الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - باب في النَّهْي عَنِ السَّعْي في الفِتْنَةِ
4256 -
حَدَّثَنَا عُثْمانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عُثْمانَ الشَّحّامِ قالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ أَبي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: قالَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّها سَتَكونُ فِتْنَةٌ يَكُونُ المُضْطَجِعُ فِيها خَيْرًا مِنَ الجالِسِ والجالِسُ خَيْرًا مِنَ القائِمِ والقائِمُ خَيْرًا مِنَ الماشي والماشي خَيْرًا مِنَ السَّاعَي". قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما تَأْمُرُني قالَ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ إبلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ وَمَنْ كانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ وَمَنْ كانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ". قالَ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيء مِنْ ذَلِكَ؟ قالَ: "فَلْيَعْمِدْ إِلَى سيْفِهِ فَلْيَضْرِبْ بِحَدِّهِ عَلَى حَرَّةٍ ثُمَّ لِيَنْجُ ما اسْتَطَاعَ النَّجاءَ"(1).
4257 -
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خالِدٍ الرَّمْلي، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ عيَّاشٍ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَشْجَعي أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبي وَقّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الحَدِيثِ قالَ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَليَّ بَيْتي وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي قالَ: فَقالَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كُنْ كابْنَي آدمَ". وَتَلا يَزِيدُ: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ} الآيَةَ (2).
4258 -
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ خِراشٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ غَزْوانَ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ راشِدٍ الجَزَري، عَنْ سَالِمٍ، حَدَّثَنىِ عَمْرُو بْن وابِصَةَ الأَسَدي، عَنْ أَبِيهِ وابِصَةَ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ، فَذَكَرَ بَعْضَ حَدِيثِ أَبي بَكْرَةَ قالَ:"قَتْلاها كُلُّهُمْ فِي النَّارِ".
قالَ فِيهِ: قُلْتُ: مَتَى ذَلِكَ يا ابن مَسْعُودٍ؟ قالَ: تِلْكَ أَيَّامُ الهَرْجِ حَيْثُ لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ. قُلْتُ: فَما تَأْمُرُني إِنْ أَدْرَكَني ذَلِكَ الزَّمانُ قالَ: تَكُفَّ لِسانَكَ وَيَدَكَ
(1) رواه مسلم (2887).
(2)
رواه الترمذي (2194)، وأحمد 1/ 185.
وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(2431).
وَتَكُونُ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيتِكَ. فَلَمّا فتِلَ عُثْمانُ طارَ قَلْبي مَطارَهُ فَرَكِبْتُ حَتَّى أَتَيْتُ دِمَشْقَ فَلَقِيتُ خُرَيْمَ بْنَ فاتِكٍ فَحَدَّثْتُهُ فَحَلَفَ باللَّهِ الذي لا إله إِلَّا هُوَ لَسَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَما حَدَّثَنِيهِ ابن مَسْعُودٍ (1).
4259 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوارِثِ بْن سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوانَ، عَنْ هُزَيْل، عَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَري قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ بَيْنَ يَدي السّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيها مُوْمِنًا وَيُمْسي كافِرًا وَيُمْسي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كافِرًا القاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ والمَاشي فِيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُّمْ وَقَطِّعُوا أَوْتارَكُمْ واضْربُوا سُيُوفَكُمْ بِالحِجارَةِ فَإِنْ دُخِلَ -يَعْني: عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ- فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابني آدَمَ"(2).
4260 -
حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيالِسي، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبي جُحَيْفَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابن سَمُرَةَ- قالَ: كُنْتُ آخِذًا بِيَدِ ابن عُمَرَ في طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ المَدِينَةِ إِذْ أَتَى عَلَى رَأْسٍ مَنْصُوبٍ فَقَالَ: شَقَي قَاتِل هذا. فَلَمَّا مَضَى قالَ: وَما أَرى هذا إِلَّا قَدْ شَقي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"مَنْ مَشَى إِلَى رَجُلٍ مِنْ أُمَّتي لِيَقْتُلَهُ فَلْيَقُلْ هَكَذا فَالقَاتِلُ في النَّارِ والمَقْتُولُ في الجَنَّةِ".
قالَ أَبُو داوُدَ: رَواهُ الثَّوْري، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُمَيْرٍ أَوْ سُمَيْرَةَ، وَرَواهُ لَيْثُ بْنُ أَبي سُلَيْمِ، عَنْ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُمَيْرَةَ.
قالَ أَبُو داوُدَ: قالَ لِى الحَسَنُ بْنُ عَلي، حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ -يَعْني: بِهَذَا الحَدِيثِ-،
(1) رواه أحمد 1/ 448.
وصححه الألباني في "الصحيحة"(3254).
(2)
رواه ابن ماجه (3961)، وأحمد 4/ 416.
وقال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"(2742): صحيح لغيره.
عَنْ أَبِي عَوانَةَ وقالَ: هُوَ في كِتابي ابن سَبْرَةَ، وَقالُوا: سَمُرَةَ: وَقالُوا: سُمَيْرَةَ. هذا كَلامُ أَبي الوَلِيدِ (1).
