الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليه إشارة الشيخ بكف مظلمة فامتنع، وقال: طولتم علينا بابن رسلان، إن كان له سر فليرم هذِه النخلة -لنخلة قريبة منه- فما تم ذلك إلا وهبت ريح عاصفة فألقتها، فما وسعه إلا المبادرة إلى الشيخ في جماعة مستغفرًا معترفًا بالخطأ، فسأله عن سبب ذلك، فقيل له، فقال: لا قوة إلا بالله، من اعتقد أن رمي هذِه النخلة كان بسببي أو لي فيه تعلق ما، فقد كفر، فتوبوا إلى الله وجددوا إسلامكم، فإن الشيطان أراد أن يستزلكم ففعلوا ما أمرهم به (1).
* * *
المبحث الرابع: عقيدته:
قال السخاوي عنه: وهو في الزهد واتباع السنة وصحة العقيدة كلمة إجماع بحيث لا أعلم في وقته من يدانيه في ذلك (2). اهـ.
وعند مراجعة مصنفاته المطبوعة ومنها "الزبد"، وشرحه هذا الذي بين أيدينا على "سنن أبي داود" نجد ابن رسلان يقول في الأسماء والصفات بمقولة الأشاعرة من التأويل، فيما عدا الصفات السبع الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام (3). فهو في هذا الجانب مخالف لمذهب السلف من وصف الله بكل صفة وصف الله بها نفسه في كتابه أو وصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم في السنة الصحيحة من غير تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل، كما قال تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
(1)"الضوء اللامع" 1/ 287، "شذرات الذهب" 7/ 249.
(2)
"الضوء اللامع" 1/ 284.
(3)
انظر: "الاقتصاد في الاعتقاد" للغزالي (ص 75).
قال في الزبد في وصف الله صلى الله عليه وسلم:
فهو لما يريده فعال
…
وليس في الخلق له مثال
قدرته لكل مقدور جعل
…
وعلمه لكلّ معلوم شَمِل
منفرد بالخلق والتدبير
…
جلّ عن الشبيه والنظير
حي مريد مبصر علام
…
له البقا والسمع والكلام (1)
ومن الأمثلة في شرحه هذا:
علق على قوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا .. "(2) الحديث. فقال: هذا مما يوهم التشبيه إذ ذكر الرب بما لا يليق به ظاهره من الانتقال والحركة، ويجب تأويله على الوجه الذي يليق بصفاته، وهو أن يريد: إقباله على أهل الأرض بالرحمة والاستعطاف، وبما يجري في قلوب أهل الخير منهم بالتنبيه والتذكير لما سلف لهم في الأول من التوفيق للطاعة حتى يحملهم على الطاعة، كما مدح الله المستغفرين بالأسحار. أهـ.
فقد ظن رحمه الله أن هذا الحديث يوهم التشبيه فأول النزول بإرادة الرحمة، والحق أن يقال: إن الله سبحانه ينزل ولا نعلم كيفية نزوله،
(1)"الزبد"(ص 10).
(2)
"سنن أبي داود"(4733).
ووصفه بالنزول هو كوصفه بسائر الصفات، يعقل معناه ولا تعلم كيفيته (1).
وقال أيضًا في الزبد:
كلامه كوصفه القديم
…
لم يحدث المسموع للكليم
يكتب في اللوح وباللسان
…
يقرأ كما يحفظ بالأذهان
وهذا هو قول الأشاعرة: إن كلام الله سبحانه معنى واحد قائم بذات الله سبحانه، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار (2).
ومذهب السلف من أئمة الحديث والسنة أنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم به بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعيّن قديمًا (3).
وستأتي أمثلة أخرى أثناء الشرح.
(1) انظر: "شرح حديث النزول" لابن تيمية (ص 5).
(2)
انظر: "شرح العقيدة الطحاوية"(ص 173)، "معارج القبول" 1/ 377، "موقف ابن تيمية من الأشاعرة" 1/ 396.
(3)
انظر: "شرح الطحاوية"(ص 174)، "شرح العقيدة الواسطية" لهراس (ص 150).