المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الرابع عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام - جـ ٢

[السفاريني]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادى عشر

- ‌باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب الأذان

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب استقبال القبلة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب الصفوف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الإمامة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌باب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود

- ‌باب القراءة في الصلاة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب ترك الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

- ‌باب سجود السهو

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب المرور بين يدي المصلي

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب جامع لأحكام متفرقة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌باب التشهد

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

الفصل: ‌ ‌الحديث الرابع عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ

‌الحديث الرابع

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ"(1).

(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه البخاري (586)، كتاب: الأذان، باب: ما يقول إذا سمع المنادي، ومسلم (383)، كتاب: الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، ووقع عندهما:"النداء" بدل "المؤذن"، وفات الشارحَ التنبيهُ عليه، نعم في رواية مسلم (384):"إذا سمعتم المؤذن"، لكنها من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. ورواه أيضاً: أبو داود (522)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقول إذا سمع المؤذن، والنسائي (673)، كتاب: الأذان، باب: القول مثل ما يقول المؤذن، والترمذي (208)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء: ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن، وابن ماجه (720)، كتاب: الأذان، باب: ما يقال إذا أذن المؤذن.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

"الاستذكار" لابن عبد البر (1/ 273)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (2/ 10)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (2/ 250)، و"المفهم" للقرطبي (2/ 11)، و"شرح مسلم" للنووي (4/ 87)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (1/ 182)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (1/ 385)، و"فتح الباري" لابن رجب (3/ 446)، و"فتح الباري" لابن حجر (2/ 91)، و"عمدة القاري" للعيني (117/ 5)، و"سبل السلام" للصنعاني (1/ 125)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (2/ 35).

ص: 184

(عن أبي سعيد) سعدِ بنِ مالكٍ (الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سمعتم) معشرَ الأمة (المؤذن) يؤذن (فـ) أجيبوه الإجابة الشرعية، (قولوا) في إجابتكم (مثل ما)؛ أي: الذي (يقول)، أي: مثل قول المؤذن.

وكأنَّ المصنف -رحمه الله تعالى- اعتمد على أن لفظة "المؤذن" مُدْرَجة في الحديث، فأسقطها، كما ادعى ابن وضاح ذلك.

وتُعقب: بأن الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى، وقد الفقت الروايات في "الصحيحين" و"الموطأ" على إثباتها.

ولذا قال في "الفتح": لم يصب صاحبُ العمدة -يعني: المصنف- في حذفها (1).

قال الكرماني: إنما لم يقل: "مثل ما قال"؛ ليشعر بأن يجيبه بعد كل كلمة مثل كلمتها (2).

وأدلُّ من هذا على المقصود: ما رواه النسائي، من حديث أم حبيبة رضي الله عنها: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول كما يقول المؤذن، حتى يسكت (3).

قال في "الفروع": ويُستحب وفاقًا للمؤذن وسامعِه، نصَّ عليهما -يعني: الإمام أحمد-، ولو [كان] في طواف، أو امرأة، قاله أبو المعالي وغيرُه متابعةُ قولي بمثله خُفْيةً (4)، لكن في الحيعلة يُحَوْقِل، نصَّ عليه؛

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 91).

(2)

المرجع السابق، الموضع نفسه.

(3)

رواه النسائي في "السنن الكبرى"(9863)، والإمام أحمد في "المسند"(6/ 326)، وابن خزيمة في "صحيحه"(413)، وغيرهم.

(4)

أي: يستحب للمؤذن وسامعه متابعةُ قولي خفيةً.

ص: 185

للخبر، [و] لأنه خطاب، فإعادتُه عَبَثٌ، بل سبيلُه الطاعة، وسؤالُ الحولِ والقوة؛ خلافًا لمالك.

قال: وظاهر كلام جماعة: لا يجيب نفسه، وحُكِيَ روايةً، انتهى (1).

فلو لم يجاوب المؤذن حتى فرغ، استُحب له التداركُ إن لم يطل الفصلُ، قاله النووي في "شرح المهذب" بحثًا (2)، وقاله علماؤنا فيما إذا كان في الصلاة، أوخَلاء، ونحوِهما، فإنه يقضي الإجابة إذا فرغَ من ذلك، فسمَّوه قضاء (3).

