الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي حديث علي رضي الله عنه: "كان إذا نزل به إحدى المبهمات" أي المسائل المشكلة. وفي حديث ابن عباسٍ وقد سئل عن قوله تعالى:} وحلائل أبنائكم {[النساء: 23] ولم يبين أدخل بها الابن أم لا، فقال:"أبهموا ما أبهم الله".
قال الهروي: سمعت الأزهري يقول: رأيت كثيرًا من أهل العلم يذهبون بهذا إلى إبهام الأمر واستبهامه، وهو إشكاله، وهو غلط. وقوله تعالى:} حرمت عليكم أمهاتكم {إلى قوله:} وبنات الأخت {[النساء: 23] هذا كله يسمى التحريم المبهم لأنه لا يحل بوجهٍ، كالبهيم من ألوان الخيل الذي لا شية فيه تخالف معظم لونه. ولما سئل ابن عباسٍ عن قوله عز وجل} وأمهات نسائكم {[النساء: 23] ولم يبين الله الدخول بهن، أجاب فقال: هذا من مبهم التحريم الذي لا وجه فيه غير التحريم سواء دخلتم بالنساء أو لم تدخلوا بهن، فأمهات نسائكم حرمن عليكم من جميع الجهات.
وأما قوله تعالى:} وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن {[النساء: 23]. قال ثابت: ليس هذا من البهمة لأن لهن وجهين أحللن في أحدهما وحرمن في الآخر. فإذا دخل بأمهات الربائب حرمن، وإذا لم يدخل لم يحرمن، فهذا تفسير المبهم الذي أراد ابن عباسٍ فافهم.
فصل الباء والواو
ب وأ:
قوله تعالى:} ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدقٍ {[يونس: 93] أي أنزلناهم منزلا صالحًا. والمبوأ: المنزل الذي يلزمه نازله. فأصله من البواء وهو اللزوم. يقال: أبا الإمام فلانًا بفلانٍ أي ألزمه دمه وقتله به. وفلان بواء لفلان إذا كان كفالًة في القتل من ذلك. وفي دعائه عليه السلام: "أبوء بنعمتك علي" أي أقر بها وألزمها نفسي.
وقوله تعالى: {تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} [آل عمران: 121] أي تنزلهم منازل الحرب ميمنًة وميسرًة وقلبًا وكمينًا وطلائع. وقوله تعالى:} نتبوأ من الجنة {[الزمر: 74] أي نتخذ منها منازل. وقوله:} تبوءوا الدار {[الحشر: 9] أي نزلوها ولزموها واعتقدوا الأيمان، أو جعلوا الإيمان متبوًأ مجازًا.
وقوله:} فباؤوا بغضبٍ {[البقرة: 90] أي رجعوا به ولزموه. وقوله: "فباء به أحدهما" أي لزمه ورجع به. والباء والباءة: النكاح، وفي الحديث:"من استطاع منكم الباءة فليتزوج" وفي آخر: "عليكم بالباءة"، قيل: أراد عقد النكاح. وقيل: أراد الجماع، وأصله مما تقدم، وهو أن الباء والباءة اسم للمكان المتبوأ. وكل من تزوج امرأةٌ لابد أن ينزلها في مكان ويبوئها إياه، فجعل ذلك كنايًة عما ذكرنا لملازمته له. وهذا كما قدمناه في قولهم: بنى بامرأته وبنى على امرأته.
