المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام - جـ ٢

[السفاريني]

فهرس الكتاب

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادى عشر

- ‌باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب الأذان

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب استقبال القبلة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب الصفوف

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الإمامة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌باب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود

- ‌باب القراءة في الصلاة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب ترك الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

- ‌باب سجود السهو

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌باب المرور بين يدي المصلي

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب جامع لأحكام متفرقة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌باب التشهد

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

الفصل: ‌ ‌الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ:

‌الحديث الرابع

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ؛ عَلَى الجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِه إلى أَنْفِهِ، واليَدَيْنِ، والرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ"(1).

(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه البخاري (776، 777)، كتاب: صفة الصلاة، باب: السجود على سبعة أعظم، و (779)، باب: السجود على الأنف، واللفظ له، إلا أنه قال:"على أنفه" بدل "إلى أنفه"، وسيأتي تنبيه الشارح رحمه الله عليه، و (782)، باب: لا يكف شعراً، و (783)، باب: لا يكف ثوبه في الصلاة، ومسلم (490)، (227 - 231)، كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود ووأبو داود (889، 890)، كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود، والنسائي (1093)، كتاب: التطبيق، باب: على كم السجود، و (1096)، باب: السجود على الأنف، و (1097)، باب: السجود على اليدين، و (1098)، باب: السجود على الركبتين، و (1113)، باب: النهي عن كف الشعر في السجود، و (1115)، باب: النهي عن كف الثياب فى السجود، والترمذي (273)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في السجود على سبعة أعضاء، وابن ماجه (883، 884)، كتاب: الصلاة، باب: السجود.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

"عارضة الأحوذي" لابن العربي (2/ 71)، و"إكمال، المعلم" للقاضي عياض (2/ 404)، و"المفهم" للقرطبي (2/ 94)، و"شرح مسلم" للنووي (4/ 206)، "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (1/ 223)، =

ص: 346

(عن) حبر هذه الأمة (عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت) بضم الهمزة في جميع الروايات بالبناء لما لم يُسم فاعله، والمراد به: الله جل جلاله.

(أن أسجد) قال ابن الأنباري: السجود يرد لمعانٍ؛ منها: الانحناء والميل، من قولهم: سجدت الدابة، وأسجدت: إذا خفضت رأسها لتركب، ومنها: الخشوع والتواضع، ومنها: التحية.

قال الجوهري: سجد: خضع، ومنه سجود الصلاة (1)، قاله في "المطلع"(2).

وفي "القاموس": سجد: خضع، وانتصب، ضد، وأسجد: طأطأ رأسه، وانحنى. ثم قال:{وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [البقرة: 58]؛ أي: ركعاً، انتهى (3).

قال الإمام ابن القيم: شرع السجود على أكمل الهيئات وأبلغها في العبودية، وأعمها لسائر الأعضاء، بحيث يأخذ كل جزءٍ من البدن بحظه من العبودية.

قال: والسجود سر الصلاة، وركنها الأعظم، وخاتمة الركعة، وما قبله

= و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (1/ 464)، "فتح الباري" لابن رجب (15/ 13)، "فتح الباري" لابن حجر (2/ 296)، و"عمدة القاري" للعيني (6/ 89)، و"فيض القدير" للمناوي (2/ 191)، و"سبل السلام" للصنعاني (1/ 181)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (2/ 287).

(1)

انظر: "الصحاح" للجوهري (2/ 483)، (مادة: سجد).

(2)

انظر: "المطلع على أبواب المقنع" لابن أبي الفتح (ص: 77).

(3)

انظر: "القاموس المحيط " للفيروزأبادي (ص: 366)، (مادة: سجد).

ص: 347

من الأركان كالمقدمات له، فهو شبه طواف الزيارة في الحج، فإنه مقصود الحج، ومحل الدخول على الله تعالى وزيارته، وما قبله كالمقدمات له. قال: ولهذا "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ"(1)، وأفضل أحواله حالٌ يكون فيها أقرب إلى الله؛ ولهذا كان الدعاء في هذا المحل أقرب إلى الإجابة.

