الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الرابع: الصنعة الحديثية كما أشار إليها المصنف:
أشار المصنف رحمه الله في مقدمة الشرح إلى ما قصد بيانه من مسائل الصناعة الحديثية المتعلقة بأحاديث "سنن أبي داود"، وهي:
أولًا: دقائق الإسناد وضبط ما قد يشكل من الأسماء.
ثانيًا: التنبيه على صحة الحديث أو حسنه أو ضعفه.
ثالثًا: بيان صواب ما تختلف فيه النسخ.
وقد ضمن شرحه غير ما ذكر:
1 -
تخريج الكثير من الأحاديث المشروحة وإن كان الغالب سكوته.
2 -
التوضيح لبعض المشكل.
3 -
الإشارة إلى علل بعض الأحاديث.
4 -
الإشارة إلى رواية الأكابر عن الأصاغر.
4 -
الإشارة إلى رواية التابعين بعضهم عن بعض.
5 -
الإشارة إلى بعض مسائل مصطلح الحديث.
أولًا: دقائق الإسناد وضبط ما قد يشكل من الأسماء:
وقد تمثلت دراسته للإسناد في الغالب في التعريف بالراوي بذكر نسبه وكنيته والإشارة إلى شهرته إن كان مشهورًا (1)، وربما اختار شيئًا من أخباره
(1) وتجدر الإشارة هنا أنه أخطأ في ذلك كثيرًا جدًّا، وكما أشرنا سابقا فقد يكون للنساخ دور في زيادة هذه الأخطاء، ومن أمثلة ذلك: في الحديث (17) مال أبو داود: ثنا محمد بن المثني، ثنا عبد الأعلى ثنا سعيد عن قتادة، فظن أن سعيدًا المذكور في المسند هو ابن إياس الجريري. والصواب أنه سعيد بن أبي عروبة.
وفي الحديث (23) قال أبو داودة حدثنا حفص بن عُمر فظن أنه الضرير، والصواب أنه حفص بن عُمر بن الحارث بن سَخْبرة الأزدي. وغير هذا كثير.
كثناء العلماء عليه وبعض فضائله ومن أخرج له، وربما ذكر تاريخ وفاته، وقد يتوسع في ترجمة بعض الرجال وذكر أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه، إلا أنه مال ميلًا واضحًا إلى الآراء المتساهلة في التوثيق، واكتفى في مواضع كثيرة بنقل التوثيق، وغضَّ النظر عن نقول المجرحين أو أقوالهم وإن كانت مفسّرة، أو عليها الأكثر من الأئمة (1).
ومما يجدر ذكره: أن له عناية خاصة بالصحابة فهو ينوه بصحبتهم، ومتى أسلم الواحد منهم، ومواطن وفياتهم، وكذا بالنسبة للتابعين يحرص على بيان من كان منهم قد صحب الصحابة.
ومن الفوائد التي ضمنها شرحه فيما يتصل بالأسانيد ما يلي:
1 -
أنه قد يذكر الخلاف في تعيين المراد بالراوي، كما فعل عثد ترجمته للقيط بن صبرة، وكما فعل عند قول أبي داود عن عروة المزني.
2 -
وقد يذكر بعض حديث من يترجم له كما فعل في ترجمة محمد بن
(1) فمثلًا قال في مصعب بن شيبة العبدري: قال ابن معين: ثقة. ولم يزد على ذلك، بينما قال فيه الإمام أحمد: أحاديثه مناكير، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: لا يحمدونه وليس بالقوي، وقال الدارقطني: ليس بالقوي ولا بالحافظ.
وقال في عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب: قال ابن عبد البر فيه: شريف، عالم، لم يطعن عليه إلا متحامل، وهو أقوى من كل من ضعفه. ولم ينقل غير هذا، بينما نقل ابن سيد الناس عن ابن عبد البر قولًا آخر أنه ليس بالحافظ. وقال ابن حجر متعقبًا كلام ابن عبد البر الأول: هذا إفراط.
وقد تكلم العلماء في عبد الله بن محمد بن عقيل فضعفه ابن معين والنسائي، وقال ابن سعد: منكر الحديث، وروي نحوه عن الإمام أحمد، وتكلم في سوء حفظه ابن خزيمة والعقيلي وابن عيينة.
