الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(قَوْله: {بَاب} )
{الْعَام: اللَّفْظ الدَّال على جَمِيع أَجزَاء مَاهِيَّة مَدْلُوله} .
إِنَّمَا أخر الْكَلَام فِي الْعَام وَالْخَاص عَن الْأَمر وَالنَّهْي؛ لتعلقهما بِنَفس الْخطاب الشَّرْعِيّ، وَتعلق الْعُمُوم وَالْخُصُوص بِاعْتِبَار الْمُخَاطب بِهِ، وَإِنَّمَا قدمنَا هَذَا الْحَد على الْحُدُود الْبَاقِيَة لما نذكرهُ فَإِن الطوفي ذكره فِي " مُخْتَصره "، وَقَالَ: هُوَ أَجود الْحُدُود.
فَإِنَّهُ ذكر حدودا كلهَا مُعْتَرضَة، وَذكر هَذَا فِي جملَة تَقْسِيم فَقَالَ: وَقيل: اللَّفْظ إِن دلّ على الْمَاهِيّة من حَيْثُ هِيَ هِيَ، فَهُوَ الْمُطلق كالإنسان، أَو على وَحده مُعينَة كزيد فَهُوَ الْعلم، أَو غير مُعينَة كَرجل فَهُوَ النكرَة، أَو على وحدات مُتعَدِّدَة فَهِيَ: إِمَّا بعض وحدات الْمَاهِيّة فَهُوَ اسْم الْعدَد، كعشرين رجلا أَو جَمِيعهَا فَهُوَ الْعَام.
فَإِذن: هُوَ اللَّفْظ الدَّال على جَمِيع أَجزَاء مَاهِيَّة مَدْلُوله، وَهُوَ أَجودهَا. انْتهى.
فَهَذَا الْحَد مُسْتَفَاد من التَّقْسِيم الْمَذْكُور؛ لِأَن التَّقْسِيم الصَّحِيح يرد على جنس الْأَقْسَام، ثمَّ يُمَيّز بَعْضهَا عَن بعض بِذكر خواصها الَّتِي يتَمَيَّز بهَا فيتركب كل وَاحِد من أقسامه من جنسه الْمُشْتَرك ومميزه الْخَاص وَهُوَ الْفَصْل، وَلَا معنى للحد إِلَّا اللَّفْظ الْمركب من الْجِنْس والفصل.
وعَلى هَذَا فقد استفدنا من هَذَا التَّقْسِيم معرفَة حُدُود مَا تضمنه من الْحَقَائِق وَهُوَ الْمُطلق، وَالْعلم، والنكرة وَاسم الْعدَد.
فالمطلق: هُوَ اللَّفْظ الدَّال على الْمَاهِيّة الْمُجَرَّدَة عَن وصف زَائِد.
وَالْعلم: هُوَ اللَّفْظ الدَّال على وحدة مُعينَة.
وَاسم الْعدَد: هُوَ اللَّفْظ الدَّال على بعض وحدات مَاهِيَّة مَدْلُوله.
وَالْعَام مَا ذكرنَا. انْتهى.
وَقَوله: فَإِن دلّ على الْمَاهِيّة من حَيْثُ هِيَ هِيَ، أَي: مَعَ قطع النّظر عَن جَمِيع مَا يعرض لَهَا من وحدة وَكَثْرَة، وحدوث وَقدم، وَطول وَقصر، وَسَوَاد وَبَيَاض، فَهَذَا الْمُطلق كالإنسان من حَيْثُ هُوَ إِنْسَان إِنَّمَا يدل على
حَيَوَان نَاطِق لَا على وَاحِد وَلَا على غَيره مِمَّا ذكر، وَإِن كُنَّا نعلم أَنه لَا يَنْفَكّ عَن بعض تِلْكَ.
قَوْله: {وَقَالَ أَكثر أَصْحَابنَا وَغَيرهم: هُوَ مَا عَم شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا} .
وَلم أعلم الْآن من أَيْن نقلت ذَلِك، ولعلنا أردنَا كَلَامه فِي " الرَّوْضَة " وَغَيرهَا.
