الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(قَوْله: {فصل} )
{أَصْحَابنَا وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَغَيرهم: الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه معنى لَا لفظا} ، أَي: من جِهَة الْمَعْنى لَا من جِهَة اللَّفْظ.
وَقَالَهُ الكعبي، وَأَبُو الْحُسَيْن المعتزلي، وَذكره أَبُو الْخطاب عَن الْفُقَهَاء، قَالَ القَاضِي وَغَيره: بِنَاء على أصلنَا أَن مُطلق الْأَمر الْفَوْر، وَعند الْمُعْتَزلَة لَيْسَ نهيا عَن ضِدّه بِنَاء على أصلهم فِي اعْتِبَار إِرَادَة الناهي وَلَيْسَت مَعْلُومَة، وَقطع بِهِ النَّوَوِيّ فِي " الرَّوْضَة " فِي كتاب الطَّلَاق؛
لِأَن الْقَائِل: (اسكن) قد يكون غافلا عَن ضد السّكُون وَهُوَ الْحَرَكَة فَلَيْسَ عينه، وَلَا يتضمنه.
وَعند الأشعرية: الْأَمر معنى فِي النَّفس.
فَقَالَ بَعضهم: {هُوَ عين النَّهْي عَن ضِدّه الوجودي} ، وَهُوَ قَول الْأَشْعَرِيّ وَالْأَكْثَر.
قَالَ أَبُو حَامِد: بنى الْأَشْعَرِيّ ذَلِك على أَن الْأَمر لَا صِيغَة لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ معنى قَائِم بِالنَّفسِ، فَالْأَمْر عِنْدهم هُوَ نفس النَّهْي من هَذَا الْوَجْه فاتصافه بِكَوْنِهِ أمرا ونهيا كاتصاف الْكَوْن الْوَاحِد بِكَوْنِهِ قَرِيبا من شَيْء بَعيدا من شَيْء.
{و} قَالَ {ابْن الصّباغ، وَأَبُو الطّيب والشيرازي:} إِنَّه لَيْسَ عين النَّهْي، وَلكنه يتضمنه {ويستلزمه} من طَرِيق الْمَعْنى.
وَنقل عَن أَكثر أَصْحَابهم، وَأكْثر الْفُقَهَاء، وَاخْتَارَهُ الباقلاني آخرا، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ إِلَّا أَن نقُول بتكليف الْمحَال.
وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ: هُوَ مَذْهَب عَامَّة الْفُقَهَاء، وَنَقله عبد الْوَهَّاب عَن أَصْحَاب الشَّافِعِي، قَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَب أَصْحَابنَا وَإِن لم يصرحوا بِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي، وَالْغَزالِيّ، والكيا: إِنَّه لَيْسَ عين النَّهْي عَن ضِدّه وَلَا يَقْتَضِيهِ.
{و} للْقَاضِي أبي بكر {الباقلاني} الْأَقْوَال {الثَّلَاثَة} الْمُتَقَدّمَة.
{وَعند بعض الْحَنَفِيَّة يسْتَلْزم كَرَاهَة ضِدّه، و} عِنْد {الرَّازِيّ} فِي " الْمَحْصُول "{الْكَرَاهَة} ؛ لِأَن النَّهْي لما لم يكن مَقْصُودا سمي اقْتِضَاء؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ وَأثبت بِهِ أقل مَا أثبت بِالنَّهْي وَهُوَ الْكَرَاهَة.
تَنْبِيه: قَوْلنَا: الوجودي هُوَ قيد فِي الْمَسْأَلَة؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ هُوَ من لَوَازِم نقيض الشَّيْء الْمَأْمُور، كالأمر بالحركة هَل هِيَ نهي عَن نفس السّكُون الَّذِي هُوَ ضد لَهَا أم لَا؟
فَإِن لم يكن لَهُ إِلَّا ضد وَاحِد فَالْخِلَاف فِي النَّهْي عَنهُ: كَصَوْم يَوْم الْعِيد الْأَمر بِالْفطرِ فِيهِ نهي عَن ضِدّه وَهُوَ الصَّوْم.
