الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(قَوْله: {فصل} )
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": إِذا أطلق الْأَمر، كَقَوْلِه لوَكِيله: بِعْ كَذَا، فَعِنْدَ أَصْحَابنَا تنَاول البيع بِغَبن فَاحش وَاعْتبر ثمن الْمثل للْعُرْف وَالِاحْتِيَاط للْمُوكل.
وَفرقُوا أَيْضا بَينه وَبَين أمره عليه الصلاة والسلام فِي اعْتِبَار إِطْلَاقه بالتعدية بتعليله بِخِلَاف الْمُوكل، ثمَّ هَل يَصح العقد وَيضمن الْوَكِيل النَّقْص أم لَا، كَقَوْل الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد، {وَعند الْحَنَفِيَّة لَا يعْتَبر ثمن الْمثل واعتبروه فِي} الْوَكِيل فِي {الشِّرَاء.
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا، وَبَعض الشَّافِعِيَّة: الْأَمر بالماهية الْكُلية إِذا
أَتَى بمسماها امتثل، وَلم يتَنَاوَل اللَّفْظ الجزئيات وَلم ينفها، فَهِيَ مِمَّا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ. وَجَبت عقلا لَا قصدا} .
أَي: بِالْقَصْدِ الأول، بل بِالثَّانِي.
وَاخْتَارَ صَاحب " الْمَحْصُول " أَن {الْمَطْلُوب بِالْأَمر} نفس {الْمَاهِيّة الْكُلية فَالْأَمْر بِالْبيعِ لَيْسَ أمرا بِغَبن فَاحش، وَلَا ثمن الْمثل} ؛ لتَعَلُّقه بِقدر مُشْتَرك، وَهُوَ غير مُسْتَلْزم لكل مِنْهُمَا، وَالْأَمر بالأعم لَيْسَ أمرا بالأخص، وَأَنه لَا يمتثل إِلَّا بِالْأَمر بِمعين.
وَذكر بَعضهم الِاتِّفَاق على بُطْلَانه، {وَقَالَ الْآمِدِيّ، وَغَيره: الْمَطْلُوب فعل مُمكن مُطَابق للماهية الْمُشْتَركَة} ، وَأَنه لَو سلم تعلقه بِقدر مُشْتَرك فَأتى بِبَعْض الجزئيات فقد أَتَى بمسماه.
وَجه هَذَا أَن مَاهِيَّة الْفِعْل الْمُطلق كلي؛ لاشْتِرَاكهمَا بَين كثيرين فيستحيل وجودهَا خَارِجا وَإِلَّا لتشخص، فَيكون كليا وجزئيا مَعًا، وَهُوَ محَال فَلم يكن مَطْلُوبا بِالْأَمر وَإِلَّا لَكَانَ تكليفا بالمحال.
رد: الْمَاهِيّة بِشَرْط عدم التشخيص وَيُسمى الْمُجَرّد، وبشرط لَا شَيْء، لَا تُوجد خَارِجا.
قَالَ بعض أَصْحَابنَا، وَغَيرهم: وَلَا ذهنا، وبشرط عدم التَّقْيِيد الْخَارِجِي تُوجد ذهنا، وَمن حَيْثُ هِيَ من غير اعْتِبَار تشخيص أَولا يُسمى الْمُطلق والماهية
لَا بِشَرْط شَيْء يُوجد خَارِجا جُزْء المشخص، فَمن حَيْثُ هِيَ لَا تَقْتَضِي وحدة، وَلَو اقْتَضَت تعددا امْتنع عرُوض التشخيص لَهَا، وَلِهَذَا قيل: لكل شَيْء حَقِيقَة هُوَ بهَا، هُوَ: فَمَا دلّ عَلَيْهِ الْمُطلق، وَعَلَيْهَا مَعَ وحدة مُعينَة الْمعرفَة، وَإِلَّا فالنكرة وَعَلَيْهَا مَعَ وحدات مَعْدُودَة الْعدَد، وَمَعَ كل جزئياتها الْعَام.