4261 -
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمّادُ بْن زَيْدٍ، عَنْ أَبي عِمْرانَ الجَوْني، عَنِ المُشَعَّثِ ابْنِ طَرِيفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبي ذَرٍّ قالَ: قالَ لي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يا أَبا ذَرٍّ". قُلْتُ: لَبَّيكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ، قالَ فِيهِ:"كَيْفَ أَنْتَ إِذا أَصابَ النّاس مَوْتٌ يَكُونُ البَيْتُ فِيهِ بِالوَصِيفِ". قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. أَوْ قالَ ما خارَ اللَّه لِي وَرَسُولُهُ. قالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ". أَوْ قالَ: "تَصْبِرُ".
ثُمَّ قالَ لي: "يا أَبا ذَرٍّ". قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. قالَ: "كَيْفَ أَنْتَ إِذا رَأَيْتَ أَحْجَارَ الزَّيْتِ قَدْ غَرِقَتْ بِالدَّمِ". قُلْتُ: ما خارَ اللَّهُ لي وَرَسُولُهُ. قالَ: "عَلَيْكَ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ".
قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلَا آخُذُ سَيفي وَأَضَعُهُ عَلَى عاتِقي؟ قالَ: "شارَكْتَ القَوْمَ إِذًا". قُلْتُ: فَما تَأْمُرُنَي؟ قالَ: "تَلْزَمُ بَيْتَكَ".
قُلْتُ: فَإِنْ دَخِلَ عَلي بَيْتي قالَ: "فَإِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ ثَوْبَكَ عَلَى وَجْهِكَ يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ".
قالَ أَبُو داوُدَ: لَمْ يَذْكرِ المُشَعَّثَ في هذا الحَدِيثِ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ (2).
4262 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زِيادٍ، حَدَّثَنَا عاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ أَبي كَبْشَةَ قالَ: سَمِعْت أَبَا مُوسَى يَقُول: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيها مُؤْمِنًا وَيُمْسي كافِرًا وَيُمْسي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كافِرًا القاعِدُ فِيها خَيْرٌ
(1) رواه أحمد 2/ 96.
وضعفه الألباني في "الضعيفة"(4664).
(2)
رواه ابن ماجه (3958)، وأحمد 5/ 163.
وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود".
مِنَ القائِمِ والقائِمُ فِيها خَيْرٌ مِنَ المَاشِي والمَاشِي فِيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعَي". قالُوا: فَما تَأْمُرُنَا؟ قالَ: "كُونُوا أَحْلاسَ بُيُوتِكُمْ" (1).
4263 -
حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ الحَسَنِ المِصِّيصي، حَدَّثَنَا حَجّاجٌ -يَعْني: ابن مُحَمَّدٍ- حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ المِقْدادِ بْنِ الأَسْوَدِ قالَ: ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ وَلَمَنِ ابْتُلي فَصَبَرَ فَواهًا"(2).
* * *
باب النهي عن السعي في الفتن
[4256]
(ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن عثمان) أبي سلمة (الشحام) بفتح الشين المعجمة، والحاء المهملة، البصري العدوي، يقال: اسم أبيه: ميمون، أو: عبد اللَّه، أخرج له مسلم هذا الحديث (قال: حدثني مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه) أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه.
(قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إنها ستكون فتنة) لفظ الصحيحين: "ستكون فتن"(3)(يكون المضطجع فيها خيرًا من الجالس والجالس) فيها (خيرًا من القائم، والقائم خيرًا من الماشي، والماشي خيرًا من الساعي) إليها،
(1) انظر تخريج حديث (4259). وقد صححه الألباني.
(2)
رواه البزار 6/ 46 (2112)، والطبراني 20/ 252 (598).
وصححه الألباني في "الصحيحة"(975).
(3)
البخاري (3601، 7081، 7082)، مسلم (2886) من حديث أبي هريرة. ومسلم (2887) من حديث أبي بكرة.
زاد البخاري: "من تشرف لها تستشرفه"(1)، ولمسلم:"تكون فتنة؛ النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم. . فمن وجد ملجأ أو معاذا فليستعذ"(2).
قال النووي: معناه بيان عظيم خطرها، والحث على تجنبها، والهرب منها ما استطاع، ومن التسبب في شيء منها، وإن شرها وفتنتها تكون على حسب التعلق بها (3). يعني: وعلى قدر دخوله فيها وحرفته في دخولها يكون شرها عليه، وكلما قلل من حركتها كان شره أقل، وكلما كثر كان شره أكثر.
(قال) أبو بكرة: (يا رسول اللَّه، ما تأمرني؟ ) أن أفعل فيها إذا نزلت أو وقعت (قال: من كانت له إبل فليلحق بإبله) لينجو منها (ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه) من الإعراض عن الفتن والفرار منها إلى ما كان له من إبل أو غنم أو أرض أو نحو ذلك.
