الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
851 - " بَابُ غَزْوَةِ الْخنْدَقِ
"
ــ
عسى أن تغني الشجاعة حين يختبىء الاغتيال في حندس الليل، فيورد صاحبه حتفه، وهكذا شاء القدر (1) أن يستشهد البطل على يد ذلك العبد الحبشي الذي هاب حمزة وهو مجندل على الأرض، فلم يجرأ على الاقتراب " لأخذ حربته منه. ثانياً: أن الإِسلام يجب ما قبله، وأن نبينا صلى الله عليه وسلم لا يعرف التشفي والانتقام وإلّا فقد وقع " وحشي " قاتل عمه بعد فتح الطائف في قبضة يده، فما مد إليه يده بسوء، وما زاد على أن قال له:" فهل تستطع أن تغيب وجهك عني " فلم يثأر منه لعمه حمزة، مع شدة حزنه عليه، لأن الإِسلام يغفر لصاحبه ما قد سلف. ثالثاً: أن المرء لا يلام على شعوره بالاستياء، وعدم الارتياح لمقابلة من أساء إليه، أو إلى أحد أقاربه، لأن ذلك من الانفعالات النفسية الخارجة عن إرادته، وإلا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم:" فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني ". الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون الحديث متضمن لقصة قتل حمزة رضي الله عنه.
851 -
" باب غزوة الخندق "
وقد كانت هذه الغزوة في شوال من السنة الخامسة من الهجرة الموافق لشهر فبراير 627 م، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما أجلى بني النضير خرج نفر من أشرافهم، منهم حيي بن أخطب إلى مكة يحرضون قريشاً على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، ووعدوهم بأنهم سيكونون معهم حتى يستأصلوه، وما زالوا بهم حتى وافقوا على محاربته، ثم ذهبوا إلى سليم وغطفان، ودعوهم إلى مشاركتهم في هذه الحرب، وأعلموهم أن قريشاً بايعوهم، فوافقوا، فجهزت قريش أربعة آلاف مقاتل وخرجوا بقيادة أبي سفيان، ووافتهم بنو سليم بمر الظهران بسبعمائة بقيادة سفيان بن عبد شمس، وخرجت بنو أسد وغطفان وفزارة وبنو مُرَّة حتى بلغ المجموع عشرة آلاف
(1) هذه العبارة لا ينبغي أن تقال، وإنما يقال: وهكذا شاء الله تعالى، لأن المشيئة لله وحده.
مقاتل. حفر الحندق: ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم نبأ هذه الجموع التي جاءت لمحاربته صلى الله عليه وسلم ندب الناس، وشاورهم، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق تجاه العدو ليكون بمثابة خط دفاعي يتحصنون به من عدوهم، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وضرب الخندق على المدينة، قال الأستاذ الأنصاري: وقد تم حفره من شمالي المدينة الشرقي إلى غربها، فالخندق كما نتخيل كان يشكل نصف دائرة، طرفها الغربي يقع غربي مسجد المصلى " مسجد الغمامة " والشرقي عند مبدأ حرة واقم. قال المطري: وقد عفا أثره اليوم، أي في القرن الثامن الهجري. لأن وادي بطحان استولى على موضع الخندق، وصار مسيله في الخندق. وقد شارك فيه النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: " فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيباً للمسلمين في الأجر، فدأب فيه ودأبوا كما سيأتي تفصيله في الأحاديث الآتية: وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عقد عهداً مع بني قريظة أن لا يظاهروا عليه أحداً، فأغرتهم بنو النضير على نقض العهد، وخرج حيي بن أخطب سيد بني النضير إلى كعب بن أسد سيد بني قريظة، فلما سمع صوته أغلق باب الحصن دونه، فلم يزل يلح عليه حتى فتح له، وما زال يستميله ويحاول معه حتى نقض العهد، وانضم إلى قبائل قريش وغطفان وغيرها من القبائل التي جاءت لمحاربته صلى الله عليه وسلم. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين لثمان مضين من ذي القعدة، وكان يحمل لواء المهاجرين زيد ابن حارثة، ولواء الأنصار سعد بن عبادة، وكان عددهم ثلاثة آلاف، وأقبلت قريش فنزلت بمجتمع الأسيال بين الجرف والغابة، وأقبلت غطفان ومن تابعها ونزلت بذنب نقمي (1) بجانب أحد، وكانت تلك الظروف ظروفاً قاسية اشتد فيها الحصار وتفاقم البلاء، سيما بعد أن نقضت قريظة عهدها، وانضمت إلى العدو فكانت هذه مفاجأة أليمة للنبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن إسحاق: وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون
(1) منطقة بشمال المدينة وشمال أحد.