وَجه الثَّانِي: الْفِعْل مُطلق والجزئي مُقَيّد بالمشخص فَلَيْسَ بمطلوب، فالمطلوب الْفِعْل الْمُشْتَرك.
رد باستحالته بِمَا سبق.
ورد: الْمَاهِيّة بِقَيْد الِاشْتِرَاك لَيست مَطْلُوبَة من حَيْثُ معروضة لَهُ، وَهِي مَوْجُودَة خَارِجا، انْتهى كَلَام ابْن مُفْلِح.
لما ذكر ابْن قَاضِي الْجَبَل الْمَسْأَلَة، وَذكر نَص مَا ذكره ابْن مُفْلِح، قَالَ بعد ذَلِك: تَنْبِيه، هَذَا فَرد من قَاعِدَة عَامَّة، وَهِي الدَّال على الْأَعَمّ غير دَال على الْأَخَص، فَإِذا قُلْنَا: جسم، لَا يفهم أَنه نَام، وَإِذا قُلْنَا: نَام، لَا يفهم أَنه حَيَوَان، وَإِذا قُلْنَا: حَيَوَان، لَا يفهم أَنه إِنْسَان، وَإِذا قُلْنَا: إِنْسَان لَا يفهم أَنه زيد، فَإِن قُلْنَا: إِن الْكُلِّي قد يخص نَوعه فِي شخصه: كانحصار الشَّمْس فِي فَرد مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْقَمَر، وَكَذَلِكَ جَمِيع مُلُوك الأقاليم وقضاة الْأُصُول تَنْحَصِر أنواعهم فِي أشخاصهم، فَإِذا قلت: صَاحب مصر، إِنَّمَا ينْصَرف الذِّهْن إِلَى الْملك الْحَاضِر فِي وَقت الصِّيغَة، فَيكون الْآمِر
بِتِلْكَ الْمَاهِيّة يتَنَاوَل الجزئي فِي جَمِيع هَذِه الصُّور، قلت: لم يَأْتِ ذَلِك من قبل اللَّفْظ، بل من جِهَة أَن الْوَاقِع كَذَلِك.
ومقصود الْمَسْأَلَة إِنَّمَا هُوَ دلَالَة اللَّفْظ من حَيْثُ هُوَ لفظ.
انْتهى كَلَام ابْن قَاضِي الْجَبَل.
قَوْله: فصل {الْأَمْرَانِ المتعاقبان بِلَا عطف إِن اخْتلفَا عمل بهما إِجْمَاعًا} ، كَقَوْلِك: صل، صم، زك، حج، وَنَحْوهَا على الِاخْتِلَاف فِي مُقْتَضى الْأَمر، كَمَا سبق.
قَوْله: {وَإِن تماثلا وَلم يقبل تَكْرَارا} ، كصم يَوْم الْجُمُعَة، صم يَوْم الْجُمُعَة، واقتل زيدا، اقْتُل زيدا، واعتق سالما، اعْتِقْ سالما، واجلد الزناة، اجلد الزناة، وَنَحْوه:{أَو قبل} التّكْرَار {ومنعت الْعَادة} مِنْهُ، كاسقني مَاء، اسْقِنِي مَاء، {أَو} كَانَ {الثَّانِي مُعَرفا} يَعْنِي يقبل التّكْرَار، وَلَكِن الثَّانِي معرف، كصل رَكْعَتَيْنِ، صل الرَّكْعَتَيْنِ، أَو كَانَ بَين الْآمِر والمأمور عهد ذهني يَعْنِي إِذا قبل التّكْرَار، وَلَكِن بَين الْأَمر والمأمور عهد ذهني يمْنَع التّكْرَار - قَالَه الْبرمَاوِيّ - {فَالثَّانِي مُؤَكد} للْأولِ {إِجْمَاعًا} .