ولما خلق الله -سبحانه- العبد من الأرض، كان جديراً بألا يخرج عن أصله، بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطبع والنفس بالخروج عنه؛ فإن العبد لو ترك وطبعه ودواعي نفسه، لتكبر وأشر، وخرج عن أصله الذي خلق منه، وتوثب على حق ربه من الكبرياء والعظمة، فنازعه إياهما، فأمر بالسجود خضوعاً لعظمة ربه وفاطره، وخشوعاً له، وتذللاً بين يديه، وانكساراً له، فيكون هذا الخشوع والخضوع والتذلل راداً له إلى حكم العبودية، ويتدارك به ما حصل له من الهفوة والغفلة والإعراض الذي خرج به عن أصله، فيمثل له حقيقة التراب الذي خلق منه، فيضع أشرف شيء منه وأعلاه، وهو الوجه فيه، وقد صار أعلاه، أسفله، خضوعاً بين يدي ربه الأعلى، وخشوعاً له، وتذللاً لعظمته، واستكانة لعزته، وهذا غاية خشوع الظاهر؛ فإن الأرض التي خلق منها مذللةٌ للوطء بالأقدام، وقد استعمره فيها، ورده إليها، ووعده بالإخراج منها، فهي أمه وأبوه، وأصله وفصله وعنصره، تضمه حياً على ظهرها، وميتاً في بطنها، وجعلت طهوراً له ومسجداً، فأمر بالسجود الذي هو غاية خشوع الظاهر، وأجمع العبودية لسائر الأعضاء (2).

(1) فيما رواه مسلم (482)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

انظر: "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم " لابن القيم (ص: 209 - 210).

ص: 348

ولهذا قال خلاصة العالم صلى الله عليه وسلم: (على سبعة أعظم). وفي لفظ عندهما: "سبعة أعضاءٍ"(1).

وفي روايةٍ عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سجد العبد، سجد معه سبعة آراب .. " الحديث، رواه الجماعة إلا البخاري (2).

و"الآراب":-بالمد-: جمع إرب -بكسر أوله وإسكان ثانيه-: العضو (3).

سمى النبي صلى الله عليه وسلم كل واحدٍ من هذه الأعضاء عظماً باعتبار الجملة، وإن اشتمل كل واحدٍ منها على عظام، ويجوز أن يكون من باب تسمية الجملة باسم بعضها (4).

ثم فصل السبعة أعضاء بإعادة حرف الجر تأكيداً، فقال:(على الجبهة) بدأ بها؛ لأنها الأصل، ولهذا لو عجز عن السجود بالجبهة، لم يلزم بغيرها، وأومأ ما أمكنه، وسقط لزوم باقي الأعضاء تبعاً لها، على معتمد المذهب، وفاقاً لمالك (5).

(1) هو لفظ البخاري فقط دون مسلم، وقد تقدم تخريجه عنده برقم (776).

(2)

رواه مسلم (491)، كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود، وأبو داود (891)، كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود، والنسائي (1099)، كتاب: التطبيق، باب: السجود على القدمين، والترمذي (272)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في السجود على سبعة أعضاء، وابن ماجه (885)، كتاب: الصلاة، باب: السجود، لكن من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.

(3)

انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (1/ 36).

(4)

انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (1/ 223).

(5)

انظر: "كشاف القناع" للبهوتي (1/ 351).

ص: 349

(وأشار صلى الله عليه وسلم بيده إلى أنفه) بلفظة "إلى"، كما في بعض النسخ من رواية كريمة، وفي رواية ابن طاوس: وأشار بيده على أنفه، كأنه ضمن أشار معنى أمرَّ -بتشديد الراء-، فلذلك عداه بـ"على" دون "إلى". وعند النسائي من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي طاوس، فذكر هذا الحديث، وقال في آخره: قال ابن طاوس: ووضع يده على جبهته، وأمرَّها على أنفه، وقال: هذا واحدٌ (1). فهذه رواية مفسرهٌ (2).

قال القرطبي: هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود، والأنف تبع (3).

ونظر فيه ابن دقيق العيد؛ لأنه يلزم منه أن يكتفى بالسجود على الأنف، كما يكتفى بالسجود على بعض الجبهة.

وقد احتج بهذا لأبي حنيفة في الاكتفاء بالسجود على الأنف. قال: والحق أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة، وإن أمكن أن يعتمد أنها كعضوٍ واحدٍ، وذلك في التسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دل عليه الأمر (4).

ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزىء السجود على الأنف وحده.

وذهب الجمهور إلى أنه يجزىء على الجبهة وحدها.

ومعتمد مذهب الإمام أحمد: يجب الجمع بينهما، وهو مذهب

(1) تقدم تخريجه عند النسائي برقم (1098) عنده.

(2)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 296).

(3)

انظر: "المفهم" للقرطبي (2/ 94).

(4)

انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (1/ 224).

ص: 350

الأوزاعي، وإسحاق، وقول ابن حبيب من المالكية، وغيرهم. قال في "الفتح": وهو قول الإمام الشافعي (1).

(واليدين) وهما العضو الثاني والثالث من أعضاء السجود، والمراد بهما: الكفان؛ لئلا يدخل تحت المنهي عنه من افتراش السبع والكلب (2).

ووقع بلفظ: "الكفين" في رواية حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عند مسلم (3).

(والركبتين): تثنية رُكبةٍ -بالضم-، وهي ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق (4).