وقد تكرر هذا الصنيع من الشارح في مواطن أخرى متعددة.
يزيد مولى المغيرة بن شعبة.
3 -
عنايتة بذكر مَنْ أخرج لهم كأن يقول عند ترجمة راو: شيخ البخاري، أو أخرج له البخاري، أو شيخ مسلم، أو أخرج له مسلم، أو شيخ الشيخين، أو أخرج له الشيخان، وقد ينص على أن روايته جاءت عند البخاري استشهادًا أو متابعة، وربما صرَّح بأن هذا الراوي أو ذاك روى عنه ابن خزيمة، أو وثقه ابن حبان، أو أحتج به الحاكم، أو أن الجماعة أخرجوا له، أو الستة، أو الأربعة، أو أحدهم، أو أن المصنف انفرد بالرواية عنه.
وعني عناية خاصة ببيان إن كان الشيخان أو أحدهما روى للشخص المترجم له فينص عليه، وربما أوضح إن كانت الرواية عنه استشهادًا، أو معلقة، ويميّز بين من روى له مسلم في المقدمة.
لكنه يقتصر أحيانًا على ذكر أحد الشيخين بينما يكون الشيخان كلاهما قد أخرجا له كما فعل مع جرير بن عبد الله الضبيّ والربيع بن نافع وثور بن يزيد الكلاعي وغيرهم.
وقد وهم رحمه الله في نسبة بعض الرواة إلى الصحيحين أو أحدهما كما فعل في إسرائيل بن موسى قال: روى له الشيخان. ولم نجد من وافقه في ذلك.
وقد يهم في ذكر الموضع كما قال في أبي الزبير، روى له البخاري في العمرى بينما البخاري لم يرو له إلا حديثًا واحدًا مقرونًا بعطاء في البيوع، وعلق له عدة أحاديث.
ونحو هذا في قوله في حارثة بن وهب روى له الشيخان في موضعين بينما رويا له في أربعة مواضع.
4 -
قد يذكر بعض الفوائد الخاصة ببعض الرواه، كقوله في (أُبيّ بن عمارة): ليس لنا عِمارة بكسر العين إلا هذا.
5 -
ميله إلى الإشادة بزهد بعض الرواة وعبادتهم، وصلاحهم، وإمامتهم، وحفظهم، وشيء من مناقبهم.
6 -
قد يذكر بعض القواعد في التفريق بين المتفقين في الاسم والطبقة كالحمادين والسفيانين.
7 -
ينبه على جوانب من لطائف الإسناد ومن لطيف هذِه اللطائف قوله في الحديث رقم (194) الذي رواه أبو داود عن شيخه قتيبة بن سعيد: اعلم أن حديث قتيبة هذا هو أحد الأحاديث التي أخرجها الأئمة الخمسة وهم الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي عن شيخ واحد وهو قتيبة اهـ.
ومنها قوله في الحديث رقم (195) الذي رواه أبو داود من طريق توبة بن أبي أسد: لم يتفق الشيخان في توبة إلا على هذا.
8 -
قد يشير لما يراه خطأ من أقوال أئمة الجرح والتعديل فيتعقبه أو ينقل كلام من تعقبه.
من ذلك قوله في أبان بن صالح: وثقه ابن معين وغيره، ولم يعرفه ابن حزم فقال: مجهول، وذهل ابن عبد البر فقال: ضعيف. اهـ.
ومن ذلك قوله في عبد الرحمن بن عائذ: قال: أبو زرعة: لم يسمع من علي. وفيه نظر؛ لأنه سمع من عمر، كما جزم به البخاري.
ومن ذلك أن أبا داود قال في الحديث رقم (117): حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك، عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى المازني اهـ. فظن صاحب "الكمال" من هذِه الرواية أن عمرو بن يحيى هو ابن بنت عبد الله بن زيد، وليس الأمر
كذلك. فنبه ابن رسلان على هذا بأن نقل كلام ابن حجر في توضيح الصواب وتوجيه رواية أبي داود رحمه الله.
9 -
وقد يذكر الخلاف في سماع الراوي من شيخه إذا كان ثمة خلاف ولم ينص على القول الذي يختاره، ولكن القارئ يفهم من طريقته في عرض القول الذي يميل إليه، كأن ينقل كلام أحد الأئمة في ترجيح أحد الرأيين، كما فعل عند ذكر الخلاف في سماع الأعمش من أنس رضي الله عنه بعد أن ذكر أقوال الفريقين، قال: قال المنذري: والذي قاله الترمذي هو المشهور. اهـ.