وَمثله الْأَمر بِالْإِيمَان نهي عَن الْكفْر، وَإِن كَانَ لَهُ أضداد كالأمر بِالْقيامِ فَإِن لَهُ أضداد من قعُود وركوع وَسُجُود وَنَحْوهَا، فَفِي النَّهْي عَنهُ إِذا قُلْنَا نهي عَن ضِدّه أَو يستلزمه هَل المُرَاد جَمِيع الأضداد، أَو وَاحِد مِنْهَا لَا بِعَيْنِه؟ - فِيهِ خلاف - انْتهى.
وَجه القَوْل الأول فِي أصل الْمَسْأَلَة - وَهُوَ الصَّحِيح - أَمر الْإِيجَاب طلب فعل يذم تَاركه إِجْمَاعًا، وَلَا ذمّ إِلَّا على فعل وَهُوَ والكف عَنهُ أَو الضِّدّ، فيستلزم النَّهْي عَن ضِدّه، أَو النَّهْي عَن الْكَفّ عَنهُ.
رد: مَبْنِيّ على أَن الْأَمر يدل على الذَّم، لَا بِدَلِيل خارجي، وَإِن سلم فالذم على أَنه لم يفعل، لَا على فعل بِنَاء على أَن الْعَدَم مَقْدُور، وَإِن سلم فالنهي طلب كف عَن فعل لَا عَن كف، وَإِلَّا لزم تصور الْكَفّ عَن الْكَفّ لكل آمُر، وَالْوَاقِع خِلَافه.
وَفِيه نظر وَمنع؛ وَلِأَنَّهُ لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بترك ضِدّه فَيكون مَطْلُوبا،
وَهُوَ معنى النَّهْي، وسبقت الْمَسْأَلَة.
وَاحْتج ابْن عقيل بِأَن عِنْد الْمُعْتَزلَة يَقْتَضِي الْأَمر إِرَادَة الْمَأْمُور بِهِ وَحسنه، فبتركه يَقْتَضِي ضدهما كَرَاهَته وقبحه وهما مقتضيان حظره.
وَلِأَن الْأَمر غير النَّهْي؛ لتغاير الصيغتين وَالْمعْنَى النَّفْسِيّ الْقَدِيم غير مُتحد، وَإِن اتَّحد فَإِنَّهُ يخْتَلف بتعلقه ومتعلقه فهما غيران؛ لتَعَدد الْحَادِث.
الْقَائِل: الْأَمر عين النَّهْي لَو لم يكن لَكَانَ ضدا أَو مثلا أَو خلافًا؛ لِأَنَّهُمَا إِن تَسَاويا فِي الذاتيات واللوازم فمثلان، وَإِلَّا فَإِن تنافيا بأنفسهما فضدان، وَإِلَّا فخلافان، وَلَيْسَ هُوَ بالأولين وَإِلَّا لما اجْتمعَا، وَلَا الثَّالِث وَإِلَّا فَجَاز أَحدهمَا مَعَ ضد الآخر، وَمَعَ خلاف الآخر؛ لِأَنَّهُ حكم الخلافين فالعلم والإرادة خلافان: يُوجد الْعلم مَعَ الْكَرَاهَة وَهِي ضد الْإِرَادَة وَخلاف الْمحبَّة، وتوجد الْإِرَادَة مَعَ الْجَهْل، والسخاء ضد الْعلم وخلافه، ويستحيل الْأَمر بِفعل مَعَ ضد النَّهْي عَن ضِدّه وَهُوَ الْأَمر بضده؛ لِأَنَّهُمَا نقيضان أَو تَكْلِيف بِغَيْر مُمكن.
رد: إِن أُرِيد بِطَلَب ترك الضِّدّ وَهُوَ معنى النَّهْي عنة طلب الْكَفّ عَنهُ
فهما خلافان، ونمنع أَن حكم الخلافين مَا سبق فالمتضايفان متلازمان فيستحيل وجود أَحدهمَا مَعَ ضد الآخر لِاجْتِمَاع الضدين.
وَقد يكون كل من الخلافين ضدا لضد الآخر كالكاتب والضاحك كل مِنْهُمَا ضد للصاهل، فَيكون كل من الْأَمر بالشَّيْء وَالنَّهْي عَن ضِدّه ضدا لضده فَيمكن اجْتِمَاعهمَا.
