الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
"
بَابٌ فِي الْمُكَاتبِ
"
708 - " بَابُ ما يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَاتبِ ومن اشترَطَ شَرْطاً لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ
"
808 -
عن عَائِشَةَ رضي الله عنها:
أنَّ بريرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا في كِتَابَتِهَا ولمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئَاً، (1)
ــ
" باب في المكاتب "
قال الحافظ: " والمكاتب " بالفتح من تقع له الكتابة، وبالكسر من تقع منه. والمكاتبة لغة: اشتقاقها -كما قال الراغب- من كتب بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى:(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) أو بمعنى كتب الخط، وعلى الأول تكون مأخوذة من معنى الالتزام، وعلى الثاني تكون مأخوذة من الخط الموجود عند عقدها غالباً. والمكاتبة شرعاً: وتسمى الكتابة كما قال ابن قدامة: والكتابة إعتاق السيد عبده على مال في ذمته يؤدَّى مؤجلاً، سميت كتابة لأن السيد يكتب بينه وبينه كتاباً بما اتفقا عليه، وقيل سمّيت كتابة من الكتب، لأن المكاتب يضم بعض النجوم - أي يجمع بعض الأقساط التي يدفعها إليه العبد إلى بعض. قال البخاري:
708 -
" باب ما يجوز من شروط المكاتِب ومن اشترط شيئاً ليس في كتاب الله "
808 -
قول عائشة رضي الله عنها: " إن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها " إلخ.
(1) قوله " ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً " أي ولم تكن سددت شيئاً من قيمها.
قَالَت لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِى إلى أهْلِكِ إنْ أحَبُّوا أنْ أقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ ويَكُونُ وَلاؤكِ لي فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأهلِهَا فَأبَوْا، وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، ويَكُونَ وَلاؤكِ لَنَا، فذكرَتْ ذَلِكَ لِرَسوُلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالَ لها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"ابْتَاعِي فَأعْتِقِي، فَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ"، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:" مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ في كِتَابِ اللهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ عز وجل فَلَيْسَ لَهُ، وِإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، شَرْطُ اللهِ أحقُّ وَأَوْثَقُ ".
ــ
معنى الحديث: أن بريرة كانت أمة مملوكة لبعض الأنصار، فكاتبها أهلها على أن تجمع ثمنها، وتدفعه إليهم على أقساط مؤجلة، تنتهي كلها في زمن محدد، فإذا أدت ما عليها كانت حرة، فأتت إلى عائشة تسألها معونة مالية تساعدها على هذه المكاتبة، فطلبت منها عائشة أن ترجع إلى أهلها وتعرض عليهم موافقة عائشة على أن تدفع لهم جميع المال الذي كاتبوها عليه، على أن يكون الولاء لها والولاء هو وراثة العبد أو الأمة بعد وفاتهما فرفضوا ذلك " وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون ولاؤك لنا " أي إن أرادت أن تعينك تفضلاً وتكرماً وتحتسب أجرها ومثوبتها عند الله، ويكون ميراثك لنا، فلتفعل، وإلّا فلا " فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق " أي فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم اشتري بريرة وأعتقيها ولا تبالي بالشرط الذي اشترطوه لأنفسهم، فإنه شرط باطل غير نافذ شرعاً، لأن ميراث العبد أو الأمة لسيده الذي أعتقه ولسيدها الذي أعتقها " ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي قام في الناس خطيباً
" فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله " أي ليست موافقة لأحكام الله تعالى، " من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله عز وجل فليس له، وإن اشترط مائة شرط " أي من اشترط شرطاً مخالفاً لحكم الله فإنه باطل لا ينفذ شرعاً، " شرط الله أحق وأوثق " أي شرط الله أولى بتنفيذه والعمل به من شروط الناس، لأنه لا يُقَدَّم على حكم الله شيء، وهو الصواب لما يتضمنه من العدل والحكمة، ولأنه حكم العليم الحكيم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: مشروعية المكاتبة، لأن هؤلاء الأنصار كاتبوا بريرة وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك، واختلفوا هل كانت معروفة قبل الإِسلام؟ والصحيح كما قال الحافظ: أنها كانت في العصر الجاهلي (1)، قال ابن خزيمة:" وقد كانوا يكاتبون في الجاهلية " وأقرها الإِسلام، قال ابن خزيمة: وأوّل من كوتب في الإِسلام سلمان، كما أفاده الحافظ، واختلفوا فيما إذا بقي على المملوك شيء، فروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم " أخرجه أبو داود والنسائي وصححه (2) الحاكم، قال مالك (3) في " الموطأ " وهو رأيي. وهو مذهب الجمهور أيضاً.
قال الزرقاني: وكان فيه خلاف عن السلف، فعن علي: إذا أدى الشطر فهو غريم " وعنه يعتق منه بقدر ما أدّى، وعن ابن مسعود: لو كاتبه على مائتين وقيمته مائة فأدّى المائة عتق، وعن عطاء: إذا أدى المكاتب ثلاثة أرباع كتابته عتق، وروى النسائي عن ابن عباس مرفوعاً: " المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى " ورجال إسناده ثقات، لكن اختلف في إرساله ووصله. اهـ. كما أفاده الزرقاني. ثانياًً: أنه لا يجوز للمكاتب أن يشترط شرطاً مخالفاً لأحكام الله
(1)" فتح الباري " ج 5.
(2)
" شرح الزرقاني " ج 4.
(3)
" موطأ مالك ".
تعالى وإن فعل ذلك فالشرط باطل، ولو مائة شرط، كما في الحديث، وهو ما ترجم له البخاري لأن حكم الله أولى بالتنفيذ. ثالثاً: مشروعية الولاء للمعتق، فهو صاحب الحق الشرعي فيمن أعتقه يرثه بعد موته، قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أنّ من أعتق عبداً أو أعتق عليه أن له عليه الولاء، وأجمعوا أيضاً على أن السيد يرث عتيقه إذا مات جميع ماله إذا اتفق دينهما، ولم يُخَلِّف وارثاًَ سواه، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" الولاء لحمة كلحمة النسب " ويقدم المولى على الرد وذوي الأرحام في قول جمهور العلماء، فمن خلف بنتاً ومولاة فلبنته النصف والباقي لمولاه ولا يرد على الوارث شيء.
رابعاً: الحديث دل على مشروعية المكاتبة، وهل هي واجبة أو مستحبة؟ قال ابن رشد (1) رحمه الله: اختلفوا في عقد الكتابة هل هو واجب أو مندوب؟ قال أهل الظاهر: هو واجب واستدلوا بظاهر قوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)، وأما الجمهور فإنهم لما رأوا أن الأصل أن لا يُجبر أحد على عتق مملوكه حملوا هذه الآية على الندب. اهـ. وقال مالك في " الموطأ " ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أحداً من الأئمة أكره رجلاً على مكاتبة عبده. اهـ. والمطابقة: في قوله " كل شرط ليس في كتاب الله فليس له ". الحديث: أخرجه الستة.
…
(1)" بداية المجتهد " ج 2.