وهما: الرابع والخامس من أعضاء السجود.

(وأطراف): جمع طرفٍ، وهو منتهى (القدمين) تثنية قدمٍ، وهي مؤنثةٌ، وهما السادس والسابع من أعضاء السجود.

قال ابن المنير: المراد: أن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما، وعقباه مرتفعتان، فيستقبل بظهور قدميه القبلة (5).

تنبيهات:

الأول: ظاهر هذا الحديث -كغيره من الأحاديث الصحيحة الصريحة-: وجوبُ السجود على هذه الأعضاء المذكورة؛ لأن الأمر للوجوب، وهذا مذهبنا كالمالكية، ومعتمد قول الشافعية -خلا الأنف عندهم-.

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 296 - 297).

(2)

انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (1/ 225).

(3)

تقدم تخريجه عنده برقم (490/ 227).

(4)

انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 117)، (مادة: ركب).

(5)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 295).

ص: 351

وقال أبو حنيفه: لا يجب السجود إلا على الجبهة -يعني: مع الأنف-.

وعن الشافعي: فيما عدا الجبهة قولان (1).

ولا يخفى قوة دليلنا ومن وافقنا على من لم يقل بذلك؛ ولهذا قال ابن دقيق العيد: لم أر من لم يقل بوجوب ذلك عارضه بدليل قوي؛ فإنه استدل لعدم الوجوب بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث رفاعة: "ثم يسجد، فيمكن جبهته"(2).

وغاية هذا: أن يكون دلالة مفهوم لقب، أو غاية، ودلالة المنطوق الدالة على وجوب السجود على هذه الأعضاء مقدمة.

وأضعفُ من هذا: ما استدل به على عدم الوجوب من قوله صلى الله عليه وسلم: "سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته"(3).

قالوا: فأضاف السجود إلى الوجه، ولا ريب: أنه لا يلزم من ذلك انحصار السجود فيه.

وأضعف من هذا: زعمُهم بأن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة؛ فإن هذا -مع كونه قياساً في معارضة نص-، فقد دل الحديث على إثبات زيادة على المسمى، فلا تترك (4).

(1) انظر: "تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (1/ 407).

(2)

رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(4525)، والحاكم في "المستدرك"(881)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(2/ 102)، وابن الجارود في "المنتقى"(194).

(3)

رواه أبو داود (1414)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقول إذا سجد، والنسائي (1129)، كتاب: التطبيق، باب: نوع آخر، والترمذي (3425)، كتاب: الدعوات، باب: ما يقول في سجود القرآن، وقال: حسن صححِح، والإمام أحمد في "المسند"(6/ 30)، عن عائشة رضي الله عنها.

(4)

انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (1/ 223 - 224).

ص: 352

ولا تخفى أرجحية الوجوب على مُنصف، قال في "الفتح": والذي يظهر: أن الأحاديث الواردة في الاقتصار على الجبهة، لا تعارض الحديث المنصوص فيه على الأعضاء السبعة. بل الاقتصار على الجبهة؛ إما لكونها أشرفَ الأعضاء المذكورة، أو أشهرَها في تحصيل هذا الركن، فليس فيها ما ينفي الزيادة التي في غيرها، والله الموفق (1).

الثاني: قال في "الفروع": ويخر ساجداً، فيضع ركبتيه ثم يديه، وفاقاً لأبي حنيفة، والشافعي. وعنه: عكسه؛ وفاقاً لمالك، ثم جبهته وأنفه.

قال: وسجوده عليها -يعني: الأعضاء المذكورة-، وعلى قدميه، ركنٌ مع القدرة، اخمْاره الأكثر. وعنه: إلا الأنف، اختاره جماعة.

ومذهب الحنفية: أن وضع القدمين فرض في السجود، لتحقق السجود، وإن عجز بالجبهة، أومأ ما أمكنه، وفاقاً لمالك.

وقيل: يلزم السجود بالأنف؛ وفاقاً لأبي حنيفة، والشافعي، وإن قدر بالوجه، تبعه بقية الأعضاء، وإن عجز به، لم يلزمه بغيره، خلافاً لتعليق القاضي؛ لأنه لا يمكن وضعه بدون بعضها، ويمكن رفعه بدون شيءٍ منها، ولا يلزم بجزء بدل الجبهة مطلقاً، خلافاً لأبي حنفية، وخالفه صاحباه، ويجزىء بعض العضو، لابعضها فوق بعض، على الصحيح المعتمد، ومباشرة المصلي بشيء منها -أي: أعضاء السجود- ليس ركناً في ظاهر المذهب؛ وفاقاً لأبي حنيفة، ومالك. نعم، يكره عدم ذلك لغير عذر، والله تعالى الموفق (2).

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 297).