تنبيهات:

الأول: ظاهرُ حديث أبي سعيد هذا: أنه يُشرع لسامع الأذان أن يقول مثل قوله في جميع الكلمات، لكن حديث أبي رافع عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقول مثلَ ما يقول المؤذن، فإذا بلغ: حَيَّ على الصلاة، قال:"لا حول ولا قوة إلا بالله" رواه الإمام أحمد (4).

وحديث عمر رضي الله عنه رواه الإمام أحمد، ومسلم، وفيه: ثم قال: حيَّ على الصلاة، قال:"لا حول ولا قوة إلا بالله"، ثم قال: حي، على الفلاح، قال:"لا حول ولا قوة إلا بالله"(5).

(1) انظر: "الفروع" لابن مفلح (1/ 281).

(2)

انظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (3/ 123). وانظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 91).

(3)

انظر: "المبدع" لابن مفلح (1/ 329)، و"الإنصاف" للمرداوي (1/ 426).

(4)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(6/ 9)، والبزار في "مسنده"(3868).

(5)

رواه مسلم (385)، كتاب: الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه. ولم أره في "مسند الإمام أحمد"، من حديث عمر رضي الله عنه، فالله أعلم.

ص: 186

وحديثُ معاوية: رواه الإمام أحمد، وفيه: أن مؤذنه أذن، فقال كما قال، حتى إذا قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك (1).

وأصل هذا الحديث في "البخاري"(2).

وكونُ المشروع عندَ الحيعلة الحوقلةَ هو مذهبنا؛ كالشافعية.

وقال بعض الحنفية: يُحوقل عند حيَّ على الصلاة، ويقول عند حَيَّ على الفلاح: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وكأنهم استدلوا بما نقل عبد الرزاق، عن ابن جريج: أن الناس كانوا يُنصتون للمؤذن إنصاتَهم للقرآن، فلا يقول شيئًا إلا قالوا مثله، حتى إذا قال: حَيَّ على الصلاة، قالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حَيَّ على الفلاح، قالوا: ما شاء الله، انتهى (3).

والأحاديثُ الصحيحة بما ذهب إليه علماؤنا صريحة.

قال الطيبي: معنى الحَيْعَلَتين: هَلُمَّ بوجهِك وسريرتِك إلى الهُدى عاجلًا، والفوز بالنعيم آجلًا، فناسب أن يقول: هذا أمر عظيم لا أستطيع مَعَ ضعفي القيامَ به، إلا إذا وَفَّقني اللهُ بحوله وقوته (4).

وروي عن سعيد بن جبير، قال: يقول في جواب الحَيْعَلَة: سمعْنا

(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 91).

(2)

رواه البخاري (587، 588)، كتاب: الأذان، باب: ما يقول إذا سمع المنادي.

(3)

رواه عبد الرزاق في "المصنف"(1849).

(4)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 92).

ص: 187

وأطعْنا، ويقول في أذان الفجر عند التثويب، وهو: قولُ المؤذن: الصلاةُ خير من النوم: صَدَقْتَ وبَررْتَ (1).

وثمَّ أقوال ووجوه أخر مذكورة في المطولات.

الثاني: يستحب أن يقول في الإقامة مثل ما يقول، لكن يقول عند كلمة الإقامة: أقامها الله وأدامها، زاد في "المستوعب"(2)، و"التلخيص": ما دامت السموات والأرض (3).

لما روى أبو داود، عن شهر بن حوشب، عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن بلالًا أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة،

(1) لم أقف عليه. قال الحافظ السخاوي في "المقاصد الحسنة"(ص: 310 - 311): حديث: "صدق رسول الله" هو كلام يقوله كثيرون من العامة عقب قول المؤذن في الصبح: الصلاة خير من النوم، وهو صحيح بالنظر لكونه صلى الله عليه وسلم أقَرَّ بلالًا على قوله: الصلاة خير من النوم، بل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا محذورة بقول ذلك، ولذا كان استحبابُ قوله وجهًا، ولكن الراجح قول: صدقت وبررت، لا هذا، انتهى.

