الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 -
تأثر المشركين بواقع المسلمين:
ولعل من أكبر المكاسب التي جناها الإسلام والمسلمون من صلح الحديبية. هو أَن هنا الصلح قد أَتاح الفرصة للمسلمين والمشركين على السواءِ بأَن يختلطوا بعضهم ببعض.
ولقد كان من نتيجة ذلك الاختلاط الذي حدث بعد أن أمِن الناس بعضهم بعضًا - نتيجة هذا الصلح - أَن عرف المشركون المسلمين على حقيقتهم والإِسلام كما هو. . لا كما كانت تصوّره لهم أَبواق الوثنية المغرضة في مكة.
وقد تأَثر كثير من عقلاءِ المشركين بواقع المسلمين المشرّف الذي لمسوه وشهدوه عن كثب. . تأَثر كثير من هؤلاء العقلاء الوثنيين تأَثُّرًا بالغًا. . . حتى أَنه لم تمض على صلح الحديبية - الذي أَتاح للفريقين بأَن يختلط بعضهم ببعض آمنًا - بضعة عشر شهرًا حتى دخل في الإِسلام من الوثنيين وخاصة القرشيين أَكثر من الذين دانوا بالإسلام خلال خمس عشرة سنة.
ويكفي للتدليل على صحة هذا الرأْي، هو أَن عدد المسلمين يوم أُبرم صلح الحديبية لم يزد على أَلفين - في أَكبر تقدير - .. بينما بلغ عددهم في السنة الثامنة - وقبل فتح مكة بقليل - أَكثر من عشرة آلاف.
صلح الحديبية هو الفتح العظيم:
وقد دخل أَكثر هؤلاءِ في الإِسلام بفضل الله ثم بفضل ما أَتاحه صلح الحديبية خلال سنتين من اختلاط وتعارف ومناقشة ومفاوضة
حرة بين الفريقين. . ولهذا أُطلق فيما بعد على هذا الصلح اسم الفتح العظيم.
قال ابن إسحاق؛ عن الزهري: ما فتح في الإِسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أَعظم منه. . إِنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة هدنة الحديبية" ووضعت الحرب وأَمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أَحد بالإِسلام يعقل شيئًا إِلا دخل فيه. . ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإِسلام قبل ذلك أَو أَكثر (1).
فقد أَتاح هذا الاختلاط والتعارف للمشركين، أَن يروا هذا الجيل - جيل الإِسلام - على حقيقته.
فقد دهش المشركون لهذا التحول السريع العجيب في المسلمين الذين تحولَّوا من كل شيء - كانوا عليه أَيام شركهم - إِلى ضده.
لقد كانوا - قبل أَيام قليلة - مثل هؤلاءِ المشركين، تحكمهم الفوضى وتستبد بهم رغبات الجسد. عبدة أَصنام. . منتهكي حرمات. . مرتكبي جرائم، لا فرق بينهم وبين الحيوان السائم.
ولكنهم اليوم أَصبحوا يتفوقون عليهم في كل شيء. . يتفوّقون عليهم في الصدق والوفاءِ والطاعة والتقيّد بالنظام، وبالجملة أَصبحوا خلقًا جديدًا يتحلون بفضائل ومحاسن ما كان للمجتمع القرشي بها من عهد. . كانت محل دهشة هؤلاءِ المشركين القرشيين وتساؤلهم! ! .
ترى ما هو السر الذي قفز بهؤلاءِ المسلمين إِلى هذه المنزلة الرفيعة
(1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 322.