ومن أساليبه في بيان القول المختار أن يسوق أحد القولين بأسلوب التمريض كما فعل عند ذكر الخلاف في سماع قتادة من عبد الله بن سرجس رضي الله عنه، قال: قيل: إن قتادة لم يسمع من عبد الله بن سرجس، حكاه حرب عن أحمد، وأثبت سماعه منه على بن المديني وصححه ابن خزيمة وابن السكن.
ثانيًا: التنبيه على صحة الحديث أو حسنه أو ضعفه:
أشار ابن رسلان رحمه الله في مقدمته إلى أنه ينبه على صحة الحديث أو حسنه أو ضعفه، وباستقراء الشرح نجد المصنف رحمه الله سكت عن أغلب الأحاديث التي في السنن، وكذا غيرها التي أوردها في الشرح، كما أنه لم يُعْن بوصْل المعلقات التي أوردها أبو داود في "سننه"، ولم ينبه على حكمها إلا في النادر.
وأشد من هذا أن يذكر حديثًا موضوعًا ولا يبينه، كما فعل في آخر شرح الحديث رقم (96) حيث قال: وفي الخبر والأثر أن العلماء يحتاج إليهم في الجنة، إذ يقال لأهل الجنة: تمنوا، فلا يدرون كيف يتمنون حتى يتعلموا من العلماء ما يتمنون وهذا حديث موضوع ولم ينبه الشارح إلى ذلك.
والذي تكلم عن درجته من الأحاديث تراوحت طريقته في الإفصاح عن بيان درجته:
1 -
أن ينص على درجة الحديث، إما بالتصحيح (1)، وإما بأن إسناده جيد (2)، وإما بأنه حسن (3)، وإما بأنه ضعيف (4).
وربما حكم الشارح رحمه الله بصحة حديث لا يثبت، ففي الحديث رقم (12) قال: وللحكيم الترمذي بسند صحيح: في كنيف اهـ. فصحَّح إسناده وفيه عيسى الخياط وهو متروك.
2 -
أن ينقل حكم غيره في معرض الاحتجاج، كما في الحديث الذي أخرجه المصنف عن جابر بن عبد الله قال: نهى نبي الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها. قال الشارح: رواه الحاكم وابن خزيمة والدارقطني وصححه البخاري فيما نقله عنه الترمذي، وحسنه هو والبزار، وصححه أيضًا ابن السكن، وتوقف النووي فيه لعنعنة ابن إسحاق، وقد صرح المصنف وأحمد وغيرهما بالتحديث.
(1) كما في حديث (23) عن حذيفة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائمًا ثم دعا بماء فمسح على خفيه. قال المصنف: وزاد عيسى بن يونس عن الأعمش أن ذلك كان بالمدينة. أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" بإسناد صحيح.
(2)
كما في الحديث الذي أخرجه عن معقل بن أبي معقل الأسدي قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط. قال المصنف: هذا الحديث رواه أحمد وابن ماجه وإسناده جيد.
(3)
ومثاله: قول المصنف: روى الترمذي في "الشمائل " بإسناد حسن من حديث صحابي لم يسم أنه عليه السلام كان يترجل غبًّا.
(4)
ومثاله: قول المصنف: روى الترمذي في "الشمائل" بإسناد ضعيف من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته.
وقد أكثر المصنف رحمه الله من نقل كلام العلماء من المتقدمين والمتأخرين -مثل: أحمد، والترمذي، والبزار، وابن خزيمة، والدارقطني، والبيهقي، وابن القطان والنووي، والمزي، والعراقي، لاسيما الحافظ ابن حجر- في حكمهم على أحاديث سنن أبي داود، وحكمهم على ما يذكره في شرحه من أحاديث.
كما نقل بعض خلافاتهم في الحكم على بعض الأحاديث مؤيدًا بعض الأقوال ومنتصرًا له بوضوح، أو بالإيماء أحيانًا، لكنه كثيرًا ما ينقل الخلاف دون ترجيح.
