الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نموذجًا حيًّا للانضباط الإسلامي:
ولعل أروع مثال حيّ للانضباط الإسلامي وكبت المسلمين لعواطفهم تقيدًا بهذا الانضباط والذي شاهده بعض سادات قريش في الحديبية فأخذوا به، ودهشوا له، يتمثل في قصة أبي جندل بن سهيل بن عمرو الذي كان أشد الناس تأثرًا - في أعماق نفسه - بهذا الانضباط.
فقد رأى سهيل بن عمرو وبقية أعضاء الوفد القرشي في المفاوضة. رأوا كيف تفجر الغضب في نفوس المسلمين، وهاجت عواطفهم عندما رأَوا سهيل بن عمرو هذا يأْخذ بتلابيب ابنه المسلم ويلطمه على وجهه، ليرده إلى قريش المشركة وهو مسلم جاء يرسف في قيوده ملتجئًا إلى المسلمين في الحديبية، لينقذوه ويحموه من إرهاب أهله الوثنيين وتعذيبهم .. رأى سهيل بن عمرو وبقية أعضاء وفده وكل من كان حاضرًا من المشركين .. رأوا أن كلمة واحدة هادئة قالها نبيهم صلى الله عليه وسلم قد جعلتهم يكظمون غيظهم ويلجمون عواطفهم الثائرة .. نعم كلمة هادئة واحدة قالها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لأبي جندل:
"إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنَّا لا نغدر بهم".
هذه الكلمة الهادئة التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جندل عندما طلب حق اللجوء إلى المسلمين، رأى سهيل بن عمرو وباق أعضاء وفده من المشركين كيف قيدت ألفًا وأربعمائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذ رأوا جميعهم أن العهد الذي أعطاه نبيهم في وثيقة الصلح لا يسمح لهم بأن يتخذوا أَي إجراءٍ يحول بين سهيل بن عمرو المشرك، وبين استلام ابنه المسلم، فلم يحرّكوا ساكنًا لحماية أَبي جندل، مع -
ما يغتلم في نفوسهم من غيظ وحنق على المشركين. وعلى سهيل بن عمرو بالذات، وبالرغم من قدرتهم الكاملة على حماية أبي جندل الذي لم يستطيعوا أَن يصنعوا له شيئًا سوى تشييعه بالدموع وهو يغادر معسكرهم وأبوه يأْخذ بتلابيبه ويلاطم وجهه في وحشية المشرك الغليظ الفظ.
لأَن تلك الكلمة النبوية الهادئة التي أسمعها النبي صلى الله عليه وسلم أبا جندل - وهو يوصيه بالصبر - قد جعلت لهؤلاء المسلمين حدودًا يقفون عندها في تصرفاتهم إزاءَ مأْساة أَخيهم في الإسلام أبي جندل.
فقد اعتبروا تلك الكلمة النبوية الهادئة بمثابة أَمر لهم بأَن لا يتخطوا في مساعدتهم أخاهم في الإسلام أبا جندل حدود المواساة بالتشجيع والحثِّ على الصبر والثبات حتى يكشف الله عنه الغمة ويجعل له مخرجًا. ولقد وقفوا - بالفعل - عند هذا الحد نزولًا عند رغبة قائدهم ونبيّهم الذي حرص كل الحرص على أَن يقوم المسلمون بتطبيق معاهدة ذلك الصلح نصًّا وروحًا.
كل هذه الانطباعات المشرقة المدهشة عن المسلمين ومجتمعهم الجديد، قد نقلها حاضرو صلح الحديبية من أعضاء الوفد القرشي وغيرهم إلى الجماهير القرشية في مكة، وإلى جيران مكة من كنانة وخزاعة كما هـہي، فتأثروا بها غاية التأثُّر.
وازداد ذالك السؤال الكبير إلحاحًا في نفوس العقلاء من قريش وجيران الحرم .. ترى ما هو السر في هذا كله؟ ؟ .
وما هو التفسير الحقيقي لقيام هذا المجتمع المتماسك المتحد الفاضل الذي قوامه هؤلاء الأصحاب من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم الذين تطلق عليھهم أبواق
الدعاية القرشية - تبغيضًا فيهم وتحقيرًا لشأنهم - اسم الصباة؟ . هذا المجتمع الذي لا يسع أيّ عاقل - مهما كان مذهبه وعقيدته - إلا أَن يجلّ أعضاءه ويحترمهم، بل ويوَد أَن يكون أُحد أفراد هذا المجتمع العظيم؟ ؟ .
وعلى ضوء البحث الحر والمقارنة النزيهة، وجد العقلاء من مشركي مكة وغيرهم، الجواب الصحيح على هذا السؤال الكبير، وتوصلوا إلى التفسير الصحيح لسبب قيام هذا المجتمع الفاضل المتكامل.