(فمن لم يكن له شيء من ذلك) كله (قال: فليعمد) بكسر الميم (إلى سيفه فليضرب بحده) أي: بحد سيفه (على حرة) بفتح الحاء المهملة، والراء المشددة، مع تنوين آخره، والحرة الحجارة السود، وهذا موافق لرواية مسلم قال:"يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر"(4) هذا محمول على ظاهره وهو كسر حد السيف حقيقة؛ لأنه إذا فعل
(1) البخاري (3601، 7081، 7082)، مسلم (2886).
(2)
مسلم (2886/ 12).
(3)
"مسلم بشرح النووي" 18/ 9.
(4)
مسلم (2887).
ذلك سد على نفسه باب القتال إذ لم يكن له شيء يستعين به على الدخول فيها فيفر منها ويسلم من شرها.
(ثم لينجو)(1) بنفسه (ما استطاع) لفظ مسلم: "ثم ينجو إن استطاع"(النجاء) وفي بعض نسخ مسلم: "ثم لينج"(2) بحذف واو العلة لكونه مجزومًا بلام الأمر وهو القاعدة، والمعنى: ثم ليطلب النجاة بنفسه ويسرع بالفرار من الفتن إن وجد إلى ذلك سبيلا.
وقد قال بظاهر هذا الحديث جماعة من السلف فاجتنبوا جميع ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال، منهم: أبو بكرة راوي الحديث ومحمد بن مسلمة اتخذ سيفًا من خشب وقال: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أمره بذلك (3). وأقام بالربذة.
[4257]
(ثنا يزيد بن خالد) بن يزيد (الرملي) الفقيه الزاهد الثقة (ثنا المفضل) بن فضالة قاضي مصر (عن عياش) بالمثناة تحت، والشين المعجمة، وهو ابن عباس القتباني، أخرج له مسلم.
(عن بكير) بالتصغير ابن عبد اللَّه بن الأشج (عن بسر)(4) بضم الموحدة، وسكون المهملة (ابن سعيد) المدني (عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي) وثق.
(أنه سمع سعد بن أبي وقاص) رضي الله عنه يقول (عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا
(1) كذا في الأصول، وفي المطبوع: لينج.
(2)
مسلم (2887).
(3)
رواه الطبراني 19/ 232 (517). وقال الهيثمي في "المجمع" 7/ 301: فيه من لم أعرفه.
(4)
فوقها في (ل): (ع).
الحديث) وزاد (قال) سعد (فقلت: يا رسول اللَّه، أرأيت إن دخل علي) أحد في (بيتي، وبسط) إلي (يده ليقتلني) ما أصنع معه؟
(قال: فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: كن) مع من يدخل عليك (كابني) أي: كخير ابني (آدم) كما سيأتي في الرواية بعده، أي: كن كهابيل بن آدم حين قال لأخيه لما دخل عليه ليقتله: لئن بدأتني بالقتل فما أنا بالذي أبدؤك بالقتل؛ إني أخاف اللَّه رب العالمين في قتلك.
(وتلا يزيد) بن خالد الرملي شيخ المصنف قوله تعالى: ({لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي} الآية)(1) إلى آخرها.
[4258]
(حدثنا عمرو بن عثمان) بن سعيد الحمصي، صدوق حافظ (ثنا أبي) عثمان بن سعيد بن كثير الحمصي، ثقة من العابدين.
(ثنا شهاب بن خراش) بكسر الخاء المعجمة، ابن حوشب الشيباني، عن يحيى بن معين: ثقة. وعنه وعن النسائي: لا بأس به (2). روى له المصنف هذا الحديث واحد فقط.
(عن القاسم (3) بن غزوان) مقبول (عن إسحاق بن راشد) الأموي مولاهم (الجزري) بفتح الجيم والزاي، أخرج له البخاري في تفسير براءة (4) وفي الطب (5) والاعتصام.
(عن سالم) قال: (حدثني عمرو بن وابصة الأسدي) صدوق (عن أبيه
(1) المائدة: 28.
(2)
"تاريخ ابن معين" رواية الدارمي (ص 130)(413).
(3)
فوقها في (ل): (د).
(4)
البخاري (4677).
(5)
عقب حديث (5715).
وابصة) بن معبد الأسدي الصحابي (عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول. فذكر بعض حديث أبي بكرة) المذكور، وزاد (قال: قتلاها) جمع قتيل، أي: قتلى الفتن التي يكثر فيها الهرج في آخر الزمان.
(كلهم في النار) قال القرطبي: هذا الحديث محمول على ما إذا كان القتال على الدنيا، يعني: وعلى حظوظ الأنفس، قال: وقد جاء هكذا منصوصا فيما سمعناه من بعض مشايخنا: "إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار" خرجه البزار، ومما يدل على صحة هذا ما خرجه مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيما قتل، ولا المقتول فيما قتل". فقيل: فكيف يكون ذلك؟ قال: "الهرج، القاتل والمقتول في النار"(1) فبين هذا الحديث أن القاتل إذا كان على جهالة من طلب دنيا أو اتباع هوى فالقاتل والمقتول في النار، فأما قتال يكون على تأويل ديني كقتال الصحابة فلا (2).