وقد ينقل تصحيح حديث عن بعض الأئمة ويكون فيه ضعف فلا يبينه، ففي الحديث رقم (36) قال الشارح رحمه الله: ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بروث أو عظم وقال: "إنهما لا تطهران". رواه الدارقطني وقال: إسناده صحيح اهـ. وفي إسناد هذا الحديث يعقوب بن حميد بن كاسب المدني وهو ضعيف متروك الحديث.
3 -
أن يشير إلى أن الحديث في الصحيحين أو في أحدهما، وقد أشار إلى هذا في مقدمته عند حديثه على ما سكت عنه أبو داود.
4 -
أن يشير إلى أن سند الحديث على شرط الشيخين أو أحدهما، فقد ذكر في شرح الحديث رقم (4) قوله صلى الله عليه وسلم "إذا دخلتم الخلاء فقولوا: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث" قال: قال ابن حجر: وإسناده على شرط مسلم.
5 -
أن يشير إلى صحة الحديث ببيان ثقة رجال إسناده إما بالنص على أن الراوي ثقة أو ببيان أنه ممن روى له الشيخان أو أحدهما، ويشير إلى ضعف الحديث بتضعيف بعض رواته.
ثالثًا: بيان صواب ما تختلف فيه النسخ:
سبق أن أشرنا إلى أن المصنف رحمه الله لم يعتمد على نسخة واحدة من روايات "سنن أبي داود" بل أعتمد على أكثر من نسخة، وذكر في مقدمته للشرح أنه سيبين صواب ما تختلف فيه النسخ، والمطالع كتابه فيما يخص هذا الجانب يجد الآتي:
أ - أخطأ في نسبة كثير من الفروق إلى غير نسخها.
ففي الحديث الذي رواه أبو داود عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب. قال ابن رسلان: إذا ذهب إلى المذهب، هكذا في رواية الخطيب اهـ. والثابت في نسخة الخطيب إذا ذهب المذهب بدون إلى.
وفي الحديث رقم [72] الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه مرار" قال ابن رسلان: ورواية الخطيب: "سبع مرات".
والذي في نسخة الخطيب: "سبع مرار" بينما الذي في نسخة التستري: "سبع مرات" على عكس ما ذكر الشارح رحمه الله.
ب- قد يشير إلى فروق بين النسخ ولا يذكر اسم النسخة قائلًا: وفي نسخة كذا.
ففي الحديث [2814] عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل دمشق قال: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد مسلم: في حجة الوداع- ثم قال: "يا ثوبان أصلح لنا لحم هذِه الشاة". يعني بالملح ونحوه، قال: فما زلت أطعمه -بضم الهمزة وكسر العين والميم مرفوعة- منها حتى قدمنا المدينة. قال ابن رسلان: وفي نسخة: حتى قدمنا المدينة.
جـ- أنه قد ترك كثيرًا من الفروق بين النسخ، وأشار إلى بعض الفروق
دون ترجيح في الأغلب، وبترجيح أحيانا كما فعل في الحديث [128] الذي رواه أبو داود عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، قالت: فمسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وأدبر.
قال ابن رسلان: رواية الخطيب: وما أدبر. وهي أصح.
وفي الحديث [136] الذي رواه أبو داود عن ابن عباس في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: ثم قبض قبضة أخرى من الماء فرش على رجله اليمنى وفيها النعل، ثم مسحها بيديه، يد فوق القدم، قال ابن رسلان: وفي رواية الخطيب: فوق النعل. وهو الموافق لقوله بعد: ويد تحت النعل.
وفي الحديث [154] قال أبو داود: حدثنا مسدد وأحمد بن أبي شعيب الحراني، قالا: ثنا وكيع، ثنا دلهم بن صبح. فقال ابن رسلان في صبح: بضم الصاد وسكون الباء الموحدة، كذا في كتاب أبي علي التستري، والصواب: دلهم بن صالح، وهكذا رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن وكيع عن دلهم بن صالح مجودًا. وكذا ذكره الذهبي وغيره.
أما ما ضمنه شرحه غير ما ذكر ولم يشترطه المصنف على نفسه:
1 -
تخريج الكثير من الأحاديث المشروحة وإن كان الغالب سكوته خرج ابن رسلان جملة من الأحاديث التي شرحها، فبين من رواها من أصحاب الكتب الستة أو غيرها، كما خرج جملة من الأحاديث التي ذكرها أثناء شرحه.