كل ظن، وهمّ بالفشل بنو حارثة وبنو سلمة معتذرين بأن بيوتهم عورة، أي مكشوفة للعدو، مهددة بالخطر، لأنهم كانوا خارج المدينة في الجهة الغربية منها، وهي المنطقة الواقعة غربي سلع إلى القبلتين، وحاول النبي صلى الله عليه وسلم مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة، واستشار صلى الله عليه وسلم سعد ابن معاذ وسعد بن عبادة فقالا للنبي صلى الله عليه وسلم: أمر تحبه فتصنعه، أم شيء أمرك الله به، ولا بد لنا من العمل به أم شيء تصنعه لنا، قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رَمَتْكُمْ عن قوس واحدة فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قِرى أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإِسلام وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا، والله لا نعطيهم إلاّ السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنت وذاك: ودام الحصار شهراً ووقعت بين الفريقين بعض المناوشات الحربية واقتحم بعضهم الخندق، فتورط، وقتل، كما وقع لعبد الله بن المغيرة المخزومي. وكان مما أنعم الله به على المسلمين إسلام نعيم بن مسعود الأشجعي رضي الله عنه، والخدعة التي قام بها، ويحدثنا رضي الله عنه (1) عن ذلك فيقول: لما سارت الأحزاب سرت مع قومي حتى قذف الله في قلبي الإِسلام فكتمت قومي إسلامي، فأخرج حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء، وأجده يصلي، فلما رآني جلس، ثم قال: ما جاء بك يا نعيم؟ قلت: إني جئت أصدقك وأشهد أن ما جئت به حق، فمرني بما شئت يا رسول الله، فوالله لا تأمرني بأمر إلاّ مضيت له، وقومي لا يعلمون بإسلامي ولا غيرهم، قال: ما استطعت أن تخذل الناس فخذل، قال: قلت أفعل، ولكن يا رسول الله فأذن لي أقول ما أقول من المكر والحيلة، قال: قل ما بدا لك، فأنت في حل، قال: فذهبت حتى جئت بني قريظة، فلما رأوني
(1)" المغازي " للواقدي.
رحبوا بي، وأكرموا وحيوا، وعرضوا عليَّ الطعام والشراب، فقلت: إني لم آت لشيء من هذا، إنما جئتكم تخوفاً عليكم لأشير عليكم برأيي، وقد عرفتم ودي إياكم، فقالوا: قد عرفنا ذلك، وأنت عندنا على ما تحب من الصدق والخير، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، قال: إن هذا الرجل يعني محمداً صلى الله عليه وسلم صنع ببني قينقاع وبني النضير وأجلاهم عن بلادهم، وأرى الأمر قد تطاول، وإنكم والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة واحدة، فإنهم إن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن أصابهم ما يكرهون انشمروا إلى بلادهم، وأنتم لا تقدرون على ذلك، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، فلا تقاتلوا مع قريش وغطفان حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم مخافة أن لا يستمروا في مواصلة قتاله، وأن ينسحبوا ويتركوكم معه وحدكم، قالوا: أشرت بالرأي علينا، ونحن فاعلون، قال: ولكن اكتموا عني، قالوا: نعم نفعل. ثم خرج إلى أبي سفيان فقال: يا أبا سفيان قد جئتك بنصيحة فاكتم عني، قال: أفعل، قال: تعلم أن قريظة قد ندموا على ما صنعوا وأرادوا صلح محمد، وأرسلوا إليه وأنا عندهم إنا سنأخذ من قريش وغطفان من أشرافهم سبعين رجلاً نسلمهم إليك تضرب أعناقهم وترد أجنحتنا التي كسرت إلى ديارهم، يعني بني النضير، ونكون معك على قريش، إن بعثوا إليكم يسألونكم رهناً، فلا تدفعوا إليهم أحداً، ولكن اكتموا عني، قالوا: لا نذكره، ثم خرج حتى أَتى غطفان، فقال لهم مثل ما قال لقريش، وكان رجلاً منهم فصدقوه، وأرسلت اليهود إلى أبي سفيان غزال بن السموأل ليقول له: إن ثواءكم -أي إقامتكم- قد طال، ولم تصنعوا شيئاً، لو وعدتمونا يوماً تزحفون فيه إلى محمد ولكن لا نخرج معكم حتى ترسلوا إلينا برهان من أشرافكم يكونون عندنا، فإنا نخاف إن مستكم الحرب، أو أصابكم ما تكرهون تركتمونا، وقد نابذنا محمداً بالعداوة، فلم يُرجعوا إليهم - أي لم يردوا عليهم جواباً، وقال أبو سفيان لقريش: هذا ما قاله نعيم. ونجح نعيم بن مسعود في خطته، وزال شبح الخطر، وبدت بوادر