قال العجلوني في "كشف الخفاء"(2/ 28): وقال القاري: "صدق رسول الله" ليس له أصل، وكذا قولهم عند قول المؤذن: الصلاة خير من النوم: "صدقت وبررت، وبالحق نطقت" استحبه الشافعية. قال الدميري: وادَّعى ابن الرفعة أن خبرًا ورد فيه لا يعرف قائله. وقال ابن الملقن في "تخريج أحاديث الرافعي": لم أقف عليه في كتب الحديث. وقال الحافظ ابن حجر: لا أصل له. وأجاب الشمس الرَّملي عن اعتراض الدميري على ابن الرفعة: بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. وفيه إشارة إلى اختيار استحبابه، فتأمل؟!. وقال النجم في "صدقت وبررت": لا أصل لذلك في الأثر، قال: وكذلك قول كثير من العوام للمؤذن مطلقًا: صدقت يا ذاكر الله في كل وقت، لا أصل له، فاعرفه.

(2)

انظر: "المستوعب" للسَّامري (2/ 65).

(3)

انظرت "المبدع" لابن مفلح (1/ 330).

ص: 188

قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أقامَها اللهُ وأدامَها"، وقال في سائر الإقامة مثلَ ما قال المقيم (1).

لكن في إسناده مجهول، وشهر بن حوشب تكلم فيه غيرُ واحد، ووثقه الإمام أحمد، ويحيى بن معين (2).

ولأن الإقامة أحد الأذانين.

الثالث: يسن أن يصلِّيَ على النبي صلى الله عليه وسلم بعد إجابة النداء، ثم يقول:"اللهمَّ رَبَّ هذهِ الدعوةِ التامةِ، والصلاةِ القائمة، آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدته" رواه الجماعة إلا مسلمًا، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ولفظه: "من قال حين يسمع النداء: اللهمَّ ربَّ

إلخ. حَلَّت له شفاعتي يوم القيامة" (3).

زاد أبو الخطاب الكلوذاني: "واسْقِنا من حوضِه بكأسِه مشربًا هنيئًا، سائغًا رَوِيًّا، غيرَ خزايا ولا ناكثين"(4).

(1) رواه أبو داود (528)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقول إذا سمع الإقامة، ومن طريقه: البيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 411)، عن أبي أمامة، أو عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

(2)

انظر: "المنتقى" للمجد ابن تيمية (1/ 240)، حديث رقم (508).

(3)

انظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 250).

(4)

رواه البخاري (589)، كتاب: الأذان، باب: الدعاء عند النداء، وأبو داود (529)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الدعاء عند الأذان، والنسائي (680)، كتاب: الأذان، باب: الدعاء عند الأذان، والترمذي (211)، كتاب: الصلاة، باب: منه آخر، وابن ماجه (722)، كتاب: الأذان، باب: ما يقال إذا أذن المؤذن.

ص: 189

وزاد البيهقي في قوله: الذي وعدته: "إنك لا تخلف الميعاد"(1).

قال الطيبي: المراد بقوله: مقامًا محمودًا الذي وعدته: قوله: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79].

وأطلق عليه الوعد؛ لأن عسى من الله واقع، كما صح عن ابن عيينة (2)، وغيره (3).

ووقع في رواية النسائي، وابن خزيمة، وغيرهما:"المقام المحمود" بالألف واللام (4).

وقوله: "حَلَّتْ له شفاعتي"(5)؛ أي: استحقت، ووجبت، أو نزلت عليه. يقال: حلَّ يَحُل -بالضم-: إذا نزل، واللام بمعنى على، ويؤيده رواية مسلم:"حَلَّتْ عليه"(6).

ووقع في الطحاوي، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه:"وَجَبَتْ له"، ولا يجوز أن يكون حلت من الحِل؛ لأنها لم تكن قبلَ ذلك محرمة.

والمراد بالشفاعة: لرفع الدرجات، ودفع المناقشات (7).

(1) انظر: "شرح العمدة" لشيخ الإسلام ابن تيمية (4/ 127)، و"المستوعب" للسامري (2/ 66).

(2)

رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 410).

(3)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 95).

(4)

رواه ابن خزيمة في "صحيحه"(420)، وتقدم تخريجه قريبًا عند النسائي.

(5)

انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 1274)، (مادة: حلل).

(6)

رواه مسلم (384)، كتاب: الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، إلا أنه وقع عنده:"حلَّت له"، والشارح ذكر كلام الحافظ ابن حجر في "الفتح"(2/ 95).

(7)

رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 145).

ص: 190

ونقل عياضٌ عن بعض شيوخه: أنه كان يرى اختصاص ذلك بمن قاله مخلِصًا، مستحضِرًا إجلالَ النبي صلى الله عليه وسلم، لا من قصدَ بذلك مجردَ الثواب، ونحوه (1).

