الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الأول
عَنْ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْم، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ، خَيرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ". قَالَ أَبُو النَّضَرِ: لَا أَدْرِي أقَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنةً (1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (488)، كتاب: سترة المصلي، باب: إثم المار بين يدي المصلي، ومسلم (557)، كتاب: الصلاة، باب: منع المار بين يدي المصلي، إلا قوله:"من الإثم"، فإنه ليس من حديثهما، وسيأتي تنبيه الشارح عليه. ورواه أيضًا: أبو داود (701)، كتاب: الصلاة، باب: ما ينه عنه المرور بين يدي المصلي، والنسائي (756)، كتاب: القبلة، باب: التشديد في المرور بين يدي المصلي وبين سترته، والترمذي (336)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في كراهية المرور بين يدي المصلي، وابن ماجه (945)، كتاب: الصلاة، باب: المرور بين يدي المصلي.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"الاستذكار" لابن عبد البر (2/ 277)، و"عارضة الأحوذي " لابن العربي (2/ 130)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (2/ 421)، و"المفهم" للقرطبي (2/ 106)، و"شرح مسلم" للنووي (4/ 224)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 39)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (1/ 546)، و"فتح الباري" لابن رجب (2/ 677)، و"فتح الباري" لابن حجر (1/ 584)، و"عمدة القاري" للعيني (4/ 293)، و"سبل =
(عن أبي جهيم) -بضم الجيم، وفتح الهاء، على التصغير- واسمه عبد اللَّه (بن الحارث بن الصِّمَّة)، -بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم-، وقيل: ابن جهيم بن الحارث، وقيل: الحارث، وقيل: أبو الجهم -بالتكبير- (الأنصاري)؛ وهذا هو الأصح في نسبه، واسمه.
وفي "البرماوي": أن أباه من كبار الصحابة (رضي الله عنه)، وعن أبيه، وعن سائر أصحاب رسول اللَّه أجمعين (1).
(قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لو يعلم المار بين يدي المصلي)؛ أي: أمامه بالقرب منه، وإنما عبر باليدين، لكون أكثر الشغل يقع بهما، واختلف في تحديد ذلك:
فقيل: إذا مر بينه وبين مقدار سجوده. وقيل: بينه وبين قدر رمية حجر وقيل: بينه وبين قدر ثلاثة أذرع (2).
وهذا معتمد المذهب؛ حيث لا سترة؛ فإن كانت: فبينه وبين سترته ولو بعد منها؛ خلافًا للشافعي (3).
(ماذا عليه من الإثم)؛ وهذه الزيادة، يعني:"من الإثم"، في رواية الكشميهني، خاصة، من "صحيح البخاري"(4)، والحديث في "الموطأ" بدونها (5).
= السلام" للصنعاني (1/ 142)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (3/ 8).
(1)
وانظر ترجمته في: "الكنى والأسماء" لمسلم (1/ 195)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (4/ 1624)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (6/ 58)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (7/ 73).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (1/ 585).
(3)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (1/ 415).
(4)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (1/ 585).
(5)
رواه الإمام مالك في "الموطأ"(1/ 154).
قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في شيء منه (1)؛ وكذا رواه باقي الستة، وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها.
قال في "الفتح": ولم أرها في شيء من الروايات مطلقًا، لكن في "مصنف ابن أبي شيبة" -يعني:"من الإثم"- فيحتمل أن يكون ذُكرتْ في أصلِ البخاري حاشيةً؛ فظنها الكشميهني أصلًا؛ لأنه لم يكن من أهل العلم، ولا من الحفاظ.
وقد عزاها المحب الطبري في ["الأحكام"](2) للبخاري، وأطلق؛ فعيب ذلك عليه، وعلى صاحب "العمدة" في إيهامه أنها في "الصحيحين".
وأنكر ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" على من أثبتها في الخبر، فقال: لفظ الإثم ليس في الحديث صريحًا.
ولما ذكره النووي في "شرح المهذب" بدونها، قال: في رواية رويناها في "الأربعين" لعبد القادر الهروي: "ماذا عليه من الإثم"(3).
(لكان أن يقف أربعين)، يعني: أن المار لو يعلم مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلي، لاختار أن يقف المدة المذكورة؛ حتى لا يلحقه ذلك الإثم.
(1) انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (21/ 146).
