الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سمع كلام المولى عز وجل، فأوحى إليه ما أوحى، ورأى من آيات ربه الكبرى؛ كما نطق به الكتاب العزيز.
والصحيح: أن الإسراء كان بروحه وجسده صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما، أو أن الإسراء كان مرتين؛ مرة بروحه مناما، ومرة أخرى يقظة، أو أن الإسراء بجسده كان إلى بيت المقدس، وبروحه الشريفة إلى ما فوق ذلك (1).
وفرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء (2).
فلما أصبح وأخبرهم بالإسراء .. كذّبته قريش واستبعدوا ذلك؛ حتى ارتد من ضعف إيمانه، ثم استوصفوه بيت المقدس، ولم يكن أثبت صفاته، فرفعه الله له، فجعل يخبرهم عنه وهو ينظره (3)، وأخبرهم بالرفقة والعلامة في عيرهم (4)، وأنها تجيء يوم الأربعاء، فجاءت في آخر يوم الأربعاء.
[قصة موافاة الأنصار]:
وفي موسم هذه السنة-أعني: سنة إحدى عشرة-: وافاه من الأنصار اثنا عشر رجلا؛ تسعة من الخزرج (5)، وهم: أسعد بن زرارة، وعوذ (6) ومعاذ ابنا عفراء، ورافع بن العجلان، وذكوان بن عامر، وعبادة بن الصّامت، ويزيد بن ثعلبة، وعباس بن عبادة، وعقبة بن عامر، وقطبة بن عامر، واثنان من الأوس، وهم: أبو الهيثم بن التّيّهان، وعويم بن ساعدة، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوه بيعة النساء؛ ألاّ يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا
…
إلى آخر ما قص الله سبحانه في آية بيعة النساء، فبعث معهم صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير العبدري؛ يقرئهم القرآن ويعلمهم الأحكام، فكانوا يسمونه المقرئ، وكان منزله على أسعد بن
(1) رجح جمهور العلماء القول الأول، وردّوا الأقوال الأخرى بأدلة نقلية وعقلية، انظر تفصيل ذلك في «الشفا» (237)، و «زاد المعاد» (2/ 48)، و «سيرة مغلطاي» (139)، و «سبل الهدى والرشاد» (3/ 100).
(2)
حديث الإسراء والمعراج وفرض الصلوات أخرجه البخاري (3207)، ومسلم (162).
(3)
أخرجه البخاري (3886)، ومسلم (170).
(4)
أخرجه البزار (3484)، والطبراني في «الكبير» (7/ 283)، والبيهقي في «الدلائل» (2/ 355).
(5)
بل عشرة من الخزرج كما عدّهم بعد، وكما ذكرهم ابن هشام في «السيرة» (2/ 431)، وابن سعد في «الطبقات» (1/ 187)، والطبري في «التاريخ» (2/ 355) وغيرهم.
(6)
مرت ترجمته فيمن استشهد يوم بدر (1/ 50)، وهو نفسه عوف ابن عفراء على الصحيح، كما قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (ص 586).
زرارة (1)، فأسلم على يديه أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، فلما أسلم سعد .. لم يمس في دار بني عبد الأشهل مشرك، ثم فشا الإسلام في دور الأنصار كلها (2).
وفي سنة ثلاث عشرة من المبعث: خرج حجاج الأنصار من المسلمين مع حجاج قومهم من أهل الشرك، فلما قدموا مكة .. واعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق، وهي العقبة الثالثة المتفق على صحّتها.
فلما كان ليلة الميعاد .. باتوا مع قومهم، فلما مضى ثلث الليل .. خرجوا مستخفين، فلما اجتمعوا بالشعب عند العقبة .. جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه عمه العباس وهو إذ ذاك على شركه وإنما أراد التوثق لابن أخيه، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلا عليهم شيئا من القرآن، ثم قال:«أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم ونساءكم وأبناءكم» ، ثم قال صلى الله عليه وسلم:«أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا كفلا على قومهم» ، فأخرجوا تسعة من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، عبد الله بن رواحة، سعد بن الرّبيع، رافع بن مالك بن العجلان، البراء بن معرور، سعد بن عبادة، عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر وكان إسلامه ليلتئذ، المنذر بن عمرو، عبادة بن الصّامت، وثلاثة من الأوس، وهم: أسيد بن حضير، سعد بن خيثمة، رفاعة بن عبد المنذر، وعدّ بعضهم بدل رفاعة أبا الهيثم بن التّيّهان (3).
ونقب صلى الله عليه وسلم على النقباء أسعد بن زرارة، وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:«أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا الكفيل على قومي» (4) أي: المؤمنين، قالوا: نعم، فبايعوه، ووعدهم على الوفاء الجنة، وأول من بايع: البراء بن معرور، ثم تتابع الناس، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين (5).
(1) أخرجه أبو نعيم في «الدلائل» (1/ 393)، والبيهقي في «الدلائل» (2/ 438)، وابن سعد (3/ 187)، والطبري في «تاريخه» (2/ 357).
(2)
أخرجه البيهقي في «الدلائل» (2/ 438)، والطبري في «تاريخه» (2/ 357).
(3)
أخرجه ابن حبان (7011)، وأحمد (3/ 461)، والطبراني في «الكبير» (19/ 89)، والبيهقي في «الدلائل» (2/ 444).
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة (8/ 587)، وابن سعد (1/ 189)، والطبري في «التاريخ» (2/ 363).
(5)
كما في «سيرة ابن هشام» (2/ 441)، و «سبل الهدى والرشاد» (3/ 279)، وما ورد في بعض الأحاديث أنهم كانوا سبعين، كما في «طبقات ابن سعد» (1/ 188)، و «تاريخ الطبري» (2/ 362)، و «دلائل النبوة» للبيهقي (2/ 451) .. فعلى أن العرب كثيرا ما تحذف الكسر، كذا قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (3/ 173).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها» (1)، فأول من هاجر إلى المدينة بعد العقبة: أبو سلمة بن عبد الأسد، ثم عامر بن ربيعة، ثم عبد الله بن جحش، ثم تتابعوا أرسالا، فلقوا من الأنصار دارا، وجوارا آثروهم على أنفسهم في أقواتهم، وقاسموهم أموالهم.
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر الإذن في الهجرة، ولم يتخلف معه أحد إلا من حبس أو فتن، إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما؛ فإنهما حبسا أنفسهما على صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
ولما رأت قريش ما لقي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من حسن الجوار وطيب الحال .. خافوا خروج النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا في دار الندوة وتشاوروا في أمره، فتصور لهم إبليس في صورة شيخ نجدي مشاركا لهم في الرأي، فتحدثوا أن يربطوه في الحديد، ويغلقوا دونه الأبواب حتى يموت، أو أن يخرجوه من بين أظهرهم فيستريحوا منه، وأشار أبو جهل أن يجمعوا من كل قبيلة رجلا، فيقتلونه دفعة واحدة، فيفترق دمه في القبائل حتى يعجز قومه عن طلب الثأر، فحسّن الشيخ النجدي رأيه، وتفرقوا على ذلك (3).
ولما قصدوه لذلك .. أخبره جبريل بقصدهم، فأمر صلى الله عليه وسلم عليا أن ينام على فراشه يتسجّى ببرده، وأخبره أنه لن يخلص إليه شيء يكرهه، فلما قعدوا على بابه لذلك .. خرج عليهم صلى الله عليه وسلم وبيده حفنة من تراب، فجعل ينثرها على رءوسهم وهو يتلو صدر (سورة يس)، فأتاهم آت، فقال لهم: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا، قال: خيّبكم الله؛ قد خرج عليكم محمد، ثم ما ترك أحدا منكم إلا وقد وضع على رأسه ترابا، فمسّ كل منهم رأسه فوجده كما قيل، ثم نظروا إلى الفراش، فرأوا عليا مسجّى بالبرد، فبقوا متحيرين حتى أصبحوا، فقام علي، فعرفوا صدق المخبر لهم، وأنزل الله في
(1) ذكره الطبري في «تاريخه» (2/ 369)، وابن هشام في «السيرة» (2/ 468)، وعند ابن سعد (1/ 192) بسنده عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج .. فليخرج إليها» .
(2)
أخرجه الحاكم (2/ 435)، وانظر «طبقات ابن سعد» (1/ 193)، و «تاريخ الطبري» (369/ 2 و 375).
(3)
أخرجه أبو نعيم في «الدلائل» (1/ 257)، والبيهقي في «الدلائل» (2/ 466)، وابن سعد (1/ 193)، والطبري في «التاريخ» (2/ 370).