الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: الاختلاف بين رواياتهم:
اختلفت أنظار العلماء في روايات "السنن" سواء من حيث أصحها أو أكملها، وقبل أن نسوق أوجه الاختلاف يجدر بنا سوق بعض أقوال الأئمة في ذلك:
قال ابن عطية في "فهرسته"(ص 80): فأما رواية أبي بكر محمد بن بكر بن داسه البصري التمار، فحدثنا بها عن أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري قراءة منه عليه، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن الزيات، عن أبي بكر بن داسه عنه. وأما رواية أبي عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي وراق أبي داود، وهي أقرب الروايات إلى رواية أبي بكر بن داسه، وسقط من رواية ابن الأعرابي كتاب الفتن والملاحم والحروب والخاتم، وسقط عليه من كتاب اللباس نحو من نصفه، وفاته من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة.
ثم قال ابن عطية: الذي أعتمد عليه من هذِه الروايات: رواية أبي بكر بن داسه فهي أكمل الروايات وأحسنها.
وقال ابن رشيد الفهري المالكي (ت 721) في كتابه "ملء العيبة" 5/ 241: ورواية اللؤلؤي أصح الروايات وهي آخر ما أملى أبو داود وعليه مات.
وقال الذهبي في "السير" 15/ 308: قال أبو عمر الهاشمي: كان أبو علي اللؤلؤي، قد قرأ كتاب "السنن" على أبي داود عشرين سنة، وكان يدعى وراق أبي داود.
والوراق في لغة أهل البصرة: القارئ للناس.
قال: والزيادات التي في رواية ابن داسه حذفها أبو داود آخرًا لأمرٍ رابه في الإسناد. اهـ
وقال ابن حجر في "النكت على ابن الصلاح" 1/ 441: إن في رواية أبي الحسن بن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي، وإن كانت روايته أشهر.
وقال السيوطي في "التدريب" 1/ 186: عدة أحاديث كتاب أبي داود أربعة آلاف وثمانمائة حديث، وهو روايات، أتمها رواية أبي بكر بن داسه، والمتصلة الآن بالسماع رواية أبي علي اللؤلؤي.
وقال السيوطي في "مرقاة الصعود" 1/ 62: قال الحافظ أبو جعفر بن الزبير في "برنامجه" روى هذا الكتاب عن أبي داود ممن اتصلت أسانيدنا به أربعة رجال: أبو بكر بن محمد بن بكر بن عبد الرزاق التمار البصري، المعروف بابن داسه -بفتح السين وتخفيفها، نص عليه القاضي أبو محمد بن حوط الله، وألفيته في أصل القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي المالكي من كتاب "الغنية" مشددًا، وكذا وجدته في بعضها ما قيدته عن شيخنا أبي الحسن الغافقي شكلًا من غير تنصيص- وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر المعروف بابن الأعرابي، وأبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي البصري، وأبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي وراق أبي داود، ولم تتشعب طرقه كما اتفق في الصحيحين، إلا أن رواية ابن الأعرابي يسقط منها كتاب الفتن والملاحم والحروف والخاتم ونحو النصف من كتاب اللباس، وفاته أيضا من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة، ورواية ابن داسه أكمل الروايات، ورواية الرملي تقاربها، ورواية اللؤلؤي من أصح الروايات؛
لأنها من آخر ما أملى أبو داود وعليها مات.
وقال الشاه عبد العزيز الدهلوي في "بستان المحدثين"(ص 78): اشتهرت رواية اللؤلؤي في بلاد المشرق، ورواية ابن داسه في المغرب، وهما روايتان متقاربتان، إلا بعض الخلاف اليسير في التقديم والتأخير لا في الزيادة والنقصان، إلا أن في رواية ابن الأعرابي نقصانا ليس في الأوليين.
وقال أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في آخر كتابه "عون المعبود" 14/ 202: وما قاله -أي: عبد العزيز الدهلوي- من ذكر الاختلاف بينهما بالتقديم والتأخير فهو أمر صحيح؛ لأن في رواية ابن داسه كتاب الجنائز واقع بعد كتاب الصلاة وقبل كتاب الزكاة، وفي رواية اللؤلؤي كتاب الجنائز بعد كتاب الخراج والإمارة، وفي رواية ابن داسه كتاب الزكاة ثم اللقطة ثم الصيام ثم المناسك ثم الضحايا ثم الجهاد ثم الإمارة ثم البيوع ثم كتاب النكاح، وفي رواية اللؤلؤى كتاب الزكاة ثم اللقطة ثم النكاح والطلاق ثم الصيام ثم الجهاد ثم الضحايا والصيد ثم الوصايا ثم الفرائض ثم الخراج والإمارة ثم الجنائز ثم الأيمان والنذور ثم كتاب البيوع، وقس على هذا غير ذلك من الكتب الباقية.
وأما قوله رحمه الله: دون الزيادة والنقصان. فهو مسامحة وسهو من العلامة الدهلوي رحمه الله؛ لأن كثيرًا من الروايات موجود في رواية ابن داسه وليس هو في رواية اللؤلؤي، كما نبهت على ذلك في مواضعها من هذا الشرح، وشرح الإمام الحافظ أبي سليمان الخطابي المسمى بـ "معالم السنن" على رواية ابن داسه وهو تلميذ لابن داسه يروي "سنن أبي داود" بواسطة ابن داسه كما صرح بذلك في مقدمة شرحه، والله أعلم.