(قال فيه: قلت: متى ذاك يا ابن مسعود؟ قال: تلك أيام الهرج) كما تقدم (حيث لا يأمن الرجل جليسه) أن يقتله ويغرر به.
(قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان؟ ) الذي ذكرت فيه الفتن.
(قال: تكف لسانك) عن الكلام في الفتنة (ويدك) عن القتال فيها (وتكون حلسًا) بكسر الحاء المهملة، وأصله الكساء الذي على ظهر
(1) مسلم (2907/ 54).
(2)
انظر: "التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة"(ص 1104 - 1105).
البعير تحت القتب (من أحلاس بيتك) لفظه الخبر ومعناه الأمر (1). أي: كف لسانك وكن حلس بيتك كما يأتي في حديث، أي: الزم بيتك للجلوس فيه كلزوم الحلس لظهر الدابة، وكل من لازم شيئًا وثبت فيه فهو حلسه، ومنه حديث أبي بكر؛ قام إليه بنو فزارة، فقالوا: يا خليفة رسول اللَّه، نحن أحلاس الخيل -يريدون لزومهم لظهورها- فقال:"نعم، أنتم أحلاسها ونحن فرسانها"(2).
(فلما قتل عثمان طار قلبي) أي: مال إلى جهة يهواها ويتعلق بها (مطاره) منصوب على المصدر، أو على حذف حرف الجر، والمطار موضع الطيران (فركبت حتى أتيت دمشق) بكسر الدال، وفتح الميم، وفيه الرحلة لطلب الحديث والعلوم والسؤال عما أشكل عليه (فلقيت) بها (خريم) بضم الخاء المعجمة وفتح الراء المهملة، مصغر (ابن فاتك) بالفاء، وبعد الألف مثناة فوق مكسورة، ثم كاف، غير منصرف، الأسدي. وقيل: فاتك لقب لأبيه أخرم، أبي يحيى، شهد بدرًا مع أخيه سبرة، وفي الحديث أنه نزل دمشق.
(فحدثته) بهذا الحديث (فحلف باللَّه الذي لا إنه إلا هو لسمعه) أي: لقد سمع هذا الحديث (من النبي صلى الله عليه وسلم كما حدثنيه) عبد اللَّه (بن مسعود).
[4259]
(ثنا مسدد، ثنا عبد الوارث بن سعيد) بن ذكوان التميمي مولاهم البصري (عن محمد بن جحادة) بضم الجيم، الأودي، الكوفي
(1) في (ل): الخبر. ولعل المثبت مراد المصنف.
(2)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 61/ 319 بنحوه. وقد ورد الجزء الأخير منه في خبر آخر رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 24/ 291 عن الضحاك.
(عن عبد الرحمن بن ثروان) بفتح المثلثة، أبي قيس الأودي، أخرج له البخاري (عن هزيل) بفتح الزاي، مصغر، ابن شرحبيل الأودي، الكوفي، أخرج له البخاري في الفرائض (1) (عن أبي موسى) عبد اللَّه ابن قيس (الأشعري رضي الله عنه قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إن بين يدي الساعة فتنًا) جمع فتنة، وللترمذي:"بادروا بالأعمال فتنا"(2)(كقطع الليل المظلم) قطع جمع قطعة، وهي الطائفة من الليل، أراد أن كل فتنة سوداء مظلمة، وشبه الفتن بالليل المظلم تعظيما لشأنها وعظم خطرها.
(يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي) وقد صار (كافرًا، ويمسي) الرجل (مؤمنًا) باللَّه تعالى (ويصبح كافرًا) فيه إخبار عن سرعة تغير أحوال الناس في الفتن؛ لكثرة ما يشاهدون من الأهوال العظيمة. زاد الترمذي: "يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا"(3)(القاعد فيها خير من القائم) والقائم فيها خير من الماشي (والماشي فيها خير من الساعي) فيها بالبدن وغيره (فكسروا) بتشديد السين للمبالغة (قسيكم) بكسر القاف والسين، جمع قوس (وقطعوا) بتشديد الطاء (أوتاركم) أي: أوتار القسي (واضربوا) حد (سيوفكم بالحجارة) من القلب. أي: أضربوا الحجارة بسيوفكم، كقولهم: عرضت الناقة على الحوض.
وفيه ترك المحاربة في أيام الفتن؛ لأنه قتال في مسلمين بغير تأويل صحيح. وفيه إفساد آلات الجهاد؛ لأن اقتناءها وإبقاءها قد يؤدي إلى
(1)"صحيح البخاري"(6736).
(2)
"سنن الترمذي"(2190).
(3)
السابق.
استعمالها، ولأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كما في آلات الملاهي، وعلى هذا فلو كسرها غير المالك لم يكن عليه أرش النقص (فإن دخل) مبني للمفعول. أي: دخل داخل أحد (يعني: على أحد منكم) ليقتله (فليكن كخير ابني آدم عليه السلام) أي: يكون كهابيل الذي فرض اللَّه عليه كما قتل أن لا يمتنع ممن أراد قتله، وقيل: كان حرامًا عليه قتل من أراد قتله، أما الامتناع ممن أراد قتله فلا.