قال في "الفتح": وهو تحكُّم غيرُ مُرْضٍ، ولو كان أخرجَ الغافل اللاهي، لكان أشبهَ.

وقال المهلب: في الحديث الحض على الدعاء في أوقات الصلوات؛ لأنه حال رجاء الإجابة (2)؛ فقد روى الإمام أحمد من حديث أنس- رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاءُ لا يُرَدُّ بينَ الأذان والإقامة"(3)، ورواه الترمذي، وزاد: قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: "سَلُوا اللهَ العافيةَ في الدنيا والآخرة"(4).

وفي "صحيح مسلم"، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، رضيتُ بالله رَبًّا، وبمحمدٍ رسولًا، وبالإسلامِ دينًا، غُفِرَ له"، وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم (5).

(1) انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (2/ 253).

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 96).

(3)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 119)، والترمذي (212)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، وقال: حسن صحيح.

(4)

رواه الترمذي (3594)، كتاب: الدعوات، باب: في العفو والعافية، وقال: حسن.

(5)

رواه مسلم (386)، كتاب: الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، وأبو داود (525)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقول إذا سمع =

ص: 191

وفي حديث عائشة رضي الله عنها، عند أبي داود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع المؤذن تشهَّد، قال:"وأنا، وأنا"(1).

وفي حديث أم سلمة رضي الله عنها، عند أبي داود، قالت: علَّمني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن أقول عند أذان المغرب: "اللهمَّ هذا إقبالُ ليلِك، وإدبارُ نهارِك، وأصواتُ دُعاتِك، وحضورُ صلواتِك، فاغفرْ لي"(2).

وفي "صحيح مسلم"، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتُم المؤذنَ، فقولوا مثلَ ما يقول، ثم صلُّوا علي؛ فإنه من صلى عليَّ صلاة، صلَّى الله بها عليه عشرًا، ثم سَلُوا ليَ الوسيلةَ؛ فإنها منزلةٌ في الجنة، لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكونَ أنا هو، فمن سأل لي الوسيلةَ، حَلَّتْ عليه الشفاعةُ"(3).

= المؤذن، والنسائي (679)، كتاب: الأذان، باب: الدعاء عند الأذان، والترمذي (210)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء: ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن من الدعاء، وابن ماجه (721)، كتاب: الأذان، باب: ما يقال إذا أذن المؤذن، وهذا لفظ أبي داود.

(1)

رواه أبو داود (526)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقول إذا سمع المؤذن، وابن حبان في "صحيحه"(1683)، والحاكم في "المستدرك"(734)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 409).

(2)

رواه أبو داود (530)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقول عند أذان المغرب، والترمذي (3589)، كتاب: الدعوات، باب: دعاء أم سلمة، وقال: غريب.

(3)

تقدم تخريجه برقم (384) عنده، وقدمنا أنه وقع في المطبوع:"حلت له الشفاعة"، وكذلك ذكره النووي في "رياض الصالحين" (ص: 257)، والمنذري في "الترغيب والترهيب"(389)، (1/ 114)، وشيخ الإسلام في "الكلم الطيب" (ص: 33). وخالف في ذلك الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(2/ 95)، فقال:"حلت عليه الشفاعة"، فالله أعلم.

ص: 192

فهذه خمسُ سُنن في الأذان: إجابته، وقول: رضيتُ بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا حين يسمع التشهد، وسؤالُ الله لرسوله الوسيلةَ والفضيلةَ، والصلاةُ عليه صلى الله عليه وسلم، والدعاءُ لنفسه، كما أشار إليه ابن القيم في "الكَلِم"(1)، وشيخه شيخ الإسلام في "الفتاوى المصرية"(2)، وغيرهما، والله أعلم.

الرابع: لا يُستحب الترجيعُ في الأذان: وهو ذكرُ الشهادة مرتين، خُفية، ثم جَهْرة، وهو من الرجوع إلى ذكرهما جهرًا، بعد أن ذكرهما خفية؛ لأن الذي اختاره إمامُنا أذانُ بلال رضي الله عنه؛ لكونه كان أكثر مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم ملازمة له، حضرًا وسفرًا، أذن له بمكة والمدينة، حتى توفي صلى الله عليه وسلم، وهو مُقِرٌّ له على أذانه، مستصحِبٌ له، وما كان ليقرَّه إلا على الأتم الأكمل؛ فلذا اختار أذانه سيدُنا الإمام أحمد.