ونلاحظ الآتي من خلال استقراء الكتاب:
أ- لم يلتزم ابن رسلان رحمه الله تخريج جميع الأحاديث، بل خرج بعضها وسكت عن البعض الآخر وهو الغالب.
ب- لم يتبع ابن رسلان منهجًا واضحًا في التخريج، فتارة يقتصر على
ذكر واحد أو اثنين ممن أخرج الحديث، بينما يسرد عددًا في حديث آخر، وتارة يقتصر على ذكر بعض من روى الحديث من أصحاب المسانيد أو المعاجم، ويكون الحديث في بعض الكتب الستة.
جـ- عزا في الغالب إلى كثير من المصادر الأصلية لكنه أحيانا يخرج من المصادر الثانوية، وقد يخطئ في ذلك العزو أحيانا، فيحيل على مصدر ويكون الحديث في مصدر آخر.
د- يبهم أحيانا المصدر كأن يقول: (وفي الحديث) أو: (وفي رواية)، وأحيانا أخرى يشير إلى من أخرجه محيلًا إلى مصدر واحد فقط.
هـ- لم يراع ترتيب تخريج الأحاديث على الترتيب المشهور لأصحاب الكتب الستة، بل يكتفي في الغالب بواحد أو اثنين، وقليلا ما يورد ثلاثة منهم، دون استعمال الصيغ الاصطلاحية في العزو، مثل: بلفظه أو بنحوه.
2 -
التوضيح لبعض المشكل:
المُشكل في اللغة: المُختلط والمُلتبس، يقال: أشكل الأمر: التبس وأشكل عليّ الأمر، إذا أختلط. وأشكلت عليًّ الأخبار وأحلكت: بمعنى واحد (1).
وأما في اصطلاح أهل الحديث فيمكن تعريفه بأنه: الحديث الذي لم يظهر المراد منه لإشكال في لفظه أو ظاهره تعارضه مع دليل آخر صحيح.
وقد تناول المصنف رحمه الله في شرحه بعض الأحاديث المشكلة وأزال إشكالها، وقد يشير المصنف رحمه الله إلى الإشكال في الحديث
(1) انظر: "مجمل اللغة" 1/ 509، "المحكم" 6/ 686، "المخصص" 3/ 364، "لسان العرب " 11/ 357.
دون أن يزيل هذا الإشكال.
ومن الأحاديث المشكلة التي أزال إشكالها:
حديث علي بن أبي طالب: وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك، وكبر). قال الخطابي: وأما ما روي في حديث علي رضي الله عنه أنه كان يرفع يديه عند القيام من السجدتين فلست أعلم أحدًا من الفقهاء ذهب إليه، وإن صح الحديث فالقول به واجب (1).
قال الشارح (2): والمراد بالسجدتين الركعتان بلا شك كما في رواية الباقين، فكأنه لم يقف على طرق هذا الحديث، ولو وقف عليه لحمله على الركعتين كما حمله الأئمة.
وعند شرحه لحديث [2650] عند قوله صلى الله عليه وسلم: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
قال الشارح: وقد استشكل هذا بعضهم؛ لأن فيه إباحة مطلقة للذنوب المستقبلة، وهو خلاف قاعدة الشرع.
فقيل: معناه الغفران لهم في الآخرة وإلا فلو توجه على أحد منهم حدًّا وغيره أقيم عليه في الدنيا، ونقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد، وقيل: هو خطاب إكرام وتشريف. أي: هؤلاء القوم حصلت لهم حالة غفرت لهم بها ذنوبهم السابقة، وتأهلوا بها أن يغفر لهم ذنوب لاحقة إن وقعت منهم. اهـ.
وعند شرحه حديث [2997] عن أنس قال: وقع في سهم دحية جارية
(1)"معالم السنن" 1/ 355.
(2)
وقد سبقه النووي رحمه الله في ذلك، وتبعه المصنف هنا. انظر:"المجموع" 3/ 447.
جميلة، فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس، ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها، وتهيئها -قال حماد: وأحسبه قال: وتعتد في بيتها- صفية بنت حيي.