قلت: مع نقصانها، ففي هذِه النسخة أيضًا بعض الأحاديث الذي ليس في رواية اللؤلؤي، ويذكر الحافظ المزي روايته في الأطراف.
والنسخة الرابعة رواية ابن العبد وهي موجودة في أطراف المزي، ويذكر روايته أيضًا الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، ولم يذكر هذِه الرواية النووي في "تهذيب الأسماء".
إلى أن قال 14/ 205: والخامس: إني ظفرت على إحدى عشرة نسخة من "سنن أبي داود" كلها من رواية اللؤلؤي، إلا نسخة واحدة فهي من رواية ابن داسه فجعلت نسخة واحدة صحيحة عتيقة من هذِه النسخ أصلا وأمًّا، وباقي النسخ عليها معروضة.
ووقعت مقابلة النسخ ومعارضتها مع جماعة من أهل العلم فوجدت المخالفة بين النسخ أربعة أنواع:
الأول: الاختلاف في بعض ألفاظ المتون والأسانيد.
والثاني: المخالفة في عنوان التبويب، ففي بعضها بلفظ، وفي أخرى بلفظ آخر موافقًا في المعنى مغايرًا في اللفظ، ومع الزيادة والنقصان أيضًا، ففي بعضها الأحاديث المتعددة تحت باب واحد، وفي بعضها تلك الأحاديث تحت الأبواب.
والثالث: المخالفة في محل الكتب والأبواب بالتقديم والتأخير.
والرابع: المخالفة في زيادة الأحاديث ونقصانها، فوجد بعض الحديث في بعض النسخ وأخرى خالية منه، وفي بعضها أحاديث كثيرة ليست في غيرها، فتحيرت لأجل هذا الاختلاف وتعسر عليَّ امتياز رواية اللؤلؤي عن غيرها، فراجعت كتب الأئمة المتقدمين كـ "تحفة الأشراف" للحافظ المزي، و"مختصر السنن" للحافظ المنذري، و"جامع الأصول" للحافظ
ابن الأثير، و"معالم السنن" للخطابي، و"معرفة "السنن" والآثار" للبيهقي، و"المنتقى" للإمام ابن تيمية، وكتاب "الأحكام" للحافظ عبد الحق الإشبيلي، و"نصب الراية" للعلامة الزيلعي، و"حاشية السنن" لابن القيم، و"تلخيص الحبير" للحافظ ابن حجر، و"الاستيعاب" للحافظ ابن عبد البر، و"أسد الغابة" لابن الأثير، و"تجريد أسماء الصحابة" للذهبي، و"الإصابة" لابن حجر، وغير ذلك من الكتب الكثيرة المعتمدة المعتبرة التي يطول بذكرها المقام، فزال بحمد الله تعالى إشكالي، وميزت رواية اللؤلؤي عن غيرها، وعلمت أن نساخ "السنن" خلطوا رواية اللؤلؤي برواية غيرها والتبس عليهم الأمر، فعلى قدر الامتزاج والاختلاط اختلفت النسخ بينها. انتهى
ومما سبق يتبين لنا:
1 -
رواية اللؤلؤي هي آخر ما أملاه أبو داود، وهي أصح الروايات، وهي المشهورة في بلاد المشرق والحجاز والهند بل أكثر البلاد، وهي المفهومة من "السنن" لأبي داود عند الإطلاق.
2 -
رواية ابن داسه أكمل من رواية اللؤلوي -وهذِه الزيادات التي في رواية ابن داسه حذفها أبو داود آخرًا لأمر رابه في الإسناد-، وهي أحسن الروايات في نظر الإمام ابن عطية، وهي الرواية المشهورة في بلاد الأندلس بسبب سبق دخولها إليهم.
3 -
رواية ابن الأعرابي سقط منها كتاب الفتن والملاحم والحروب والخاتم، وسقط من كتاب اللباس نحو من نصفه، وفاته من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح أوراق كثيرة، بيد أن له أيضًا زيادات في المتن والسند.
4 -
رواية الرملي أقرب الروايات إلى رواية ابن داسه.
5 -
رواية ابن العبد حوت كلام أبي داود في الرجال جرحا وتعديلا.
6 -
الخلاف بين النسخ يقع على أربعة أضرب:
الأول: الاختلاف في بعض ألفاظ المتون والأسانيد.
والثاني: المخالفة في عنوان التبويب، ففي بعضها بلفظ، وفي أخرى بلفظ آخر موافق في المعنى، ومع الزيادة والنقصان أيضًا، ففي بعضها الأحاديث المتعددة تحت باب واحد وفي بعضها تلك الأحاديث تحت الأبواب.
والثالث: المخالفة في محل الكتب والأبواب بالتقديم والتأخير.
والرابع: المخالفة في زيادة الأحاديث ونقصانها، فوجد بعض الحديث في بعض النسخ وأخرى خالية منه، وفي بعضها أحاديث كثيرة ليست في غيرها.