الفرج، وأراد الله تعالى أن يمد المسلمين بقوة سماوية، فأرسل إليهم جنداً من عنده، وأرسل على قريش وغطفان عاصفة شديدة في ليلة شاتية باردة أكفأت قدورهم وقوّضت خيامهم، وأصيبوا بالمرض، متأثرين بذلك البرد القارس، وأنزل الله في قلوبهم الرعب، كما قال تعالى في سورة الأحزاب:(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) قال ابن إسحاق: " وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح الملائكة، فلما رأى أبو سفيان ما رأى قال: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف أي الخيل والإِبل. وأخلفتنا بنو قريظة، ولقينا من الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل.
***
993 -
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ:
لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأحْزَابِ، وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، رَأيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ، حَتَّى وَارَى عَنِّي الغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ، وكانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ، فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَهُو يَنْقُلُ مِنَ التُّرابِ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ لَوْلا أنْتَ ما اهْتَدَيْنَا
…
ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا
فَأنْزِلَنْ سكِينَةً عَلَيْنَا
…
وثَبِّتِ الأقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا
إِنَّ الأُلى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
…
وِإنْ أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنَا
قَالَ: ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بآخِرِهَا.
ــ
993 -
معنى الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع ما أجمعت عليه قريش وغطفان من محاربته صلى الله عليه وسلم ضرب الخندق على المدينة، وعمل فيه صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة، وشارك المسلمين في حفره ترغيباً لهم في الأجر والثواب، وكان ينشد شعر ابن رواحة وغيره في تشجيعهم وحثهم على مواصلة الحفر، وكان ينقل التراب معهم حتى غطى الغبار جلدة بطنه، ومما أنشده صلى الله عليه وسلم من شعر ابن رواحة قوله:
" اللهم لولا أنت ما اهتدينا
…
ولا تصدقنا ولا صلينا "
وفي هذا ثناء على الله تعالى، وشكر له على نعمة الهداية والتوفيق لجميع الأعمال الصالحة من صلاة وصدقة وغيرها، فإنه لا توفيق إليها إلَّا بالله:
" فأنزلن سكينة علينا
…
وثبت الأقدام إن لاقينا "
994 -
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ رضي الله عنه قَالَ:
قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الأحْزَابِ: " نَغْزُوهُمْ وَلا يَغْزُونَنَا ".
ــ
وفي هذا تضرع إلى الله تعالى أن يمدهم بالطمأنينة والصبر وثبات الأقدام عند ملاقاة العدو.
"إن الأولى قد بغوا علينا
…
وإن أرادوا فتنة أبينا"
أي إن هؤلاء المشركين الذين اعتدوا علينا، وتجمعوا لقتالنا ليفتنونا عن ديننا، سيخيب الله آمالهم لأننا جند الله، ونأبى أن نخضع لأي قوة تصرفنا عن دين الله. ولينصرن الله من ينصره.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أمره صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق بعد أن استشار الصحابة، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفره، ليكون خطاً دفاعياً ضد العدو، ففيه أنه ينبغي أن نأخذ من غيرنا ما فيه مصلحة لنا ما دام لا يتعارض مع أحكام شريعتنا، سيما فيما يتعلق بالأمور العسكرية والعمرانية والزراعية وغيرها. ثانياًً: مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الأعمال الكبيرة تشجيعاً لهم، وهكذا ينبغي للرؤساء أن يشاركوا في الأعمال التي فيها مصلحة للمسلمين. ثالثاً: أن من السنَّة إنشاد بعض الشعر الحماسي أثناء العمل تشجيعاً للعاملين، وترغيباً لهم كما فعل صلى الله عليه وسلم. والمطابقة: في قوله: " وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم ". الحديث: أخرجه الشيخان.