وهو أَن الإسلام، ولا شيء سوى الإسلام، هو الذي أقام هذا المجتمع وصار الالتزام بتعاليمه والقيام بتكاليفه، مصدر كل ما يتحلى به أفراد هذا المجتمع المحمدي من فضائل الاستقامة وضبط السلوك وسمو الأخلاق وانتظام الشمل واتحاد الكلمة.
وهنا، واقتناعًا بهذا التفسير الصحيح - والنبي صلى الله عليه وسلم لمّا ينزل قل طريقه من الحديبية إلى المدينة - تأَثر ذوو العقول الكبيرة من سادات مكة بما نقل إليهم من انطباعات صحيحة عن هذا المجتمع الإسلامي الفاضل الجديد فاختمرت في نفوس هؤلاء العقلاء فكرة الدخول في الإسلام والانخراط في سلك الأسرة الإسلامية التي كان حسن بنائها وفضائل شمائل أفرادها - التي شهد بها العائدون إلى مكة من شاهدي صلح الحديبية - حديث مكة كلها.
وظل هؤلاء العقلاة القرشيون ينتظرون الفرصة السانحة لإعلان دخولهم في الإسلام وانضمامهم إلى هذا المجتمع الإسلامي الفاضل، الذي لم يغادر أفراده الحديبية إلا بعد أَن تركوا عنهم الانطباعات الخيِّرة
التي فعلت في ناموس عقلاء المشركين من قرشيين وغيرهم ما يشبه فعل السحر.
وكان من الزعماء والقادة الذين تأثروا بواقع المسلمين الحيّ المشرف في الحديبية، فاختمرت في نفوسهم فكرة اعتناق الإسلام .. خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة.
فلم تمضِ سنة واحدة على أحداث الحديبية المثيرة حتى وقف فارس قريش وقائد أعنَّة خيلها خالد بن الوليد - الذي خرج أيام أزمة الحديبية يقود المئات من فرسان قريش لمنع المسلمين من دخول الحرم أو إبادتهم - رقف على الصفا وصك بها قريشًا صك الجندل حيث صارحهم بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم حامل رسالة صدق وصاحب دعوة حق. وأَنَّ على كل ذي عقل أَن يتبعه.
فقد صاح خالد بأعلى صوته: يا معشر قريش. لقد استبان لكل ذي لبّ أَن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس بساحر ولا كذاب. وأَن على كل ذي عقل أَن يتبعه.
ثم أخذ سلاحه وركب فرسه واتجه نحو المدينة ليعلن إسلامه يرافقه صاحباه وصديقاه عثمان بن طلحة العبدري وعمرو بن العاص السهمي اللذين كانا على رأيه.
وهكذا كان صلح الحديبية - وما صاحبه من أحداث، وترتب عليه من أمور - مثار إحساسات عميقة، وتحريك مشاعر بعيدة الأغوار في نفوس العقلاء ممن كانوا على الشرك، فقادتهم هذه الإحساسات إلى الإسلام فدخلوا فيه .. وليس بعيدًا عن الحقيقة - بل هو عينها -،
ذلك القول: إن صلح الحديبية من أعظم الانتصارات ذات الأَثر البعيد الفعال في توطيد دعائم الإسلام وبناء دولته (1).
(1) قال الإمام ابن القيم في كتابه زاد المعاد (ج 2 ص 318) - يصف بعض مكاسب صلح الحديبية: "فصل في الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنتها هذه الهدنة".
وهي أكبر وأجل من أَن يحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده.
فمنها: أنها كانت مقدمة بين يدي الفتح الأعظم، الذي أعز الله به رسوله وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا فكانت هذه الهدنة بابًا له ومفتاحًا ومؤذنًا بين يديه، وهذه عادة الله في الأمور العظام التي يقضيها قدرًا وشرعًا أَن يوطيء لها بين يديها بمقدمات وتوطيئات تؤذن بها وتدل عليها.
ومنها: أَن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار، ونادوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من دان مختفيًا بالإسلام، ودخل في مدة الهدنة من شاء الله أَن يدخل. ولهذا سماه الله فتحًا مبينًا. قال ابن قتيبة: قضينا لك قضاء عظيمًا. وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحديبية.
وحقيقة هذا الأمر: أَن الفتح في اللغة: هو فتح المغلق. والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان بابه مسدودًا مغلقًا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة: ضيما وهضمًا للمسلمين، وفي الباطن: عزًّا وفتحًا ونصرًا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم، والعز والنصر، من وراء ستر رقيق، وكان يعطي المشركين كل ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر الصحابة ورؤوسهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب، وعسى أَن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم.
وربما كان مكروه النفوس إلى
…
محبوبها، ما مثله سبب
فدخل على تلك الشروط دخول واثق بنصر الله له وتأييده، وأن العاقبة له، وأن تلك الشروط واحتمالها: هو عين النصرة، وهو من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون ونصبوه لحربهم، وهم لا يشعرون. فذلوا من حيث طلبوا العزة، وقهروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة. وعز رسول الله صلى الله عليه وسلم وعساكر الإسلام =