وَإِن أُرِيد بترك ضِدّه عين الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ عَاد النزاع لفظيا فِي تَسْمِيَة الْفِعْل تركا، ثمَّ فِي تَسْمِيَة طلبه نهيا.
الْقَائِل بِالنَّفْيِ: لَو كَانَ عينه أَو يستلزمه لزم تعقل الضِّدّ والكف عَنهُ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوب النَّهْي وَيمْتَنع تعقل الشَّيْء بِدُونِ نَفسه أَو لَازمه ونقطع بِالطَّلَبِ مَعَ الذهول عَنْهُمَا.
ورد: المُرَاد الضِّدّ الْعَام، وَهُوَ ترك الْمَأْمُور بِهِ لَا الْخَاص وَهُوَ مَا يسْتَلْزم فعله ترك الْمَأْمُور، كَالْأَكْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاة والضد الْعَام متعقل؛ لِأَن الطّلب لَا يكون لموجود.
[رد] : المُرَاد طلبه فِي الْمُسْتَقْبل وَلَو سلم تعقل الضِّدّ فَعدم تعقل الْكَفّ وَاضح.
رد: أَمر الْإِيجَاب لَا يتَحَقَّق بِغَيْر الْكَفّ عَن الضِّدّ الْعَام؛ لِأَنَّهُ طلب فعل مَعَ الْمَنْع من تَركه الْقَائِل (يستلزمه) ؛ لِأَنَّهُ طلب نفي فعل هُوَ عدم، وَالْأَمر طلب وجود فعل، وللزوم وجوب الزِّنَا وَنفي الْمُبَاح ولاستلزام أَمر الْإِيجَاب الذَّم على التّرْك، وَهُوَ فعل لاستلزام الذَّم على الْفِعْل، وَالنَّهْي: طلب كف عَن فعل فَلم يسْتَلْزم الْأَمر؛ لِأَنَّهُ طلب فعل.
قَوْله: {وَالنَّهْي إِن كَانَ لَهُ ضد وَاحِد فمأمور بِهِ قطعا} كالنهي عَن الْكفْر، فَإِنَّهُ أَمر بِالْإِيمَان، وَالنَّهْي عَن الصَّوْم؛ فَإِنَّهُ أَمر بالإفطار، وَنَحْو ذَلِك.
قَوْله: {وَإِلَّا فكالأمر} ، يَعْنِي أَن النَّهْي عَن الشَّيْء إِذا كَانَ لَهُ أضداد فَحكمه حكم الْأَمر على مَا تقدم فِي أَن الْأَمر بِشَيْء معِين نهي عَن ضِدّه، وَتقدم الْخلاف فِي ذَلِك، فَكَذَا يكون الْخلاف هُنَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَقدمه ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ".
{و} قَالَ {الْجِرْجَانِيّ} من الْحَنَفِيَّة: {لَيْسَ أمرا بِهِ} .
{و} قَالَ {الْجَصَّاص} الْحَنَفِيّ: هُوَ {أَمر بضد} لَا بأضداد.
وَجزم الباقلاني فِي " التَّقْرِيب " أَنه أَمر بالضد قطعا.
وَوَجهه: أَن دلَالَة النَّهْي عَن مُقْتَضَاهُ أقوى من دلَالَة الْأَمر على مُقْتَضَاهُ، فَإِن دَرْء الْمَفَاسِد مقدم على جلب الْمصَالح.
وَضعف أَبُو الْمَعَالِي هَذِه الطَّرِيقَة، وَقَالَ: يلْزم مِنْهَا القَوْل بِمذهب الكعبي فِي نفي الْمُبَاح فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يقدر مُبَاح إِلَّا وَهُوَ ضد مَحْظُور فَيكون وَاجِبا.
قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: وَحكى ابْن الْحَاجِب طَريقَة الْقطع على عكس الْمَذْكُورَة هُنَا، وَهُوَ أَنه لَيْسَ أمرا بالضد قطعا، ونازعه التَّاج السُّبْكِيّ فِي ثُبُوتهَا، وَقَالَ: إِنَّه لم يعثر على نقل، وَلم يتَّجه لَهُ عقل.