[4260]
(ثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك (الطيالسي، ثنا أبو عوانة) الوضاح (عن رقبة) بفتح الراء والقاف والباء الموحدة (ابن مصقلة) ويقال بالسين بدل الصاد، العبدي الكوفي، أخرج له البخاري في النكاح (1)(عن عون بن أبي جحيفة) واسمه وهب السوائي الكوفي (عن عبد الرحمن) بن سمير، بضم السين المهملة مصغر، مقبول، ووهم من زعم أن له صحبة.
(قال: كنت آخذ) بضم الخاء والذال (بيد) عبد اللَّه (ابن عمر رضي الله عنهما في طريق من طرق المدينة) زادها اللَّه شرفًا (إذ أتى) أي: مر (على رأس) بالتنوين (منصوب) أي: قتل صاحبه، ونصب. أي: رفع رأسه على شيء، ليرتدع بذلك أمثاله (قال: شقي) [بفتح](2) الشين ضد سعد (قاتل هذا) الرأس المنصوب (فلما مضى قال: وما أرى هذا) يعني: القاتل (إلا) و (قد شقي) تأكيد لما تقدم.
(سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: من مشى) بفتح الشين (إلى رجل من
(1)"صحيح البخاري"(5069).
(2)
في النسخ: بضم.
أمتي ليقتله) بغير حق (فليقل) من أريد قتله (هكذا) يحتمل أن يكون معناه: يضم يديه إلى صدره ويكف عن القتال، واللَّه أعلم. ويؤيده الحديث الذي بعده (فالقاتل في النار) إن لم يتب إلى اللَّه تعالى وأراد اللَّه تعذيبه، ويحتمل أن يكون المراد: فالقاتل مستحق النار إن لم يكن عفو (والمقتول) ظلمًا (في الجنة) إذا صبر واحتسب (قال) المصنف: (رواه) سفيان بن سعيد (الثوري، عن عون) بن أبي جحيفة.
(عن عبد الرحمن بن سمير أو سميرة) بالتصغير فيهما (ورواه ابن أبي سليم) أبو بكر القرشي، مولاهم، وكان ذا صلاة وصيام وعلم كثير، وبعضهم احتج به (عن عون) بن أبي جحيفة.
(عن عبد الرحمن ابن سمير) وجهًا واحدًا (قال) المصنف (1)(قال لي الحسن بن علي) الجهضمي.
(ثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي (يعني بهذا الحديث) المذكور.
(عن أبي عوانة قال: هو) مكتوب (في كتابي) عبد الرحمن (بن سبرة) بالباء الموحدة (وقالوا: سميرة هذا كلام أبي [الوليد])(2) وذكر البخاري في "تاريخه الكبير" عبد الرحمن هذا، وذكر الخلاف في اسم أبيه، وقال: حديثه في الكوفيين، وذكر له هذا الحديث مقتصرًا منه على المسند (3). وقال الدارقطني: تفرد به أبو عوانة، عن رقبة، عن عون بن
(1) هنا انتهى السقط المشار إليه سالفًا من (م).
(2)
كذا بالسنن، وفي النسخ الخطية: داود.
(3)
"التاريخ الكبير" 5/ 241.
أبي جحيفة عنه، يعني: عن عبد الرحمن بن سميرة (1).
[4261]
(ثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران) عبد الملك بن حبيب (الجوني) بفتح الجيم (عن المشعث) بتشديد العين المهملة، بعدها ثاء (2) مثلثة، ويقال: منبعث، بسكون النون، وفتح الموحدة، وكسر المهملة، ثم ثاء مثلثة (ابن طريف) قاضي هراة، مقبول (عن [عبد الوارث])(3)(4) ابن أخي أبي ذر الغفاري، وهو عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنت رديفًا خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يومًا على حمار، فلما جاوز بيوت المدينة قال:"كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة جوع تقوم عن فراشك ولا تبلغ مسجدك حتى يجهدك الجوع" قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "تعفف يا أبا ذر"(5).
(عن أبي ذر) جندب بن جنادة رضي الله عنه (قال: قال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر. قلت: لبيك وسعديك، فذكر الحديث) المذكور (وقال فيه: كيف) بك (أنت إذا أصاب الناس موت) كثير حتى (يكون) لفظ ابن ماجه: "يقوم"(6)(البيت فيه) المراد بالبيت هنا: القبر.
(1) في (م): سبرة.
(2)
ساقطة من (م).
(3)
كذا في الأصول، وهو خطأ. والصواب (عبد اللَّه بن الصامت)، وليس في تلاميذ أبي ذر من اسمه عبد الوارث ولا في شيوخ المشعث كذلك. انظر:"تهذيب الكمال" 15/ 120، 28/ 8، 33/ 294.
(4)
فوقها في (ل): (م 4).
(5)
رواه معمر في "الجامع" 11/ 351 (20729)، ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" 15/ 11 (4220).
(6)
"سنن ابن ماجه"(3958).