994 -
معنى الحديث: يحدثنا سليمان بْن صرد رضي الله عنه في حديثه هذا عن تبدل حال المسلمين من ضعف إلى قوة بعد غزوة الخندق، فيقول: مستشهداً بكلام النبي صلى الله عليه وسلم " قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب " أي بشر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بعد انصرافه من غزوة الخندق بقوله " نغزوهم ولا يغزوننا " أي يصبح لكم من الشوكة العزة والمنعة، وينزل الله الرعب في
995 -
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي أوفَى رضي الله عنه قَالَ:
دَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الأحْزَاب فَقَالَ: " اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الأحزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ ".
ــ
قلوبهم، فلا يجرؤون على مبادأتكم بالغزو والحرب بعد غزوة الخندق لما حقق الله فيها من النصر على الأحزاب المختلفة من المشركين واليهود واستئصال قريظة من المدينة، وقطع دابرهم.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن غزوة الخندق كانت نقطة تحول في تاريخ المسلمين، وبداية عهد جديد، تهيأت فيه لهم كل أسباب القوة والمنعة، حيث انتصروا على الأحزاب، وقضوا على اليهود في المدينة، وأمنوا على أنفسهم من الفتن والحروب الخارجية والداخلية وأصبحت لهم دولة إسلامية قوية عزيزة الجانب، يرهبها الأعداء، ويحسبون ألف حساب قبل أن يفكروا في غزوها ومحاربتها. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب.
995 -
معنى الحديث: يقول عبد الله بن أبي أوفي " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب " أي على طوائف الكفار التي اجتمعت لقتال المسلمين من اليهود والمشركين " فقال: اللهم منزل الكتاب " أي يا منزل الكتاب الذي وعدت فيه المسلمين بالنصر على أعدائهم، في قولك الحق:(وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)" سريع الحساب " أي ويا سريع الانتقام من أعدائه " اهزم الأحزاب " أي اجعل لنا الغلبة عليهم ومكنَّا منهم " وزلزلهم " أي وسلط عليهم من أنواع البلاء ما تضطرب له قلوبهم، وترتجف له نفوسهم خوفاً وقلقاً ورعباً. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه. والمطابقة: في قوله: " دعا على الأحزاب ".
852 -
" بَابُ مرْجِعَ النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب ومخرَجِهِ إلى بَنِي قُريْظَةَ "
996 -
عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ:
" نَزَلَ أهلُ قُرَيْظَةَ على حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأرسَلَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى سَعْدٍ فأتَى عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَسجِدِ، قَالَ للأنْصَارِ: قومُوا إلى سَيِّدِكُمْ أو خَيْرِكُمْ، فَقَالَ: هَؤُلاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ، فَقَالَ: تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمُ وتَسْبِي ذَرَارِيَّهمْ، قَالَ: قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللهِ، وَرُبَّمَا قَالَ: بِحُكْمَ الْمَلِكِ ".
ــ
فقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية الدعاء على الأعداء بالهزيمة وللمسلمين بالنصر عليهم، لا سيما في ميادين القتال، فإن الدعاء فيها إذا خلصت النية مستجاب، كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة.