وفي الحديث: "الجراحات بواء" أي متساوية في لزوم المماثلة، وذلك أنه لا يجرح غير الجارح، ولا يؤخذ منه أكثر من جنايته، فذلك معنى اللزوم فيها. وقيل: أصل البواء مساواة الأجزاء في المكان عسك التبوء الذي هو منافاة الأجزاء. ومكان بواء أي غير باءٍ. وكان عليه الصلاة والسلام "يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله". وعنه عليه الصلاة والسلام: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". وبوأت الرمح: هيأت له مكانًا ثم قصدت به الطعن. وقال الراغي في صفة الإبل: [من الطويل]
204 -
لها أمرها حتى إذا ما تبوأت
…
بأخفافها مأوى تبوأ مضجعا
يريد أن الراعي يتركها حتى إذا وجدت مكانًا صالحًا للرعي تبوأ الراعي مكانًا
لاضطجاعه. وقوله {وباؤوا بغضبٍ} [البقرة: 61] أي حلوا متبوًأ، ومعهم غضب، فالباء حالية لا متعدية، فليست كالتي في مررت بزيدٍ. وفي ذلك تنبيه حسن، وهو أن المكان الذي فيه موافقة لنزولهم صحبهم فيه غضب الله، وهو عقابه، فكيف بغيره من الأمكنة؟ وذلك يجري مجرى قوله تعالى:} فبشرهم بعذابٍ أليمٍ {[آل عمران: 21]. يقول الشاعر: [من الوافر]
205 -
تحية بينهم ضرب وجيع
أي إن كان لهم بشارة فبالعذاب، وإن كان ثم تحية فهو الضرب. قوله:} إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك {[المائدة: 29] أي تقيم بهذه الحال، ومنه:[من الكامل]
206 -
أنكرت باطلها وبؤت بحقها
قال الراغب: وقول من قال: أقررت بحقها فليس تفسيره بحسب مقتضى اللفظ. قلت: وكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: "أبوء بنعمتك علي". وعن خلفٍ الأحمر أنه قال: في قولهم. حياك الله وبياك الله، أي زوجك، من الباه. وأصله: وبوأك أي جعل لك مبوًأ، فقلبت الواو بالازدواج، كما قالوا: الغدايا والعشايا، قاله الراغب.
ب وب:
الباب: مدخل الشيء، ومنه باب الدار. والباب أيضًا: ما يتوصل منه إلى غيره.
ومنه تقول: هل هذا باب كذا؟ أي الذي يتوصل منه إلى معرفة ما عقد له من الكلام. وهذا باب لكذا أي طريقه، ويطلق ويراد به السبب الموصل إلى ذلك، والعلة الحاملة عليه. فيقال: الصلاة والصوم والزكاة والحجج وأفعال البر كلها أبواب الجنة. والزنا والسرقة وأفعال الفجور كلها أبواب جهنم. لأن هذه أسباب جعلها الله تعالى موصلًة إلى ذلك إن شاء.
وقال عليه الصلاة والسلام في حق ابن عمه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: "أنا مدينة العلم وعلي بابها"، وذلك لما أخذ عنه وأودعه إياه لاسيما من علوم القرآن. وما أحسن هاتين الكنايتين حيث شبه نفسه الزكية بمدينةٍ ملأى علمًا، وجعل عليًا موصولاً به إليها. ولذا الأمر ما علم علي بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا مثل نسبة باب المدينة إليها. فأين الباب من المدينة؟ هذا مع ما علم وشهر من غزارة علم علي وتزايده.
ويجمع على أبواب. قال تعالى:} فكانت أبوايًا {[النبأ: 19]،} لها سبعة أبوابٍ {[الحجر: 44]،} وفتحت أبوابها {[الزمر: 73] ويصغر على بويبٍ. ويجمع على أبويةٍ، ولم يثبت. قال: ولاج أبوبةٍ. ويقال: بوبت الأشياء، أي جعلت لها أبوابًا تخصها. هذا من بابة كذا أي مما يصلح له، ويجمع على باباتٍ. قال الخليل: بابة في الحدود. بوبت بابًا: عملت. وأبواب مبوبة. والبواب: حافظ الباب. وتبوبت: اتخذت بوابًا.
ب ور:
البوار: الهلاك. ومنه:} وأحلوا قومهم دار البوار {[إبراهيم: 28] أي الهلاك. وكنتم قومًا بورًا {[الفتح: 12] أي هلكى. وأصل ذلك من البوار وهو فرط الكساد، وذلك أنه لما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كقولهم: كسد حتى فسد، عبر به عن