(2)

انظر: "الفروع" لابن مفلح (1/ 380).

ص: 353

الثالث: قال الإمام ابن القيم في حكمة السجود: إنه يعفر وجهه في التراب استكانةً، وتواضعاً، وخضوعاً، وإلقاء باليدين.

ولذا قال مسروقٌ لسعيد بن جبير: يا سعيد! ما بقي شيءٌ نرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في هذا التراب له (1).

وكان صلى الله عليه وسلم لا يتقي الأرض بوجهه قصداً، بل إذا اتفق له ذلك، فعله، ولذلك سجد في الماء والطين (2)، ولهذا كان من كمال السجود الواجب أن يسجد على الأعضاء السبعة، فهذا الذي أمر الله به رسولَه، وبلَّغه الرسولُ لأمته.

ومن كماله المستحب أو الواجب: مباشرة مصلاه بأديم وجهه، واعتماده على الأرض؛ بحيث ينالها ثقل رأسه، وارتفاع أسافله على أعاليه، فهذا من تمام السجود.

ومن كماله: أن يكون على هيئة يأخذ كل عضوٍ من البدن بحظه من الخضوع، فيقل بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويجافي عضديه عن جنبيه، ولا يفرشهما على الأرض؛ ليستقل كل عضوٍ منه بالعبودية.

ولذلك إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجداً لله، اعتزل ناحيةً يبكي ويقول: يا ويله! أُمر ابنُ آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأُمرت بالسجود

(1) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(6/ 80)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 96)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(57/ 423).

(2)

رواه البخاري (638)، كتاب: الجماعة والإمامة، باب: هل يصلي الإمام بمن حضر، وهل يخطب يوم الجمعة في المطر؟ ومسلم (1167)، كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر، والحث على طلبها، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

ص: 354

فعصيت، فلي النار (1)، ولذلك أثنى -جل ذكره وتقدست أسماؤه- على الذين يخرون له سجداً عند سماع كلامه، وذم من لا يقع ساجداً.

ولما علمت السحرة صدقَ موسى، وكذبَ فرعون، خروا سجداً لربهم، فكانت تلك السجدة أول سعادتهم وغفران ما أفنوا فيه أعمارهم من السحر.

ولما كانت العبودية غاية كمال الإنسان وقربه من الله تعالى بحسب نصيبه من عبوديته، وكانت الصلاة جامعة لمتفرق العبودية، متضمنةً لأقسامها، كانت أفضل أعمال العبد، ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط منه، وكان السجود أفضل أركانها الفعلية، وسرَّها الذي شرعت لأجله، وكان تكرره في الصلاة أكثر من تكرر سائر الأركان، وجعل خاتمة الركعة وغايتها، وشرع فعله بعد الركوع؛ فإن الركوع توطئة له، ومقدمة بين يديه، وشرع فيه من الثناء على الله ما يناسبه، وهو قول العبد: سبحان ربي الأعلى (2)، كما يأتي.

وقال الحافظ ابن رجب في كتابه "الذل والانكسار للعزيز الجبار": السجود أعظم ما يظهر فيه ذل العبد لربه- عز وجل؛ حيث جعل العبد أشرف ما له من الأعضاء، وأعزها عليه، وأعلاها حقيقةً، أوضعَ ما يمكنه، فيضعه في التراب متعفراً، ويتبع ذلك انكسار القلب، وتواضعه، وخشوعه لله- عز وجل.

ولهذا كان جزاء المؤمن إذا فعل ذلك: أن يقربه الله إليه، فإن "أقرب

(1) رواه مسلم (81)، كتاب: الإيمان، باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

انظر: "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم" لابن القيم (ص: 210 - 212).

ص: 355

ما يكون العبدمن الله وهو ساجدٌ" (1)، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الله تعالى:{وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]؛ ولهذا كان يأنف منه المشركون المستكبرون عن عبادة الله عز وجل، وكان يقول بعضهم: أكره أن أسجد، فتعلوني استي؛ فكأن العبد المؤمن يقول -حال سجوده-: العز والكبرياء، والعظمة والتقديس وصفك، والذل والانكسار، والتواضع والافتقار وصفي.

ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال ليلةً في سجوده: "أقولُ كما قال أخي داود عليه السلام: أعفرُ وجهي في الترابِ لسيدي، وحُق لوجهِ سيدي؛ أن تُعَفَّرَ الوجوهُ لوجْهِهِ"(2)، والله أعلم (3).

* * *

(1) تقدم تخريجه.

(2)

رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(3838)، وفي "فضائل الأوقات"(27)، عن عائشة رضي الله عنها.

(3)

انظر: "الذل والانكسار" لابن رجب (1/ 304 - 305) من "مجموع رسائل الحافظ ابن رجب".

ص: 356