وَقَالَ غَيره: إِنَّه مَبْنِيّ على أَن النَّهْي طلب نفي الْفِعْل لَا طلب الْكَفّ عَنهُ الَّذِي هُوَ ضِدّه، كمذهب أبي هَاشم فَلَا يكون أمرا بالضد. انْتهى.
وَلنَا خلاف فِي حنث من قَالَ: إِذا أَمرتك فخالفتيني فَأَنت طَالِق فَنَهَاهَا فخالفته وَلَا نِيَّة بِنَاء على ذَلِك. قلت: لنا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَقْوَال.
أَحدهَا: وَهُوَ الصَّحِيح من الثَّلَاثَة أَنه لَا يَحْنَث، إِلَّا أَن يَنْوِي مُطلق الْمُخَالفَة.
اخْتَارَهُ أَبُو بكر، وَغَيره، وَقطع بِهِ فِي " الْوَجِيز "، و " منتخب الْآدَمِيّ " وَقدمه فِي " الْخُلَاصَة "، و " الشَّرْح " و " النّظم " و " الْفُرُوع " وَغَيرهمَا، قَالَ ابْن منجا فِي " شَرحه ": هَذَا الْمَذْهَب.
وَالْقَوْل الثَّانِي: إِنَّهَا تطلق مُطلقًا، جزم بِهِ فِي " المنثور "، وَاخْتَارَهُ ابْن عَبدُوس فِي " تَذكرته "، وَقدمه فِي " الْمُحَرر " و " الرِّعَايَتَيْنِ "، و " الْحَاوِي الصَّغِير ".
وَقَالَ أَبُو الْخطاب: أَن لم يعرف حَقِيقَة الْأَمر وَالنَّهْي حنث وَهُوَ قوي.
قَالَ فِي " الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة ": وَلَعَلَّ هَذَا أقرب إِلَى الْفِقْه وَالتَّحْقِيق.
قَوْله: {وَأمر ندب كإيجاب عِنْد القَاضِي، وَغَيره} ، من أَصْحَابنَا {وَالْأَكْثَر: أَن قيل: مَأْمُور بِهِ حَقِيقَة} .
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": وَأمر النّدب كالإيجاب عِنْد الْجَمِيع إِن قيل مَأْمُور بِهِ حَقِيقَة، وَذكره القَاضِي وَغَيره. انْتهى.
وَصرح بِهِ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني فِي " التَّقْرِيب "، وَحمل النَّهْي عَن الضِّدّ فِي الْوُجُوب تَحْرِيمًا وَفِي النّدب تَنْزِيها.
قَالَ: وَبَعض أهل الْحق خصص ذَلِك بِأَمْر الْإِيجَاب لَا النّدب وَهُوَ مَا حَكَاهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب عَن الْأَشْعَرِيّ.
{وَتقدم} حكم {الْإِجْزَاء فِي خطاب الْوَضع} ؛ لِأَن كثيرا من المصنفين يذكرُونَ الْمَسْأَلَة هُنَا فِي هَذَا الْمحل.
قَوْله: {فَائِدَتَانِ: الأولى: المعلومات أَربع}
…
إِلَى آخِره.
هَاتَانِ الفائدتان ذكرهمَا الْقَرَافِيّ فِي " التَّنْقِيح " و " شَرحه "، وَتَبعهُ ابْن قَاضِي الْجَبَل وَغَيره، وهما مذكورتان فِيمَا تقدم فِي الْبَحْث فِي الْمسَائِل الْمُتَقَدّمَة؛ فَلهَذَا أفردتهما بِالذكر.
قَالَ الْقَرَافِيّ فِي " شرح التَّنْقِيح ": دَلِيل الْحصْر أَن المعلومين إِمَّا أَن يُمكن اجْتِمَاعهمَا أَو لَا، فَإِن أمكن اجْتِمَاعهمَا فهما الخلافان كالحركة وَالْبَيَاض، وَإِن لم يُمكن اجْتِمَاعهمَا فإمَّا أَن يُمكن ارتفاعهما، أَو لَا، الثَّانِي النقيضان، كوجود زيد وَعَدَمه، وَالْأول لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يختلفا فِي الْحَقِيقَة أم لَا.
