الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالْحَاصِل: أَن الْعَام المشافه فِيهِ بِحكم لَا خلاف فِي شُمُوله لُغَة للمشافهين وَفِي غَيرهم حكما، وَكَذَا الْخلاف فِي غَيرهم: هَل الحكم شَامِل لَهُم باللغة، أَو بِدَلِيل آخر؟
ذهب جمع من الْحَنَابِلَة وَالْحَنَفِيَّة إِلَى أَنه من اللَّفْظ، أَي: اللّغَوِيّ.
وَذهب الْأَكْثَر إِلَى أَنه بِدَلِيل آخر، وَذَلِكَ مِمَّا علم من عُمُوم دينه صلى الله عليه وسلم َ - بِالضَّرُورَةِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى:{لأنذركم بِهِ وَمن بلغ} [الْأَنْعَام: 19]، وَقَوله صلى الله عليه وسلم َ -:" بعث إِلَى النَّاس كَافَّة " قَالَ: وَهَذَا معنى قَول كثير كَابْن الْحَاجِب: إِن مثل {يَا أَيهَا النَّاس} لَيْسَ خطابا لمن بعدهمْ، أَي: من بعد المواجهين وَإِنَّمَا ثَبت الحكم بِدَلِيل آخر من إِجْمَاع أَو نَص، أَو قِيَاس.
وَاسْتَدَلُّوا: بِأَنَّهُ لَا يُقَال للمعدومين: {يَا أَيهَا النَّاس} .
وَأَجَابُوا عَمَّا اسْتدلَّ بِهِ الْخصم بِأَنَّهُ لَو لم يكن المعدومون مخاطبين بذلك لم يكن النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ -
مُرْسلا إِلَيْهِم، بِأَنَّهُ لَا يتَعَيَّن الْخطاب الشفاهي فِي الْإِرْسَال، بل مُطلق الْخطاب كَاف، وَالله أعلم
.
قَوْله: {أَكثر أَصْحَابنَا، وَبَعض الشَّافِعِيَّة، وَغَيرهم: الْمُتَكَلّم دَاخل فِي عُمُوم كَلَامه مُطلقًا} ، أَي: سَوَاء كَانَ خَبرا أَو إنْشَاء، أَو أمرا، أَو نهيا {إِن صلح} ، نَحْو:{وَالله بِكُل شَيْء عليم} [الْبَقَرَة: 282] إِذا قُلْنَا بِصِحَّة إِطْلَاق شَيْء عَلَيْهِ، وَقَول السَّيِّد لعَبْدِهِ: من أحسن إِلَيْك فَأكْرمه، أَو فَلَا تهنه. ذكره الْآمِدِيّ عَن الْأَكْثَر.
وَلِأَن اللَّفْظ عَام، وَلَا مَانع من الدُّخُول، وَالْأَصْل عَدمه.
{وَعنهُ} : لَا يدْخل إِلَّا {بِدَلِيل} .
{وَقيل: لَا} يدْخل مُطلقًا.
{و} قَالَ {أَبُو الْخطاب وَالْأَكْثَر: لَا فِي الْأَمر} وَالنَّهْي {وَهُوَ أَكثر كَلَام القَاضِي، وَهُوَ أظهر} .
خرج بقولنَا: (إِن صلح) يَعْنِي أَن يكون اللَّفْظ صَالحا لَهُ أَي: لدُخُوله فِيهِ، مَا إِذا كَانَ بِلَفْظ المخاطبة، نَحْو:" إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ ".
وَقَوْلنَا: (مُطلقًا) ليشْمل الْخَبَر والإنشاء وَالْأَمر وَالنَّهْي.
وَعَزاهُ فِي " الْمَحْصُول " إِلَى الْأَكْثَر.
وَالْقَوْل الثَّانِي: لَا يدْخل إِلَّا بِدَلِيل، وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد، حَكَاهَا التَّمِيمِي عَنهُ، فَقَالَ: وَعَن أَحْمد لَا يدْخل الْآمِر فِي الْأَمر إِلَّا بِدَلِيل، وَاخْتلف أَصْحَابه.
وَالْقَوْل الثَّالِث: لَا يدْخل مُطلقًا، قَالَ الْبرمَاوِيّ: وَقد سبق فِي بَاب الْأَوَامِر والنواهي أَن مُقْتَضى كَلَام الرَّافِعِيّ، وَالنَّوَوِيّ فِي مسَائِل من الطَّلَاق أَن الْمُتَكَلّم لَا يدْخل فِي عُمُوم كَلَامه وَلَو كَانَ غير آمُر وناه على الْأَصَح. انْتهى.
وَمن الْمسَائِل الْمُتَعَلّقَة بِهَذَا: الْوَقْف على الْفُقَرَاء ثمَّ صَار فَقِيرا، هَل يجوز لَهُ الْأَخْذ، أم لَا؟ وَالصَّحِيح من مَذْهَبنَا جَوَاز الْأَخْذ، وَقيل: لَا يجوز لَهُ الْأَخْذ؛ لِأَن مُطلق الْوَقْف ينْصَرف إِلَى غير الْوَاقِف.
وَالْقَوْل الرَّابِع: لَا يدْخل فِي الْأَمر وَالنَّهْي، وَيدخل فِي غَيرهمَا.
اخْتَارَهُ أَبُو الْخطاب، وَأكْثر الْفُقَهَاء والمتكلمين، وَهُوَ أَكثر كَلَام القَاضِي أَبُو يعلى، وَهُوَ أظهر.
وَفرق أَبُو الْخطاب بَينهمَا بِأَن الْأَمر استدعاء الْفِعْل على جِهَة الاستعلاء، فَلَو دخل الْمُتَكَلّم تَحت مَا يَأْمر بِهِ غَيره لَكَانَ مستدعيا من نَفسه