قال الخطابي: قد يحتج بهذا الحديث من يذهب إلى وجوب قطع النباش، ووجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى القبر بيتًا، فدل على أنه حرز كالبيوت التي يسرق منها (1)(بالوصيف) بكسر الصاد المهملة، وهو الخادم، يريد أن الناس يشتغلون عن دفع موتاهم، حتى لا يوجد فيهم من يحفر قبر الميت ويدفنه، إلا أن يعطي وصيفًا أو قيمته، ويجوز أن يكون معناه: أن المواضع تضيق عليهم، حتى إنهم يبتاعون لموتاهم القبور كل قبر بوصيف (قلت: اللَّه ورسوله أعلم، أو قال) أبو ذر: أفعل (ما خار) بالخاء المعجمة (اللَّه تعالى لي ورسوله) لفظ رواية البغوي يوضحه، ولفظه:"كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة موت يبلغ البيت العبد حتى إنه يباع القبر بالعبد" قال: قلت: اللَّه ورسوله أعلم (2).
لفظ المصنف: (ما خار اللَّه لي) أي: اختاره، فعل ما استخاره اللَّه تعالى ورسوله لي ورضياه، ثم (قال: عليك بالصبر) على الجوع، ولا تأكل حرامًا، إغراء، ذهب ابن عصفور إلى أن الباء زائدة في المبتدأ، والتقدير: فعليك بالصوم. فهو خبر لا أمر، ويؤخذ منه وجوب الصبر؛ لأن ذلك ظاهر هذِه الصيغة، ولم يدخل ابن مالك هذِه الصيغة في الإغراء، بل ذكره من أحكام اسم الفعل، فقال:
والفعل من أسمائه عليكا
…
وهكذا دونك مع إليكا (3)
(1)"معالم السنن" 4/ 314.
(2)
"شرح السنة" 15/ 11.
(3)
"الألفية"(ص 54).
إذا كان أصله الجار والمجرور أو الظرف، ومعنى: عليك الصبر. أي: الزمه وداوم عليه؛ لتستعين به على شرور الفتن، كما قال تعالى:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} (1)(أو قال: تصبر) على كثرة الفتن ما استطعت.
(ثم قال لي: يا أبا ذر. قلت: لبيك وسعديك) يا رسول اللَّه. ولابن ماجه زيادة، ولفظه: قال: "تصبر" قال: "كيف أنت وجوع يصيب الناس حتى تأتي مسجدك فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك، أو لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك؟ " قال: قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "عليك بالعفة"(2)(قال: كيف أنت) أي: كيف حالك (إذا رأيت أحجار الزيت قد عرقت بالدم؟ ) لفظ ابن ماجه: "كيف أنت وقتل يصيب الناس حتى تغرق أحجار الزيت بالدم"(3).
ورواية البغوي: "كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل يغمر بالدمماء أحجار الزيت"(4) أي: يسترها، و (عرقت) بفتح العين المهملة، وقاف بعد الراء.
قال القرطبي: عرقت لزمت، والعروق: اللزوم (5). والمعنى أن الدم لزم أحجار الزيت عند وقوع الفتن، كما يلزم العرق للجسم إذا حصل له مشقة وتعب.
(1) البقرة: 45.
(2)
"سنن ابن ماجه"(3958).
(3)
السابق.
(4)
"شرح السنة" 15/ 12.
(5)
"التذكرة"(ص 1135).
قال القرطبي: ويروى: غرقت أي: بالغين المعجمة (1). قلت: وله وجه، وهو أن الحجارة غرقت في الدم، كما يغمر الغريق الماء، وتعضده رواية البغوي:"يغمر بالدماء"(2) تغمر الدماء أحجار الزيت، وأحجار الزيت اسم موضع بالمدينة قريب من الزوراء، وهو موضع صلاة الاستسقاء.
وذكر عمر بن شبة في كتاب "المدينة" على ساكنها السلام: ثنا محمد ابن يحيى عن ابن أبي فديك قال: أدركت أحجار الزيت ثلاثة أحجار مواجهة بيت ابن أم كلاب، وهو اليوم يعرف ببيت بني أسد فَعَلَا الكنس الحجارة فاندفنت. قال: وحدثنا محمد بن يحيى قال: أخبرني أبو ضمرة الليثي، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد، عن هلال ابن طلحة الفهري أن حبيب بن مسلمة الفهري كتب إليه أن كعبًا سألني أن أكتب له إلى رجل من قومي عالم بالأرض قال: فلما قدم كعب جاءني بكتابه ذلك فقال: أعالم أنت بالأرض؟ قلت: نعم. وكانت أحجار بالزوراء يصفون عليها الزياتون رواياهم، فأقبلت حتى جئتها، فقلت: هذِه أحجار الزيت. فقال كعب: لا واللَّه ما هذِه صفتها في كتاب اللَّه، انطلق أمامي فإنك أهدى بالطريق مني. فانطلقنا حتى جئنا بني عبد الأشهل، فقال: يا بلال، إني أجد أحجار الزيت في كتاب اللَّه فاسأل القوم عنها وهم متوافرون. فسألهم عن أحجار الزيت وقال: إنها ستكون بالمدينة ملحمة (3).
(1)"التذكرة"(ص 1135).