الأول: الضدان كسواد وَبَيَاض؛ لاخْتِلَاف الْحَقِيقَة.
وَالثَّانِي: المثلان كبياض وَبَيَاض، ثمَّ قَالَ: سُؤال: كَيفَ يُقَال فِي حد الضدين إِنَّه يُمكن ارتفاعهما، وَالْحَرَكَة والسكون ضدان لَا يُمكن ارتفاعهما عَن الْجِسْم، والحياة وَالْمَوْت لَا يُمكن ارتفاعهما عَن الْحَيَوَان، وَالْعلم وَالْجهل لَا يُمكن ارتفاعهما عَن الْحَيّ؟
وَجَوَابه: أَن إِمْكَان الِارْتفَاع أَعم من إِمْكَان الِارْتفَاع مَعَ بَقَاء الْمحل، فَنحْن نقُول: يُمكن ارتفاعهما من حَيْثُ الْجُمْلَة وهما مُمكنا الرّفْع مَعَ ارْتِفَاع الْمحل، فَقيل للمحل: الْعَالم لَا متحرك، وَلَا سَاكن، وَلَا من الْعَالم حَيّ وَلَا ميت، وَلَا عَالم وَلَا جَاهِل فصح الْحَد.
فَائِدَتَانِ:
إِحْدَاهمَا: الخلافان قد يتَعَذَّر ارتفاعهما لخُصُوص حَقِيقَة غير كَونهمَا خلافين كذات وَاجِب الْوُجُود، - سُبْحَانَهُ - مَعَ صِفَاته، وَقد يتَعَذَّر افتراقهما كالعشرة مَعَ الزَّوْجِيَّة خلافان ويستحيل افتراقهما، والخمسة مَعَ الفردية، والجوهر مَعَ الأكوان، وَهُوَ كثير، وَلَا تنَافِي بَين إِمْكَان الِافْتِرَاق والارتفاع بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّات، وَتعذر الِارْتفَاع بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَمر خارجي عَنْهُمَا.
الثَّانِيَة: حصر المعلومات فِي هَذِه الْأَرْبَعَة كلهَا حَتَّى لَا يخرج مِنْهَا شَيْء إِلَّا مَا توَحد الله تَعَالَى بِهِ وَتفرد بِهِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ ضد الشَّيْء، وَلَا نقيضا، وَلَا مثلا، وَلَا خلافًا لتعذر الرّفْع، وَهَذَا حكم عَام فِي صِفَاته العلى وذاته لتعذر رَفعهَا بِسَبَب وجوب وجودهَا.
قَوْله: {الثَّانِيَة: الْحَقَائِق الْأَرْبَعَة} - أَي: نِسْبَة الْحَقَائِق بَعْضهَا إِلَى بعض أَرْبَعَة - متساويان
…
إِلَى آخِره.
هَذَا أَيْضا أخذناه من كَلَام الْقَرَافِيّ، فَقَالَ: دَلِيل الْحصْر أَن المعلومين إِمَّا أَن يجتمعا أَو لَا، الثَّانِي المتباينان، وَالْأول لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يصدق كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي جَمِيع موارد الآخر، أَو لَا.
الأول المتساويان، وَالثَّانِي إِن صدق أَحدهمَا فِي كل موارد الآخر من غير عكس فَهُوَ الْأَعَمّ مُطلقًا، وَإِلَّا فَهُوَ الْأَعَمّ من وَجه، والأخص من وَجه،
وَقد مثلهَا بِهَذِهِ الْأَمْثِلَة الْفِقْهِيَّة؛ لِأَنَّهَا أقرب لطلبة الْعلم، وَكنت قد تابعته فِي الْأَمْثِلَة كلهَا، مِنْهَا الرَّابِع: وَهُوَ النِّكَاح وَملك الْيَمين، ثمَّ أضربت عَنهُ؛ لِأَن مَذْهَبنَا أَنه لَا يجْتَمع النِّكَاح وَملك الْيَمين، فَحَيْثُ وجد ملك الْيَمين امْتنع النِّكَاح، وَحَيْثُ وجد النِّكَاح امْتنع ملك الْيَمين، فمثلت بمثال يُوَافق مَذْهَبنَا فمثلت بِالْوضُوءِ وَالتَّيَمُّم فِي صُورَة، وَهُوَ صِحَة إِفْرَاد التَّيَمُّم عِنْد الْعَدَم، أَو الْعَجز عَن اسْتِعْمَاله، وَصِحَّة الْوضُوء لشرطه واجتماعهما فِيمَا إِذا غمس يَده فِي الْإِنَاء قبل غسلهَا ثَلَاثًا، وَلَيْسَ عِنْده غَيره، فَإِنَّهُ يتَوَضَّأ بِهِ، وَيتَيَمَّم مَعَه على الصَّحِيح من الْمَذْهَب.