قال الحافظ ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق": لا يستحب الترجيع في الأذان، وقال مالك والشافعي: يستحب.

لنا: حديث ابن عمر في "الصحيحين"(3)، وحديث عبد الله بن زيد في "المسند"، و"السنن"، وغيرهما، من صفة أذان بلال، وما ألقاه عليه عبد الله بن زيد، فكان يؤذن بذلك، ويدعو رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل له: إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نائم، فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاةُ خيرٌ من النوم. قال سعيد بن المسيب: فأُدخلت هذه الكلمة في التأذين لصلاة الفجر (4).

(1) انظر: "الوابل الصيِّب من الكلم الطيب" لابن القيم (ص: 142).

(2)

وانظر: "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (1/ 200، 247).

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

تقدم تخريجه.

ص: 193

وحديث عبد الله بن زيد أصلُ الأذان، وليس فيه ترجيعٌ، فدل على أنه المستحب، وعليه عمل أهل المدينة، والأخذ بالمتأخر من حال النبي صلى الله عليه وسلم أولى.

واحتجوا للترجيع، بما رواه الإمام أحمد، من أذان أبي محذورة، واسمه: سَمُرَةُ بنُ مِعْيَر -بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الياء فراء مهملة آخر الحروف، بوزن مِقْسم-، عن عبد الله بن مُحَيريز، وكان يتيمًا في حَجر أبي محذورة، قال: قلت لأبي محذورة: أخبرني عن تأذينك؟ قال: نعم، خرجت في نفر، فكنتُ في بعض طريق حُنين، مَقْفَلَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطرق، فأذن مؤذنُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة، فسمعنا صوت المؤذن، فصرخنا نَحْكيه، ونستهزىء به، فسمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم الصوت، فأرسل إلينا، إلى أن وقفنا بين يديه، فقال:"أيكم الذي سمعتُ صوتَه قد ارتفَع؟ "، فأشار القومُ كلهم إليَّ، وصَدَقوا، فأرسلهم كلَّهم، وحبسني، فقال: قمْ فأَذِّنْ بالصلاة، فقمتُ ولا شيءَ أكرهُ إليَّ من النبي وما يأمرني به، فقمتُ بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فألقى على رسولُ الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه: الله أكبر، الله أكبر، قال روح: مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال لي:"ارجع فامدُدْ من صوتك"، ثم قال لي:"قل: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله "

إلخ.

ثم دعاني حين قضيتُ التأذين، فأعطاني صرة فيها شيءٌ صلى الله عليه وسلم من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أَمَرَّها على وجهه، ثم بين ثدييه، ثم على كبده، وقال:"باركَ اللهُ فيكَ، وباركَ عليكَ"، فقلت: يا رسول الله!

ص: 194

مُرْني بالتأذين بمكة، قال:"قد أمرتُك"، وذهب كلُّ شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية، وعاد ذلك كلُّه محبةً لرسول صلى الله عليه وسلم الله صلى الله عليه وسلم. وفيه: أنه علمه الإقامة مثنى مثنى، ورواه الترمذي، وصححه (1).

وأجاب عن هذا علماؤنا: أنه لما لقن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الأذانَ أبا محذورة، وكان من المؤلَّفة كافرًا، أعاد عليه الشهادةَ وكررها؛ لتثبتَ عندَه، ويخصصها ويكررها على أصحابه المشركين، فإنهم كانوا ينفرون منها، خلافَ نفورهم من غيرها، فلما كررها عليه، ظنَّها من الأذان، فعدَّ الأذان تسعَ عشرةَ كلمة، وإذا كان كذلك، لم يكن تكرارُها سنة.

وأيضًا: أذان أبي محذورة: عليه أهلُ مكة، وما ذهب إليه إمامنا: عليه أهل المدينة، ويعمل على المتأخر من الأمور.

وبعضهم زعم: أن في أذان بلال ترجيعًا، وهذا محال، لأنه لا يختلف أهل الحديث في أن بلالًا كان لا يُرَجِّعُ. وفي سنده عبدُ الله بنُ محمد بنِ عمار بنِ سعدٍ القرظي، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، والله أعلم (2).

* * *

(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 409)، والترمذي (192)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الترجيع في الأذان.

(2)

انظر: "تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (1/ 271 - 276).

ص: 195