(2)
في الأصل: "الآكام"، والتصويب من "الفتح"(1/ 585). وتقدم التعريف بكتابه هذا فيما سبق.
(3)
انظر: "المجموع شرح المهذب" للنووي (3/ 219 - 220). وانظر: "فتح الباري" لابن حجر (1/ 585). وقد قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي في "الجمع بين الصحيحين"(1/ 340): قيل: إنها وقعت في بعض طرق البخاري في بعض روايات أبي ذر، عن أبي الهيثم.
(خيرًا)، جواب "لو" المقدرة، لا المذكورة، بل التقدير: لو يعلم ما عليه، لوقف أربعين، ولو وقف أربعين، لكان خيرًا له، كذا في "الفتح". قال: وليس هذا التقدير متعينًا (1).
(له)؛ أي: المار بين يدي المصلي.
(من أن يمر بين يديه)؛ أي: المصلي، وأبهم العدد؛ تفخيمًا للأمر وتعظيمًا.
قال الكرماني: وخص الأربعين بالذكر؛ لأن الأربعة أصل جميع الأعداد، فلما أريد التكثير، ضربت في عشرة؛ ولأن كمال أطوار الإنسان بأربعين؛ كالنطفة، والمضغة، والعلقة، وكذا بلوغ الأَشُدّ، ويحتمل غير ذلك، انتهى.
وفي "صحيح ابن حبان"، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا:"لكان أن يقف مئة عام؛ خيرًا له، من الخطوة التي خطاها"(2).
وهذا مشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معين؛ لأن التقييد بالمئة، وقع بعد التقييد بالأربعين، زيادة في تعظيم الإثم على المار؛ لأنهما لم يقفا معًا، إذ المئة أكثر من الأربعين، والمقام مقام زجر وتخويف، فلا يناسب أن يتقدم ذكر المئة على الأربعين؛ بل
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (1/ 585). قال ابن العربي في "العارضة"(2/ 131): روي برفع خير ونصبه، إذا رفعت "خيرًا" فخبر كان في جملة "أن يقف"، وإذا نصبته فهو الخبر، وهاتان الجملتان نكرتان تعرفتا بالإضافة، والثانية التي هي "خير له" أعرف من الأولى.
(2)
رواه ابن حبان في "صحيحه"(2365)، وكذا ابن ماجه (946)، كتاب: الصلاة، باب: المرور بين يدي المصلي.
المناسب: أن يتأخر، ومميز الأربعين: إن كان هو السنة، ثبت المدعى، أو ما دونها، فمن باب أولى (1).
وفي "مسند البزار"، من طريق ابن عيينة، التي ذكرها ابن القطان:"لكان أن يقف أربعين خريفًا"(2).
(قال أبو النضر): هو من كلام الإمام مالك، وليس من تعليق الشيخين.
واسم أبي النضر-بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة-: سالم بن أمية، القرشي مولى عمر بن عبيد اللَّه بن معمر التيمي القرشي المدني، يعد في التابعين، وأكثر رواياته عنهم.
روى عنه: مالك، والثوري، وابن عيينة، وكان رجلًا صالحًا، مات في خلافة مروان بن محمد، وكان ثقة، قال خليفة بن الخياط: توفي سنة تسع وعشرين ومئة، روى له الجماعة (3).
(لا أدري أقال) بهمزة الاستفهام -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم: (أربعين يومًا، أو) أربعين (شهرًا، أو) أربعين (سنة).
وفي "الموطأ": أن كعب الأحبار قال: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يخسف به، خيرًا له من أن يمر بين يديه"(4).
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (1/ 585).
(2)
رواه البزار في "مسنده"(3782).
(3)
وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى - القسم المتمم" لابن سعد (ص: 312)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (4/ 111)، و"الثقات" لابن حبان (6/ 407)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (20/ 29)، و"تهذيب الكمال" للمزي (10/ 127)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (3/ 372).
(4)
رواه الإمام مالك في "الموطأ"(1/ 155).
تنبيهات:
الأول: وقع في رواية أبي العباس، من طريق الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر:"لو يعلم المار بين يدي المصلي، والمصلَّى"(1)؛ فحمله بعضهم على ما إذا قصَّر المصلي في دفع المار، أو بأن صلى في الشارع.
وفي "الفتح": يحتمل أن يكون قوله: "والمصلَّى" -بفتح اللام-؛ أي: بين يدي المصلي من داخل سترته، وهذا أظهر، والله أعلم (2).