(2)
"شرح السنة" 15/ 12.
(3)
"تاريخ المدينة المنورة" 1/ 307 - 308.
وقال بعضهم: قد وقعت هذِه الوقعة في أيام يزيد بن معاوية، توجه إليها مسلم بن عقبة المري في عسكر، ونزل مسلم بالحرة بالقرب من المدينة واستباح حرمتها، وقيل: وقتل رجالها ثلاثة أيام، وقيل: خمسة. ثم توجه إلى مكة فمات بالطريق.
(قلت) أختار (ما خار اللَّه لي ورسوله. قال: عليك بمن أنت منه) لفظ ابن ماجه: "الحق بمن أنت منه"(1). لفظ البغوي: "تأتي من أنت منه"(2). فلفظه خبر ومعناه الأمر، أي: انضم إلى الفئة التي أنت منها وإليها.
قلت: ويحتمل أن يراد: الزم تراب بيتك الذي خلقت منه، وبدل عليه قوله بعده:"تلزم بيتك (3) فلا تخرج منه"(قلت: يا رسول اللَّه، أفلا آخذ سيفي فأضعه على عاتقي؟ قال: شاركت القوم إذن) أي: إذا وضعت السيف على عاتقك فقد شاركت المحاربين في الفتن في إثمهم.
(قلت: فما تأمرني؟ قال: تلزم بيتك) لفظه خبر ومعناه الأمر، أي: الزم بيتك لتسلم، وإنما نهاه عن المحاربة؛ لأن أهل تلك الحرب كلهم مسلمون.
(قلت: فإن دخل) بضم الدال وكسر الخاء (عليَّ) في (بيتي؟ قال: فإن خشيت أن يبهرك) بفتح أوله وثالثه (شعاع السيف) أي: يغلبك صفوه وبريقه الباهر الشديد الإضاءة.
(1)"سنن ابن ماجه"(3958).
(2)
"شرح السنة" 15/ 12.
(3)
ساقطة من (م).
ومنه الحديث في وقت صلاة الضحى: "إذا بهرت الشمس الأرض"(1) أي: غلب الأرض نورها وضوؤها (فألق) بفتح الهمزة (ثوبك على وجهك) من شدة ضوئه (يبوء بإتمك وإثمه) هذا موافق لقوله تعالى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} (2) وهذا يؤيده ما تقدم في الحديث قبله: "كن كخير ابني آدم" فعن ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} أي: بإثم قتلي إلى إثمك الذي في عنقك قبل ذلك (3).
قال الطبري: الصواب (4) أن تأويله: إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي. ومعنى {وَإِثْمِكَ} فهو إثمه بغير قتله معصية اللَّه في أعمال سواه. قال: وإنما قلنا ذلك؛ لأن اللَّه أخبر أن كل عامل جزاء عمله عليه، وإن كان هذا حكمه في خلقه فغير جائز أن يكون آثام القاتل مأخوذًا بها القاتل. فإن قيل: كيف جاز أن يريد بذلك المقتول؟ فمعناه: إني أريد أن تبوء بإثم قتلي إن قتلتني لأني لا أقتلك، وهذا الحديث يدل على أن حكم هذِه الآية في زمن الفتنة حكم بني آدم (5).
ثم قال الطبري: في آيات قتل قابيل هابيل كلها مثل ضربه اللَّه لبني آدم، وحرض به المؤمنين من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على استعمال العفو
(1) ذكره ابن الأثير في "النهاية" 1/ 165 وغيره.
(2)
المائدة: 29.
(3)
رواه الطبري في "جامع البيان" 4/ 533 (11733).
(4)
ساقطة من (م).
(5)
"جامع البيان" 4/ 534.
والصفح عن اليهود الذين كانوا يهمون بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وضرب مثل اليهود في غدرهم ومثل المؤمنين في العفو عنهم بابني آدم المقربين قرابينهم الذين ذكرهم اللَّه، ثم مثل (1) لهم على التأسي بالفاضل منهما دون الطالح، وبذلك جاء الخبر عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: قلت لبكر بن عبد اللَّه: أما بلغك أن نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّه ضرب لكم ابني آدم مثلًا فخذوا خيرهما ودعوا شرهما" قالوا: بلى (2).
(قال) المصنف: (لم يذكر المشعث) بتشديد العين كما تقدم (في هذا الحديث غير حماد بن زيد) بن درهم الإمام الأزدي.
[4262]
(ثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا عفان (3) بن مسلم) الصفار الحافظ (ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم الأحول، عن أبي كبشة) قال أبو القاسم في "الإشراف": أظنه البراء بن قيس السكوني (4) البصري، مقبول.
(قال: سمعت أبا موسى الأشعري رضي الله عنه يقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إن بين أيديكم فتنًا كقطع الليل المظلم) فيه ما تقدم.
(يصبح الرجل) أو المرأة (فيها مؤمنًا) ثابت الإيمان (ويمسي) وقد
(1) بعدها في (ل): ذلك.
(2)
"جامع البيان" 4/ 540.
(3)
فوقها في (ل): (ح).