852 -
" باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته لهم "
996 -
معنى الحديث: أن بني قريظة لما نقضوا العهد، وانتهت غزوة الخندق بانتصار النبي صلى الله عليه وسلم، وهزيمة المشركين، فعادُوا إلى ديارهم خائبين، خرج النبي صلى الله عليه وسلم لمقاتلة بني قريظة، وحاصرهم مدة من الزمن حتى استسلموا، ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، أي وافقوا على قبول حكمه فيهم، وكان حليفاً لهم، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه فأتى راكباً على حمار، لأنه كان يعاني من الجرح الذي أصيب به في أكحله يوم الخندق، فأتوا به راكباً على حمار، فلما اقترب من المسجد أمر النبي الأنصار أن يخفوا لاستقبال سيدهم، والترحيب به، وإعانته على النزول، ثم أخبره أن بني قريظة قد وافقت على حكمه فيهم، فحكم فيهم
سعد أن يقتل رجالهم القادرين على القتال منهم، وأن تُصادر أموالهم، وتكون نساؤهم وصبيانهم غنيمة للمسلمين، فأعلن النبي صلى الله عليه وسلم في الناس أن سعداً قد وفق في حكمه هذا، وأنه قد حكم بحكم الله من فوق سبع سموات، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: استسلام بني قريظة للنبي صلى الله عليه وسلم، ونزولهم على حكم سعد بن معاذ بعد أن حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى، حيث جاءه جبريل بعد انتهاء غزوة الخندق في بيت عائشة معتجراً (1) بعمامة من إستبرق (2) على بغلة عليها قطيفة من ديباج فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فإني عائدٌ إليهم، فمزلزل بهم، وكانت منازل بني قريظة بالحرّة الشرقية الجنوبية من العوالي شرقي " حاجزة "(3) الحديقة المعروفة التي يقع على بابها مسجد بني قريظة وتنتهي هذه الحرة عند مشربة أم إبراهيم، فلما أمر صلى الله عليه وسلم بالخروج أمر بلالاً أن يؤذن في الناس: إن الله يأمركم أن لا تصلوا العصر إلَّا في بني قريظة، وأعطى اللواء لعلي، وخرج إليهم في ثلاثة آلاف مقاتل، فحاصرهم خمسة عشر يوماً حتى جهدهم الحصار، وألقى الله في قلوبهم الرعب، فعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدقوه، فقالوا: لا نفارق حكم التوراة، فعرض عليهم أموراً أخرى فرفضوها، ولما شدد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم الحصار استسلموا له، ونزلوا على حكمه، فحاولت الأوس وهم حلفاؤهم تخفيف الحكم في حقهم وشفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: أما ترضون أن يحكم فيهم
(1) واضعاً العمامة على رأسه.
(2)
الاستبرق والديياج نوعان من الحرير.
(3)
" المدينة بين الماضي والحاضر " لمؤرخ المدينة الأستاذ إبراهيم العياشي.
رجل منكم، قالوا: بلى، قال: فذاك سعد بن معاذ، وكان سعد رضي الله عنه إذ ذاك في خيمة بالمسجد، تمرضه امرأة من أسلم، وتداوي الجرح الذي أصيب به، فحمله قومه على حمار، وهم يقولون له: يا أبا عمرو أحسن إلى مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه، قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع بعض من كان معه إلى دار بني عبد الأشهل، فنعى إليهم رجال قريظة، فلما انتهي سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قوموا إلى سيدكم، ثم قال لسعد: هؤلاء نزلوا على حكمك، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إلى سعد رضي الله عنه فقال: إني أحكم أن تقتل المقاتلة، وتسبى النساء والذرية، وتقسم أموالهم " أخرجه أحمد. وهكذا كان حكم سعد صارماً حيث حكم بتصفيتهم نهائياً. ثانياً: أن حكم سعد باستئصال بني قريظة كان موافقاً لحكم الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم: قضيت بحكم الله عز وجل، ولا مجال لمناقشة هذا الحكم، فهو حكم الله العادل وقد نفذ فيهم النبي صلى الله عليه وسلم حكم الله، فألقى القبض على رجالهم وسجنوا في دار بنت الحارث النجارية الأنصارية، وهي في موضع الحديقة الرومية (1) التي أنشأ في مكانها فندق التيسير، ثم هدم وأدخل في مشروع الحرم النبوي، وقال الشريف العياشي (2): الذي أراه أنها ما فيه مدرسة آل مظهر، وما يقع في شرقيها، حيث كان مربد غنم الأغوات، وهذا الموضع في اتساع ما يكفي لأسرى قريظة، وأقل ما عُدَّ هو خمسمائة رجل، وأكثر ما قيل ثمانمائة، ولما حُبَسَ هؤلاء في دار بنت الحارث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة، وأمر أن تحفر الخنادق، وأخرجوا أرسالاً أي أفواجاً، فضربت أعناقهم، ومنهم حيي بن أخطب، وكعب بن أسد، وكان عددهم ستمائة، وتولى ضرب أعناقهم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام،
(1)" وفاء الوفاء " للسمهودي.
(2)
" المدينة بين الماضي والحاضر " للعياشي.