الثاني: قال النووي: في هذا الحديث دليل على تحريم المرور؛ فإن معنى الحديث [معناه](3): النهي الأكيد، والوعيد الشديد (4).
قال في "الفتح": ومقتضى ذلك أن يعد في الكبائر (5).
الثالث: ظاهر عموم النهي: في كل مصل، وخصه بعض المالكية بالإمام، والمنفرد، لأن المأموم، لا يضره من مر بين يديه، لأن سترة إمامه سترة له، والتعليل المذكور لا يطابق المدعى؛ لأن السترة تفيد رفع الحرج عن المصلي، لا عن المار.
قال في "الفروع" في قوله: "وسترة الإمام سترة لمن خلفه"؛ معنى ذلك: فيما إذا مرَّ ما يبطلها -يعني: الصلاة-؛ من نحو الكلب الأسود البهيم؛ فإنه إذا مر بين يدي المأموم، لا تبطل صلاته؛ لأن سترة الإمام سترة
(1) قال الحافظ ابن رجب في "فتح الباري"(2/ 678): خرَّجه أبو العباس السَّرَّاج في "مسنده"، وهو وهم، وزيادته:"المصلَّى" غير محفوظة.
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (1/ 586).
(3)
كذا في الأصل، ولا ضرورة لها.
(4)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (4/ 225).
(5)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (1/ 586).
له، وأما في نهي الآدمي عن المرور: فعلى ظاهره.
وقال صاحب "النظم": لم أر أحدًا تعرض لجواز مرور الإنسان بين يدي المأمومين، فيحتمل جوازه اعتبارًا بسترة الإمام لهم حكمًا؛ ويحتمل اختصاص ذلك بعدم الإبطال؛ لما فيه من المشقة على الجميع.
قال في "الفروع": ومراده: عدم التصريح به، وقد قال القاضي عياض المالكي: اختلفوا في سترة الإمام؛ هل هي سترة لمن خلفه، أم هي سترة له خاصة، وهو سترة لمن خلفه، مع الاتفاق على (1) أنهم مصلون إلى سترة (2)؟.
ولمسلم، عن أبي هريرة، مرفوعًا:"إنما الإمام جُنَّة"(3) -أي: الترس-، يمنع من نقصٍ لصلاة المأموم؛ لا أنه يجوز المرور قُدَّامَ المأموم على ما سبق (4).
الرابع: ذكر ابن دقيق العيد: أن بعض الفقهاء -أي: المالكية- قسم أحوال المار في الإثم وعدمه إلى أربعة أقسام: يأثم المار دون المصلي، وعكسه، يأثمان جميعًا، وعكسه.
فالصورة الأولى: أن يصلي إلى سترة في غير مشرع، وللمار مندوحة، فيأثم المار دون المصلي.
والثانية: أن يصلي في مشرع مسلوك بغير سترة، أو متباعدًا عن السترة،
(1) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(2)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (2/ 418).
(3)
رواه مسلم (416)، كتاب: الصلاة، باب: النهي عن مبادرة الإمام بالتكبير وغيره.
(4)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (1/ 419).
ولا يجد المار مندوحة، فيأثم المصلي دون المار.
الثالثة: مثل الثانية، لكن يجد المار مندوحة، فيأثمان جميعًا.
الرابعة: مثل الأولى، لكن لا يجد المار مندوحة، فلا يأثمان جميعًا (1).
قلت: كلام علمائنا يخالف هذا التقسيم.
قال في "الفروع": ويحرم؛ وفاقًا لمالك، وللشافعي، وذكره غير واحد من الحنفية، [ويكره] المرور بين المصلي وسترته ولو بعد منها خلافًا للشافعي، وكذا بين يديه قريبًا في الأصح؛ خلافًا للشافعي -أيضًا-؛ وهو ثلاثة أذرع، وقيل: العرف، لا موضعُ سجوده.
وقيل: يكره المرور، لا أنه يحرم؛ وفاقًا لأبي حنيفة، نعم، إن احتاج إلى المرور في مكان ضيق، لم يرده. وقيل: بلى، وتكره الصلاة هناك ولا تحرم، والله أعلم (2).
* * *
(1) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 40). وقد نقل الشارح رحمه الله هنا كلام ابن دقيق عن الحافظ ابن حجر في "الفتح"(1/ 586).
(2)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (1/ 415).