(4)
انظر: "تحفة الأشراف" 6/ 473.
صار من الفتن التي شاهدها (كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا) يشبه أن يكون سمى من أصبح مؤمنًا بانسحاب الإيمان المتقدم، أو أنه يصبح يجدد إيمانه بذكر الشهادتين أول نهاره، وحمله على هذا هو الحقيقة، والأول مجاز.
(القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي) إليها بإسراع (قالوا: فما تأمرنا يا رسول اللَّه؟ قال: كونوا أحلاس بيوتكم) أي: لازموا بيوتكم وانضموا إليه كما ينضم الحلس ويلازم ظهر البعير.
وأمره صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث والذي قبله وتسليم النفس للقتل كابن آدم، قال طائفة: هذا عند اجتماع الفتن؛ فإن النهوض فيها غير جائز لقتالهم المسلمين لغير تأويل صحيح. قالوا: وعليه أن يستسلم للقتل إن أريدت نفسه ولا يدفع عنها، وحملوا الأحاديث على ظواهرها، وربما احتجوا من جهة النظر بأن كل فريق من المقتتلين في الفتنة يقاتل على تأويل، وإن كان في الحقيقة خطأ فهو عند نفسه محق وغير جائز لأحد قتله، وسبيله سبيل حاكم من المسلمين يقضي بقضاء مما اختلف فيه العلماء على ما يراه صوابًا، فغير جائز لغيره من الحكام نقضه إذا لم يخالف بقضائه ذلك كتابًا ولا سنة ولا جماعة، فكذلك المقتتلون في الفتنة، كل حزب منهم عند نفسه محق، فغير جائز قتالهم، وإن قصدوا القتل فغير جائز دفعهم.
وعلى هذا عمران بن حصين وابن عمر، وقد روي عنهما وعن غيرهما منهم: عبيدة السلماني أن من اعتزل الفريقين ودخل بيته فأتى
من يريد قتله فعليه دفعه عن نفسه؛ لقوله عليه السلام: "من أريدت نفسه وماله فقتل فهو شهيد" قالوا: فالواجب على من أريدت نفسه وماله ظلمًا دفع ذلك (1) مهما وجد سبيلًا إلى ذلك، قال القرطبي: وهذا هو الصحيح من القولين إن شاء اللَّه تعالى (2).
[4263]
(ثنا إبراهيم بن الحسن المصيصي) بكسر الميم، نسبة إلى المصيصة بلدة على ساحل البحر بالشام، ينسب إليها جماعة، منهم: نصر اللَّه بن عبد القوي، ولد باللاذقية، ونشأ بالمصيصة، ثم انتقل إلى صور، وإبراهيم ثقة ثبت (ثنا حجاج بن محمد) الأعور الحافظ (ثنا الليث بن سعد قال: حدثني معاوية بن صالح) الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، أخرج له مسلم.
([أن عبد الرحمن بن جبير) الحضرمي، أخرج له مسلم] (3)(حدثه عن أبيه) جبير بن نفير بنون وفاء، مصغر، ابن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، أخرج له الشيخان (عن المقداد بن) عمرو بن ثعلبة الكندي، تبناه (الأسود) بن عبد يغوث؛ فنسب إليه (وايم اللَّه) قسم جمع يمين (لقد سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: إن السعيد) كل السعيد (لمن جنب) بضم الجيم، وكسر النون المشددة (الفتن) أي: تجنبها وتباعد عنها ولزم بيته، كما تقدم.
(إن السعيد لمن تجنب الفتن وإن السعيد لمن تجنب الفتن) كرره ثلاثًا
(1) ساقطة من (م).
(2)
"التذكرة"(ص 1137 - 1138).
(3)
ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
مبالغة في التأكيد على التباعد عن الفتن واعتزال فرقها، كما تقدم (و) إن (لمن ابتلي) اللام المفتوحة جواب القسم، و (من) بفتح الميم شرطية، و (ابتلي) في موضع جزم بها (فصبر) معطوف عليه، أي: من وقع في الفتنة وصبر على ظلم الناس له ولغيره واحتمل أذاهم ولم يحاربهم ولا دافع عن نفسه حتى قتل (فواهًا) الفاء جواب الشرط، و (واهًا) بالتنوين اسم فعل، أي: فطوبى له بما حصل له من الأجر، قال في "النهاية": قيل: معنى هذِه الكلمة: التلهف، وقد يوضع موضع الإعجاب بالشيء، يقال: واهًا له. وقد ترد بمعنى التوجع، يقال فيه: آهًا. يعني بهمزة وتنوين (هًا)، ومنه حديث أبي الدرداء: ما أنكرتم من زمانكم فبما غيرتم من أعمالكم، إن يكن خيرًا فواهًا واهًا، وإن يكن شرًّا فآهًا آهًا (1). والألف فيها غير مهموزة (2).
* * *
(1) رواه الطبراني في "معجم الشاميين" 1/ 38 (26)، وأبو نعيم في "الحلية" 5/ 249. قال الهيثمي في "المجمع" 10/ 231: رواه الطبراني وإسناده حسن.
(2)
"النهاية" 5/ 144.