَمَ الْقَاضِي وَلَمْ يَشْهَدْ بِحُكْمِهِ وَوَجَدَ بِخَطِّهِ ثُمَّ عَزَلَ أَوْ مَاتَ فَظَاهِرٌ مِنْهُ أَنَّهُ يَصْدُقُ حَدُّ الشَّيْخِ عَلَيْهِ فَيَجِبُ نُفُوذُ حُكْمِهِ وَالنَّصُّ خِلَافُهُ عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا (قُلْت) لَعَلَّهُ رَاعَى الْخِلَافَ فِيهِ وَأَنَّ خَطَّهُ لَا يُوجِبُ ثُبُوتَ حُكْمِهِ وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْإِشْهَادَ (فَإِنْ قُلْتَ) قَالَ الْقَرَافِيُّ رحمه الله الْقَضَاءُ وِلَايَةٌ مُتَنَاوِلَةٌ لِلْحُكْمِ لَا يَنْدَرِجُ فِيهَا غَيْرُهُ وَقَالَ لَيْسَ لِلْقَاضِي فِي السِّيَاسَةِ الْعَامَّةِ مَدْخَلٌ وَهَذَا كَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الشَّيْخِ لَا فِي عُمُومِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَرَّرْنَاهُ وَلَمَّا نَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ هَذَا الْكَلَامَ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ السِّيَاسَةَ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مَدْخَلٌ فَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ سَهْلٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَهُ النَّظَرُ فِي كَثِيرٍ مِنْ السِّيَاسَاتِ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الشَّيْخِ (قُلْتُ) رُبَّمَا يُقَالُ إنَّهُ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَى النَّظَرَ فِي أَخَصَّ وَهُوَ عُمُومُهَا لَا فِي مُطْلَقِ شَيْءٍ مِنْهَا فَتَأَمَّلْهُ (فَإِنْ قُلْتَ) قَالَ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا إنَّ الْقَاضِي مِنْ حَيْثُ هُوَ قَاضٍ إنَّمَا لَهُ إلْزَامُ نُفُوذِ الْحُكْمِ وَأَمَّا نُفُوذُهُ فَلَا لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ عَلَى الْمُلُوكِ الْجَبَابِرَةِ فَإِلْزَامُ الْحُكْمِ مَوْجُودٌ وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّنْفِيذِ لَا وُجُودَ لَهَا فِي حَقِّ الْعَاجِزِ وَالشَّيْخُ هُنَا قَدْ قَالَ نُفُوذُ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ (قُلْتُ) لَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ بِمَعْنَى إلْزَامِ نُفُوذِ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا وَأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ شَأْنِهَا ذَلِكَ وَهُوَ مُتَقَرِّرٌ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ وَقَعَ خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي الثُّبُوتِ هَلْ هُوَ حُكْمٌ أَمْ لَا فَإِذَا أَثْبَتَ الْقَاضِي رَسْمًا
وَبَعَثَ بِهِ إلَى قَاضٍ وَقَالَ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدِي فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي احْتِرَامُ مَا ثَبَّتَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمُقْتَضَاهُ أَوْ لَيْسَ ذَلِكَ بِحُكْمٍ (قُلْتُ) الَّذِي حَقَّقَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَأَمَّا مَا ثَبَّتَهُ مِنْ الرَّسْمِ وَقَبُولِ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْبِنَاءُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا حَقَّقَهُ ابْنُ رُشْدٍ رحمه الله وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ رضي الله عنه هُنَا فِي قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ بَيْنَ الْمَازِرِيِّ وَمُنَازِعِهِ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يَظْهَرْ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي إنَّ الثُّبُوتَ فِي الْمَقْضِيِّ بِهِ لِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ إنَّمَا ذَكَرَ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ قَبُولُهُ لِلْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ عَلَيْهِ (فَإِنْ قُلْتَ) مَا ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ فِي السُّؤَالِ الثَّلَاثِينَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ وَشَهَرَ أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ إذَا قَامَتْ الْحُجَّةُ عِنْدَ الْقَاضِي وَتَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ قَالَ فَمَنْ شَهَرَ أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ يُرِيدُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ رِيبَةٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِيمَا ثَبَتَ لَا يَصِحُّ أَنَّهُ حَاكِمٌ بِاتِّفَاقِ هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَ فَأَنْتَ تَرَى تَشْهِيرَهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرْنَا عَنْ الْجَمَاعَةِ (قُلْتُ) كَلَامُ الْقَرَافِيُّ رَدَّهُ الشَّيْخُ وَابْنُ فَرْحُونٍ قَالَ وَهَذَا التَّشْهِيرُ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَالَ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ (فَإِنْ قِيلَ) هَذَا الرَّدُّ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ لَا مَا كَثُرَ قَائِلُهُ وَأَمَّا إنْ قُلْنَا بِهِ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمَشْهُورِ (قُلْنَا) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ الْمَشْهُورَ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ وَعَلَى هَذَا يَقَعُ الرَّدُّ وَنُقِلَ عَنْ سِرَاجِ الدِّينِ أَنَّهُ قَالَ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا فِي قَوَاعِدِهِ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ وَالْمِائَتَيْنِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الثُّبُوتِ هَلْ هُوَ حُكْمٌ وَلَمْ يُشَهِّرْ وَحَقَّقَ هُنَاكَ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا اُنْظُرْهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُوجَدُ بِدُونِ ثُبُوتٍ كَالْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ وَذَلِكَ فِي قِسْمِ الْحَبْسِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ يَقَعُ الثُّبُوتُ كَمَا فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا وَلَا حُكْمَ وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ وَالثُّبُوتُ عِنْدَهُ قِيَامُ الْحُجَّةِ عِنْدَ الْقَاضِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ وَانْظُرْ مَا حَقَّقَهُ الشَّيْخُ رحمه الله فِي مَسْأَلَةِ الْمَازِرِيِّ.
وَقَسَّمَ الْمَسْأَلَةَ إلَى قِسْمَيْنِ فَهَذَا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ عِنْدَهُ وَالثَّانِي مُسَمَّى اشْتَرَى هَلْ يَقْتَضِي ثُبُوتَ مِلْكِ الْمُشْتَرِي لِلْمُشْتَرَى أَمْ لَا فَالْمَازِرِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ يَقُولُ بِعَدَمِ الِاقْتِضَاءِ وَخَصْمُ الْمَازِرِيُّ يَقُولُ بِخِلَافِهِ وَاَلَّذِي بِهِ الْعَمَلُ مَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ قَالَ الشَّيْخُ رضي الله عنه مُقْتَضَى أَلْفَاظِ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدِي الْقَوْلُ الثَّانِي لَا الْأَوَّلُ لِقَوْلِهَا فِي
الزَّكَاةِ الْأَوَّلُ مَنْ اشْتَرَى بِمَالٍ حَلَّ حَوْلُهُ وَلَمْ يُزَكِّهِ خَادِمًا فَمَاتَتْ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَقَالَ فِي الْجِهَادِ مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْمَغْنَمِ أُمَّ وَلَدِ رَجُلٍ أَوْ ابْتَاعَهَا مِنْ حَرْبِيٍّ فَعَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يُعْطِيَهُ جَمِيعَ ثَمَنِهَا وَقَالَ فِي الشُّفْعَةِ مَنْ اشْتَرَى شِقْصًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالثَّمَنِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدُّ كَثْرَةً اُنْظُرْهُ وَإِنَّمَا ذَكَرْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِأَنَّ كَثِيرًا مَا يَقَعُ النَّظَرُ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ الزَّمَانِ وَيَتَرَدَّدُونَ فِي بَيَانِ فَهْمِ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي كُلِّ آنٍ فَلْنَذْكُرْ ذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ يَمُرُّ لَنَا فِي ذَلِكَ أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ فَبَيَانُ الْأَخْذِ مِنْهَا عَلَى مَا فَهِمْنَا عَنْهُ رحمه الله أَنَّ الزَّكَاةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِعَيْنِ الْمَالِ لَا بِذِمَّةِ الْمُزَكِّي بِدَلِيلِ إذَا ضَاعَ وَلَمْ يُفَرِّطْ فَلَا غَرِمَ عَلَيْهِ فَإِذَا اشْتَرَى بِهِ وَلَمْ يُزَكِّهِ فَمَنَابُ الْفُقَرَاءِ عَاوَضَ بِهِ مَعَ بَقِيَّةِ مَالِهِ وَأَطْلَقَ عَلَى فِعْلِهِ شِرَاءً وَمِنْ لَازِمِ الشِّرَاءِ أَنَّ ضَمَانَهَا يَكُونُ مِنْهُ فِي كُلِّهَا فَلِذَلِكَ جَعَلَ الزَّكَاةَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ لَا يَدُلُّ شِرَاؤُهُ عَلَى مِلْكِ الْأَمَةِ لَمْ تَكُنْ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ عَيْنِ الزَّكَاةِ وَلَيْسَ عَلَى مِلْكِهِ وَغَيْرِهَا فَتَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنْهُ فَالْحَاصِلُ فِي الِاسْتِدْلَالِ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الشِّرَاءُ لِلْأَمَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى مِلْكِهَا لَمَا لَزِمَتْ الزَّكَاةُ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ مَوْتِهَا وَالثَّانِي بَاطِلٌ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى مِلْكٍ فَبَعْضُهَا عِوَضٌ عَنْ الزَّكَاةِ وَقَدْ ذَهَبَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ شِرَاءَهُ عَمَرَ ذِمَّتَهُ بِحِفْظِ الزَّكَاةِ وَمِلْكُ عِوَضِهَا وَضَمَانِهَا مِنْهُ وَهَذَا فِيهِ أَبْحَاثٌ.
(الْأَوَّلُ) أَنَّا وَجَدْنَا الْبَيْعَ الْفَاسِدَ يَدُلُّ عَلَى شُبْهَةِ الْمِلْكِ لَا عَلَى خُصُوصِ مِلْكٍ وَهَذَا غَايَتُهُ أَنَّهُ شُبْهَةٌ.
(وَالثَّانِي) أَنَّا نَقُولُ هُوَ نَائِبٌ فِي حِفْظِ الْمَالِ فِي الْعَيْنِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُهُ فَمُعَاوَضَتُهُ بِهِ أَوْجَبَتْ تَعَدِّيًا فَعَمَرَتْ ذِمَّتُهُ بِهِ فَإِنَّمَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ بِذَلِكَ لَا لِأَنَّ شِرَاءَهُ دَلَّ عَلَى مِلْكِهِ كَمَا ذَكَرَ فَالْقَدْحُ فِي الْمُلَازَمَةِ لَا يَخْفَى وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ مَنْ اشْتَرَى مِنْ مَغْنَمٍ فَبَيَانُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا أَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَ الِاشْتِرَاءُ لَا يَدُلُّ عَلَى مِلْكٍ لَأَخَذَهَا سَيِّدُهَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ لِأَنَّهُ اسْتِحْقَاقٌ مِنْ يَدِ مَنْ لَا مِلْكَ لَهُ وَالتَّالِي بَاطِلٌ بِنَصِّهَا وَهَذَا فِيهِ بَحْثٌ فِي الْمُلَازَمَةِ أَيْضًا وَذَلِكَ أَنْ يُقَالَ الْحُكْمُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ بِالثَّمَنِ فِي مِثْلِ هَذِهِ النَّازِلَةِ لِقُوَّةِ شُبْهَةِ شِرَائِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إلَى قَسْمِ الْإِمَامِ وَدَارُ الْحَرْبِ بِهَا شُبْهَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِ الثَّمَنِ وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ يُونُسَ إلَى قَرِيبٍ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيمَنْ نُعِيَ مَوْتُهُ وَقُسِمَتْ تَرِكَتُهُ اُنْظُرْ اللَّخْمِيَّ وَابْنَ رُشْدٍ فِي ذَلِكَ وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَلَيْسَ فِي الْأَخْذِ بِالثَّمَنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ
الشِّرَاءَ يُوجِبُ لِلْمُشْتَرِي مِلْكَ مَا اشْتَرَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِكَلَامِهِ وَفَهْمِهِ فَإِنَّ الرَّجُلَ كَامِلُ النَّظَرِ قَوِيُّ الدِّينِ وَالْفِكْرِ وَرُبَّمَا يُخَيَّلُ عَلَى النَّاظِر أَنْ يُقَالَ لَوْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ لَكَانَ إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ الثُّبُوتَيْنِ لِلْمِلْكِ وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ فِيمَا رَأَيْت أَحَدٌ بَلْ الْمِلْكُ إذَا ثَبَتَ لَا يُعَارِضُهُ شِرَاءٌ وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ يُوجِبُ الْمِلْكَ غَايَتُهُ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الْحِيَازَةِ فَإِنْ أَثْبَتَ مِلْكَهُ لَهُ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فَإِنْ سَقَطَتَا ثَبَتَ الِاخْتِصَاصُ لِلْحَائِزِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَالْبَحْثُ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي حَدِّهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ فِي قَوْلِهِ رَفْعُ مِلْكٍ إلَخْ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مَعَ مَا هُنَا وَكَذَلِكَ فِي حَدِّهِ الْمِلْكَ وَالصَّوَابُ أَنَّ ثَمَّ أُمُورًا تُوجِبُ الْمِلْكَ وَقَدْ عَدَّدُوهَا وَثَمَّ أُمُورًا لَا تُوجِبُ مِلْكًا وَلَا شُبْهَةً وَهِيَ لَا تَخْفَى وَثَمَّ أُمُورًا تُوجِبُ شُبْهَةَ الْمِلْكِ فَمَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ فَمَحْمَلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ رضي الله عنه عَنْ سَحْنُونَ فِيمَنْ حَضَرَ رَجُلًا اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ سُوقٍ فَلَا يَشْهَدُ أَنَّهَا مِلْكُهُ وَلَوْ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ وَأَقَامَ هَذَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا كَانَتْ لِصَاحِبِهَا مِلْكًا قَالَ وَإِنْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَشَبَهِهِ فَإِنَّهَا مِلْكٌ وَهَذَا كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشِّرَاءَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ وَهُوَ الْحَقُّ وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ هَذَا وُلِدَ عِنْدَ فُلَانٍ فَلَا يَدُلُّ عَلَى مِلْكِهِ إلَّا أَنْ تَطُولَ الْحِيَازَةُ كَمَا يَجِبُ وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ خُرُوجٌ عَنْ الْقَصْدِ لِكَمَالِ الْفَائِدَةِ أَدَامَ اللَّهُ عَلَيْنَا نِعْمَتَهُ الشَّامِلَةَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ وَتَأَمَّلْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي قَوْلِهِ الْحِيَازَةُ لَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ عَنْ الْمَحُوزِ عَلَيْهِ لِلْحَائِزِ اتِّفَاقًا وَلَكِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ كَإِرْخَاءِ السِّتْرِ وَالْعِفَاصِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْحَائِزِ مَعَ يَمِينِهِ وَانْظُرْ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمِلْكِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ ذَكَرُوا وِلَايَةُ التَّحْكِيمِ وِلَايَةٌ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ آحَادِ النَّاسِ وَهِيَ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْقَضَاءِ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ هُنَا وَهِيَ خَاصَّةٌ بِمَوَاضِعَ وَكَذَلِكَ وِلَايَةُ الْحَكَمَيْنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَقَدْ ذَكَرُوا الْحَكَمَيْنِ فِي الصَّيْدِ وَهِيَ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ آحَادِ النَّاسِ (قُلْتُ) ذَلِكَ كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي رَسْمِهِ إذَا تَأَمَّلْته وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ (فَإِنْ قُلْتَ) قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلَّفُونَ أَنَّ أَرْكَانَ الْقَضَاءِ سِتَّةٌ الْقَاضِي وَالْمَقْضِيُّ بِهِ وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ وَالْمَقْضِيُّ فِيهِ وَالْمَقْضِيُّ لَهُ وَكَيْفِيَّةُ الْقَضَاءِ (قُلْتُ) هَذِهِ فِي الْحَقِيقَةِ شُرُوطٌ لِلْقَضَاءِ الْمَحْدُودِ لَا أَرْكَانٌ لَهُ لِأَنَّهَا حِسِّيَّةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي غَيْرِ هَذَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.