الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كما أَن القرآن الكريم أعلن أَن صلح الحديبية، هو أَعظم نصر يحققه المسلمون ، لذلك وصفه تعالى بالفتح المبين وذلك في سورة الفتح التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه عائد من الحديبية فقال تعالى مشيدًا بصلح الحديبية وواصفًا إيّاه بالفتح المبين:
{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} (1) .. وعامة المفسّرين والمحدّثين -كما في صحيح البخاري على أَن سورة الفتح نزلت في صلح الحديبية، وأَن المراد بالفتح في هذه السورة هو صلح الحديبية التاريخي (2).
ثناء الله على أهل الحديبية:
وفي هذه السورة أَثنى الله تعالى على أَصحاب الشجرة الذين بايعوا النبي في الحديبية على الموت وأَعلن رضاءه عنهم، فقال تعالى:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} (3).
السكينة هنا (كما قاله المفسرون): الطمأْنينة وهي بيعة الرضوان.
والفتح القريب: الصلح.
وأَشاد تعالى بعظمة عمل المبايعين في الحديبية، معتبرًا مبايعتهم لرسوله، مبايعة لذاته تعالى وهذا أَعلى مراتب التكريم فقال تعالى:
(1) سورة الفتح الآية 1.
(2)
انظر صحيح البخاري ج 5 ص 265 وما بعدها.
(3)
سورة الفتح الآية 18.
وفي سورة الفتح ندَّد القرآن بالمنافقين والمشركين من الأَعراب الذين مرّ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة، فدعاهم إلى مصاحبته في رحلته التاريخية تلك، فتثاقلوا ثم امتنعوا ظانِّين أَن النبي صلى الله عليه وسلم، وأَصحابه ينهزمون أَمام قريش، قائلين: إِنما خرج محمد وأَكله رأْس (2) يقدم على قوم موتورين فأَبوا أَن ينفروا معه لذلك فقال تعالى منددًا بهؤلاءِ المنافقين والمشركين: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (3).
كما فضح فئة أُخرى من المنافقين الذين أُغرقوا في النفاق إِذ طلبوا من الرسول أَن يستغفر لهم بعد أَن رأوه يعود منتصرًا وأَصحابه معافين، وهم (أَي المنافقون) قد خذلوه وتخلّوا عنه حين استعان بهم واستنفرهم فاعتذروا بانشغالهم بأموالهم وأولادهم، بينما هم في الحقيقة يظنُّون أَن النبيّ وأصحابه ستكون مقبرتهم هناك في الحرم على أَيدي قريش، لذلك امتنعوا عن مرافقتهم في هذه الرحلة التاريخية التي انتهت بهذا الصلح العظيم .. فقد فضح الله النوايا الخبيثة وكشفها لرسوله ليكون على حذر منهم ومن دسائسهم فقال تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ
(1) سورة الفتح الآية 10.
(2)
أكلة رأس: تعبير عن قتلهم.
(3)
سورة الفتح الآية 6.
الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (1)، بل ظننتم أَن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أَهليهم أبدًا وزُين ذلك في قلوبكم وظننتم ظنّ السوء وكنتم قومًا بورًا" (2).
كما أَشار القرآن في سورة الفتح إلى تعنّت قريش وتعصبُّها الجاهلي في صدّها المسلمين عن الحرم وإلى الحكمة الخفيّة التي غابت عن البعض في صلح الحديبية فعارضوه، كما أَشار إِلى أَنَّ من أَسباب اتباع نبيّه طريق الصلح بدلًا من الحرب، هو أَن هناك مسلمين بين المشركين في مكة، أو سلك النبيّ صلى الله عليه وسلم طريق الحرب فانتصر لأَبيد كثير من هؤلاءِ المسلمين المستضعفين على أَيدي الجيش النبوي دونما علم منه فيصيبهم من ذلك بلاءً عظيمًا، فقال تعالى:{هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ (أَي محبوسًا بالحديبية) وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا - يقول: لو خرجوا من عند المشركين - لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (3) أَي لسلطناكم عليهم فاقتحمتم عليهم مكة بالسيف ولكن الحكمة - لا تعلمونها جعلنا القضية تسوّى عن طريق الصلح بدلًا من الحرب التي لو خضتموها لانتصرتم فيها على قريش، ومن هذه الحكمة، حماية المستضعفين المسلمين من معرّة الجيش الإسلامي المنتصر الذي لا يمكنه
(1) سورة الفتح الآية 11.
(2)
سورة الفتح الآية 12.
(3)
سورة الفتح الآية 25.
التمييز (ساعات الالتحام) بين المسلم والمشرك. كما أَشار القرآن إلى نجاح هذا الصلح بحقن دماء الفريقين وكفّ بعضهم عن بعض فقال تعالى:
كما أَكد القرآن في هذه السورة للمسلمين بأَنهم لو قاتلوا أَهل مكة عام الحديبية لهزموهم ولتغلَّبوا عليهم، ولكن لحكمة يجهلها المسلمون وبانت لهم فيما بعد - حال الله تعالى دون نشوب القتال بين الفريقين فقال تعالى:
كما ندّد القرآن بتعنُّت قريش واستفزازها للمسلمين، وتصلف مندوبهہافي المفاوضة سهيل بن عمرو وسيره في المفاوضة بروح جاهلية وحميّة وثنية حين رفض كتابة اسم (الرحمن الرحيم) في افتتاحية وثيقة الصلح. كما أَشاد القرآن في الوقت نفسه بحكمة النبي صلى الله عليه وسلم وصبره أَمام استفزازات قريش وتحدّياتها الجاهلية. وأَثنى على المسلمين لكبتهم لعواطفهم الفوَّارة والتزامهم السكينة وإِطاعتهم أَمر نبيّهم رغم كرههم للصلح، فقال تعالى:
{إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ
(1) سورة الفتح الآية 24.
(2)
سورة الفتح الآية 22.