وَقد قَالَ ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح ": والعموم مَا شَمل شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا شمولا وَاحِدًا، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ بعض الْفُقَهَاء: مَا عَم شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا وَلَيْسَ بمرضي؛ لِأَن قَوْله: عَم - وَعَن الْعُمُوم سُئِلَ - لَيْسَ بتحديد، كمن قيل لَهُ: مَا السوَاد، فَقَالَ: مَا سود الْمحل الَّذِي يقوم بِهِ. انْتهى.
{و} قَالَ {أَبُو الْخطاب، و} الْفَخر {الرَّازِيّ} ، وَأَبُو الْحُسَيْن المعتزلي:{اللَّفْظ الْمُسْتَغْرق لما يصلح لَهُ} .
فَقيل: لَيْسَ بمانع لدُخُول كل نكرَة من أَسمَاء الْأَعْدَاد، كعشرة، وكنحو: ضرب زيد عمرا.
وَفِيه نظر، فَإِنَّهُ أُرِيد بِمَا يصلح أَفْرَاد مُسَمّى اللَّفْظ فَلم تدخل النكرَة، وَإِن فسر (مَا يصلح) بأجزاء مُسَمّى اللَّفْظ لَا بجزئياته فالعشرة مستغرقة أجزاءها، أَي: وحداتها، وَنَحْو (ضرب زيد عمرا، إِن استغرق لما يصلح من أَفْرَاد (ضرب زيد عمرا) فعام، وَإِلَّا لم يدْخل.
وأبطله الْآمِدِيّ بِأَنَّهُ عرف الْعَام بالمستغرق وهما مُتَرَادِفَانِ وَلَيْسَ الْقَصْد شرح اسْم الْعَام ليَكُون الْحَد لفظيا بل مُسَمَّاهُ بِحَدّ حَقِيقِيّ أَو رسمي.
وَزيد فِي الْحَد (من غير حصر) احْتِرَاز من اسْم الْعدَد، نَحْو: عشرَة فَإِنَّهَا تستغرق الْأَفْرَاد المركبة، لَكِن تحصر؛ إِذْ دلَالَته كل على أَجْزَائِهِ، وَدلَالَة الْعُمُوم كلي على جزئياته.
{و} قَالَ {الْمُوفق} فِي " الرَّوْضَة "، {و} أَبُو مُحَمَّد {الْجَوْزِيّ} فِي " الْإِيضَاح ":{اللَّفْظ الْوَاحِد الدَّال على شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا مُطلقًا} .
فاللفط كالجنس لَهُ وللخاص والمشترك وَغير ذَلِك من أَصْنَاف اللَّفْظ، وَفِيه إِشْعَار بِأَن الْعُمُوم من عوارض الْأَلْفَاظ دن الْمعَانِي على مَا يَأْتِي.
وَاحْترز بِالْوَاحِدِ عَن كل مَا ذكر مَعَه عَام يَقْتَضِيهِ من الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَنَحْوه، مثل (ضرب زيد عمرا) فَإِنَّهُ إِن دلّ على شَيْئَيْنِ وَلَكِن لَا بِلَفْظ وَاحِد، إِذْ هما لفظان.
وَاحْترز بشيئين عَن مثل رجل فِي الْإِثْبَات، وَعَن أَسمَاء الْأَعْلَام كزيد، وَعَمْرو، فَإِن لفظ رجل، وَدِرْهَم، وَزيد، وَإِن كَانَت صَالِحَة لكل وَاحِد من آحَاد الرِّجَال، وآحاد الدَّرَاهِم فَلَا يَتَنَاوَلهَا مَعًا بل على سَبِيل الْبَدَل.
و (فَصَاعِدا) عَن لفظ اثْنَيْنِ وَنَحْوهَا من كل مثنى نَحْو رجلَيْنِ، وَاحْترز ب (مُطلقًا) عَن مثل عشرَة رجال وَنَحْوه من الْأَعْدَاد الْمقدرَة، فَإِنَّهُ لَيْسَ من الْأَلْفَاظ الْعَامَّة وَإِن كَانَ مَعَ اتحاده الْأَصْلِيّ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا وَهِي الْآحَاد الدَّاخِلَة فِيهَا إِلَّا أَنه إِنَّمَا دلّ على تَمام عشرَة فَقَط لَا مُطلقًا.