ويمثل أَيْضا ذَلِك بالموارد الْعَقْلِيَّة فالمتساويان كالإنسان والضحك بِالْقُوَّةِ، يلْزم من وجود كل وَاحِد مِنْهُمَا وجود الآخر وَمن عَدمه عدمُه، فَلَا إِنْسَان إِلَّا وَهُوَ ضَاحِك بِالْقُوَّةِ، وَلَا ضَاحِك بِالْقُوَّةِ إِلَّا وَهُوَ إِنْسَان.
ونعني بِالْقُوَّةِ كَونه قَابلا وَلَو لم يَقع، ويقابله الضاحك بِالْفِعْلِ، وَهُوَ الْمُبَاشر للضحك.
والمتباينان كالإنسان، وَالْفرس، فَمَا هُوَ إِنْسَان لَيْسَ بفرس، وَمَا هُوَ فرس فَلَيْسَ بِإِنْسَان، فَيلْزم من صدق أَحدهمَا على مَحل عدم صدق الآخر.
والأعم مُطلقًا [والأخص مُطلقًا] كالحيوان وَالْإِنْسَان فالحيوان صَادِق على جَمِيع أَفْرَاد الْإِنْسَان فَلَا يُوجد إِنْسَان بِدُونِ الحيوانية أَلْبَتَّة.
والأعم من وَجه ضابطه: أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي صُورَة وينفرد كل وَاحِد مِنْهُمَا بِصُورَة، كالحيوان والأبيض فَإِن الْحَيَوَان يُوجد بِدُونِ الْأَبْيَض فِي السودَان، وَيُوجد الْأَبْيَض بِدُونِ الْحَيَوَان فِي الْحجر الْأَبْيَض وَغَيره كالثلج مِمَّا لَيْسَ بحيوان، ويجتمعان فِي الْحَيَوَانَات فِي الْبيض، فَلَا يلْزم من وجود الْأَبْيَض وجود الْحَيَوَان، وَلَا من وجود الْحَيَوَان وجود الْأَبْيَض، وَلَا من عدم أَحدهمَا عدم الآخر، فَلَا جرم لَا دلَالَة فيهمَا مُطلقًا لَا فِي وجوده وَلَا فِي عَدمه بِخِلَاف الْأَعَمّ مُطلقًا، يلْزم من عدم الْحَيَوَان عدم الْإِنْسَان، وَمن وجود الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ أخص وجود الْحَيَوَان، وَلَا يلْزم من عدم الْأَخَص عدم الْأَعَمّ؛ لِأَن الْحَيَوَان قد يبْقى مَوْجُودا فِي الْفرس وَغَيره من الْأَنْوَاع.
ففائدة هَذِه الْقَاعِدَة: الِاسْتِدْلَال بِبَعْض الْحَقَائِق على بعض.
والتمثيل فِي المتساويين بِالرَّجمِ وزنا الْمُحصن بِنَاء على اللائط لَا يرْجم، أما لَو فرعنا على أَنه يرْجم كَانَ الرَّجْم أَعم من الزِّنَا عُمُوما مُطلقًا كالغسل والإنزال الْمُعْتَبر فَإِن الْغسْل أَعم مُطلقًا؛ لوُجُوده بِدُونِ الْإِنْزَال فِي انْقِطَاع دم الْحيض، والتقاء الختانين وَغير ذَلِك من أَسبَاب الْغسْل. انْتهى.
قلت: الصَّحِيح من مَذْهَبنَا أَن حد اللوطي كَحَد الزَّانِي سَوَاء، فَيحْتَاج إِلَى مِثَال غير ذَلِك.