قال الشارح: استشكل بعضهم شراءها منه بعد أن وهبها له؛ لأن الواهب منهي عن شراء هبته يحتمل أن ذلك كان برضا دحية فتكون معاوضة جارية، وأجاب بعضهم بأنه لم يهبه من مال نفسه فينهى عن الارتجاع، وإنما أعطاه من مال الله على جهة النفل كما يعطي الإمام النفل لأحد أهل الجيش نظرًا فيكون خارجًا عن ارتجاع الهبة وشراءها.
قال القرطبي: وهذا كله ليس بصحيح، وأن صفية إنما وقعت في مقسمه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراها، وهذا رافع لما يتوهم من الإشكال.
3 -
الإشارة إلى رواية الأكابر عن الأصاغر.
-كما في حديث القعنبي عن مالك عن نعيم بن عبد الله المجمر عن علي بن يحيى الزرقي.
قال المصنف: وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر لأن نعيمًا أكبر سنًّا من علي بن يحيى.
- وكما في حديث سفيان بن عيينة عن وائل بن داود التيمي عن ابنه بكر بن وائل بن داود.
قال المصنف: وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر.
4 -
الإشارة إلى رواية التابعين بعضهم عن بعض.
-كما في حديث محمد بن قدامة بن أعين عن أبي بدر عن أبي طالوت عبد السلام عن ابن جرير عن أبيه.
قال المصنف: وعبد السلام وابن جرير وأبوه تابعيون يروي بعضهم عن بعض.
- وكما في حديث القعنبي عن مالك عن نعيم بن عبد الله المجمر عن علي بن يحيى الزرقي.
قال المصنف: وفيه ثلاثة من التابعين في نَسَق وهم بين مالك والصحابي.
5 -
الإشارة إلى بعض مسائل مصطلح الحديث، ومنها:
- لو اجتمع الاسم والكنية قدمت الكنية.
ومثاله: حديث مسدد عن إسماعيل عن أيوب عن أبي قلابة قال: جاءنا أبو سليمان مالك.
قال المصنف: فيه أن الاسم والكنية إذا اجتمعتا قدمت الكنية.
وكما في حديث زيد بن خالد: انطلق بنا إلى أم المؤمنين عائشة.
قال المصنف: فيه شاهد للنحاة على أنه إذا اجتمع الاسم والكنية قدمت الكنية.
- معنى قول الراوي: يبلغ به.
كما في حديث قتيبة بن سعيد وابن السرح قالا: ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم.
قال المصنف: قال ابن الصلاح وغيره: هو قول الرواي عن الصحابي يرفع الحديث أو يبلغ به النبي. اهـ.
وكما في حديث [3382] حدثنا محمد بن سليمان المصيصي حدثنا محمد بن الزبرقان عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه.
قال المصنف: قال ابن الصلاح: قول الصحابي يرفع الحديث أو يبلغ به أو ينميه، حكم ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صريحًا.
- رواية الحديث بالمعنى.
كما في حديث [2587] حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"إذا مر أحدكم في مسجدنا، أو في سوقنا ومعه نبل فليمسك على نصالها" أو قال: "فليقبض كفه". أو قال: "فليقبض بكفه أن تصيب أحدا من المسلمين".
قال المصنف: وفيه دليل لمن يقول: لا يجوز رواية الحديث بالمعنى؛ إذ لو جاز بالمعنى لما ادعاه هذا اللفظ الذي هو بمعناه (أن تصيب) بنصلها (أحدًا من المسلمين) اهـ.
وكما في حديث [2904] حدثنا الحسين بن أسود العجلي، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن جبريل بن أحمر أبي بكر، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: مات رجل من خزاعة، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بميراثه، فقال:"التمسوا له وارثا، أو ذا رحم"، فلم يجدوا له وارثا ولا ذا رحم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أعطوه الكبر من خزاعة" وقال يحيى: قد سمعته مرة يقول في هذا الحديث: "انظروا أكبر رجل من خزاعة".
قال المصنف: وفيه دليل على رواية الحديث بالمعنى.
- جواز المكاتبة:
كما في حديث [779] حدثنا مسدد، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، حدثنا قتادة، عن الحسن، أن سمرة بن جندب، وعمران بن حصين، تذاكرا، فحدث سمرة بن جندب، أنه حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتين: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]، فحفظ ذلك سمرة وأنكر عليه عمران بن حصين فكتبا في ذلك إلى أبي بن كعب فكان في كتابه إليهما أو في رده عليهما: أن سمرة قد حفظ.