قَالَ الطوفي: وَفِي الِاحْتِرَاز ب (مُطلقًا) عَمَّا قَالَه نظر؛ إِذْ هُوَ خَارج بقوله: فَصَاعِدا، إِذا هِيَ لَفْظَة لَيْسَ لَهَا نِهَايَة تقف عِنْدهَا، فَكل مَا كَانَ من الْأَعْدَاد فَوق الْوَاحِد انتظمه قَوْله: فَصَاعِدا.
قَالَ الْعَسْقَلَانِي شَارِح " مُخْتَصر الطوفي ": وَفِي هَذَا النّظر من هَذِه الْحَيْثِيَّة نظر؛ إِذْ الْعشْرَة يصدق عَلَيْهِ أَنه يدل على شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا، وَلَيْسَ فِي الْحَد مَا يَقْتَضِي أَنه يدل على شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا بِمَا لَا نِهَايَة لَهُ يقف عِنْدهَا؛ إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لَخَرَجت أَكثر العمومات عَن كَونهَا عَامَّة، إِذا لَا بُد لَهَا من نِهَايَة. انْتهى.
لَكِن هَذَا الْحَد لَيْسَ بِجَامِع لخُرُوج لَفْظِي المستحيل والمعدوم عَنهُ، وهما من الْأَلْفَاظ الْعَامَّة وَلَا دلَالَة لَهما على شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا؛ لِأَن مدلولهما لَيْسَ بِشَيْء، أما المستحيل فبالإجماع وَأما الْمَعْدُوم فعلى قَول.
ولخروج الموصولات؛ لِأَنَّهَا عَامَّة وَلَيْسَ بِلَفْظ وَاحِد؛ لِأَنَّهَا لَا تتمّ إِلَّا بصلاتها.
وَقَالَ الْغَزالِيّ: اللَّفْظ الْوَاحِد الدَّال من جِهَة وَاحِدَة على شَيْئَيْنِ فَصَاعِدا.
لَكِن قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": حَده فِي " الرَّوْضَة " أَجود من حد الْغَزالِيّ، وَاخْتَارَ هَذَا الْحَد الْآمِدِيّ وأبدل (شَيْئَيْنِ) بمسميين.
{و} قَالَ {ابْن الْمَنِيّ} فِي " جدله الْكَبِير "، {و} تِلْمِيذه {الْفَخر} إِسْمَاعِيل:{مَا دلّ على مسميات دلَالَة لَا تَنْحَصِر فِي عدد} ، نَقله عَنهُ ابْن حمدَان فِي " مقنعه " وَهُوَ حسن لَكِن دخل فِيهِ الْمعَانِي وفيهَا خلاف يَأْتِي قَرِيبا.
{و} قَالَ {ابْن الْحَاجِب: مَا دلّ على مسميات بِاعْتِبَار أَمر اشتركت فِيهِ مُطلقًا} ضربه أَي دَفعه ليخرج نَحْو رجل.
قَالَ ابْن مُفْلِح: وَلَا حَاجَة إِلَى زيادتها. وَدخل فِي حَده الْمعَانِي والمعدوم، والمستحيل، وَخرج الْمُسَمّى الْوَاحِد، والمثنى، والنكرة الْمُطلقَة كَرجل، وَخرج نَحْو: عشرَة ب (اشتركت فِيهِ) ، وَخرج الْمَعْهُود بقوله مُطلقًا.
قَوْله: {وَيكون مجَازًا فِي الْأَصَح} .
يكون الْعَام مجَازًا على الْأَصَح، كَقَوْلِك: رَأَيْت الْأسود على الْخُيُول، فالمجاز هُنَا كالحقيقة فِي أَنه قد يكون عَاما.
وَخَالف بعض الْحَنَفِيَّة، فَزعم أَن الْمجَاز لَا يعم بصيغته؛ لِأَنَّهُ على خلاف الأَصْل فَيقْتَصر بِهِ على الضَّرُورَة.