قَوْله: {وَإِن لم تمنع} الْعَادة، {وَلم يتعرف} وَلَا كَانَ بَينهمَا عهد ذهني، {كصم صم} ، صل صل، أَو أعْط زيدا درهما، أعْط زيدا درهما وَنَحْو ذَلِك، {فَالثَّانِي تأسيس} لَا تَأْكِيد {عِنْد القَاضِي وَابْن عقيل، وَغَيرهمَا} ، وَذكره القَاضِي وَغَيره عَن الْحَنَفِيَّة.
وَقَالَهُ أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد " فِي مَسْأَلَة الْمُطلق والمقيد كبعد امْتِثَال الأول، {قَالَ أَبُو الْمجد: وَهُوَ الْأَشْبَه بمذهبنا} كَقَوْلِنَا فِيمَن قَالَ لزوجته: أَنْت طَالِق، أَنْت طَالِق، تلْزمهُ طَلْقَتَانِ.
وَذكره ابْن برهَان عَن الْفُقَهَاء قاطبة، وَقَالَهُ عبد الْجَبَّار والجبائي، وَابْن الباقلاني، والآمدي، وَغَيرهم؛ لِأَن الأَصْل
التأسيس.
وَقَالَ أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد ": الثَّانِي تَأْكِيد لَا تأسيس؛ لِئَلَّا يجب فعل بِالشَّكِّ وَلَا تَرْجِيح.
وَمنع أَن تغاير اللَّفْظ يُفِيد تغاير الْمَعْنى، ثمَّ سلمه والتأكيد فَائِدَة، قَالَ ابْن مُفْلِح، كَذَا قَالَ.
وَقَالَهُ الْمُوفق فِي " الرَّوْضَة "، وَاحْتج بِالْيَمِينِ وَالنّذر.
وَقَالَ ابْن مُفْلِح: كَذَا قَالَ، وَذكر أَبُو مُحَمَّد التَّمِيمِي عَن أَحْمد الثَّانِي تَأْكِيد، وَاخْتلف أَصْحَابه.
وللشافعية كالقولين وَقَول ثَالِث بِالْوَقْفِ، وَقَالَهُ ابْن فورك، وَأَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ وَهُوَ الصَّحِيح عَن الباقلاني؛ لمُخَالفَته الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة، فَلَا يحمل على التَّأْكِيد وَلَا على التّكْرَار إِلَّا بِدَلِيل.
وعورض: يلْزم من الْوَقْف مُخَالفَة مُقْتَضى الْأَمر، فَيسلم التَّرْجِيح بالتأسيس.
قَوْله: {وَإِن كَانَ الثَّانِي مَعْطُوفًا وَاخْتلفَا عمل بهما} ، مَا تقدم من الْأَحْكَام، والتقاسيم فِيمَا إِذا كَانَ الْأَمْرَانِ بِلَا عطف.
وَمَا ذكر هُنَا إِذا كَانَ مَعْطُوفًا على الأول وَاخْتلفَا عمل بهما، كصل، وصم، وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة، وَنَحْوهمَا.
{وَإِن تماثلا وَلم يقبل تَكْرَارا} إِذا تماثلا، فَتَارَة يقبل الْعَطف التّكْرَار وَتارَة لَا يقبل، فَإِن لم يقبل التّكْرَار - وَهِي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة فِي الْكتاب - فَتَارَة لَا يقبله حسا، كاقتل زيدا واقتل زيدا، وَتارَة لَا يقبله حكما: كأعتق سالما، وَأعْتق سالما، فَهُوَ تَأْكِيد بِلَا خلاف.
{وَإِن قبل} التّكْرَار {وَلم تمنع عَادَة وَلَا الثَّانِي معرف فالأقوال الثَّلَاثَة} الْمُتَقَدّمَة تَأتي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة.
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": مَعَ تَرْجِيح آخر وَهُوَ الْعَطف، انْتهى.
قَوْله: {وَإِن منعت عَادَة تَعَارضا والأقوال الثَّلَاثَة} فِيهَا.
{وَجزم الشَّيْخ} تَقِيّ الدّين هُنَا {بالتكرار} .