الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
846 - " بَاب حَدِيثِ بَنِي النَّضِيرِ
"
986 -
عَنْ ابنِ عمَرَ رضي الله عنهما قَالَ:
" حَارَبَتِ النضِير وقرَيْظَة، فَأجْلَى بَني النَّضِيرَ، وَأقَرَّ قرَيْظَةَ وَمَنْ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قرَيْظَة، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، َ وَقَسَمَ نِسَاءَهمْ وأوْلادَهمْ وأمْوَالَهُمْ بَيْنَ المسْلِمِينَ، إِلَّا بَعْضَهمْ لَحِقوا بالنَّبِي صلى الله عليه وسلم فآمَنَهمْ وأسْلَمُوا، وأجْلَى يَهودَ المدِينَةِ كلَّهمْ بَنِي قَيْنقَاعَ وَهمْ رَهْط عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلام، وَيَهودَ بَني حَارِثَةَ، وكُلَّ يَهودِ الْمَدِينَةِ ".
ــ
انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه، يقوده على ثناياه الغبار.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على شهود الملائكة غزوة بدر، وعلى رأسهم جبريل عليه السلام حيث رافق النبي صلى الله عليه وسلم من أوّل الغزوة إلى آخرها، ليشرف بنفسه على خطة سيرها، ويكون عوناً للنبي صلى الله عليه وسلم ومدداً له، ومؤيداً لأصحابه.
مطابقة الحديث للترجمة: في قوله صلى الله عليه وسلم: " هذا جبريل " فإنه دليل على الترجمة. الحديث: أخرجه البخاري.
846 -
" باب حديث بني النضير "
وبنو النضير قبيلة يهودية مشهورة، كانت منازلهم في قربان جنوبي المدينة، قال الشريف العياشي (1): وهي في موضع الحدائق المعروفة اليوم بأم عشر وأم أربع وجيدة وسمّان، وسليهم وغيرها، وفي هذه البقعة يقع قصر كعب بن الأشرف النبهاني نسباً والنضيري خؤولة، ولا يزال هذا القصر قائم العين، وآثاره باقية حتى الآن في جنوب بستان أم عشر.
(1)" المدينة بين الماضي والحاضر " للشريف إبراهيم العياشي.
986 -
معنى الحديث: أن ابن عمر رضي الله عنهما يحدثنا عن قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القبائل اليهودية، وكيف كانت نهايتهم: فيذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد عقد معهم العهود والمواثيق، وجعل بينه وبينهم أماناً، وشرط عليهم أن لا يظاهروا عليه أحداً ولكنهم لم يحترموا الميثاق ونقضوا العهد الذي بينه وبينهم فجازاهم على غدرهم وخيانتهم. فأجلى بني قينقاع وبني النضير عن المدينة. وأما بنو قريظة فقتل رجالهم، وصادر أموالهم، وجعل نساءهم وأولادهم غنيمة للمسلمين، أما كيف وقع ذلك، فسيأتي شرحه في فقه الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: بيان غدر اليهود، ونقضهم العهد، بمحاربتهم للنبي صلى الله عليه وسلم كما يشير إليه قول ابن عمر:" حاربت النضير وقريظة: ". ثانياً: الإشارة إلى قصة بني قينقاع مع النبي صلى الله عليه وسلم وكيف كانت نهايتهم الجلاء عن المدينة، وقد كانوا من موالي الخزرج وحلفاء عبد الله ابن أبي، وكانوا قلة يسكنون عند منتهى جسر بطحان ما بين المراكشية والمشرفية (1) عند أول الطريق النازل من قباء كما أفاده الشريف العياشي (2) وقد تحولت هذه المنطقة حالياً إلى شوارع فرعية تعرف بهذا الاسم، وكان لهم سوق هناك يعرف بسوق بني قينقاع، وكانوا صاغة يعملون في الذهب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وادعته اليهود كلها، فوادعهم، وكتب بينه وبينهم كتاباً، وشرط عليهم شرطاً أن لا يظاهروا عليه فلما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بدر بغت يهود، وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من عهود، فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قينقاع فقال: يا معشر اليهود، احذروا من الله عز وجل
(1) كانت المراكشية والمشرفية بستانين معروفين عند أوّل طريق قباء النازل فتحولا حالياً إلى شارعين فرعيين يعرف أحدهما بشارع المشرفية والثاني بالمراكشية.
(2)
" المدينة بين الماضي والحاضر " للشريف العياشي.
مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، فقالوا: لا يغرنك من لقيت، ولئن قاتلتنا لتعلمنّ أنك لم تقاتل مثلنا وصادف في تلك الأيام أن جاءت امرأة نزيعة من قبيلة عربية من غير أهل المدينة، ولكنها متزوجة برجل من الأنصار إلى سوق بني قينقاع لتبيع حلياً فجلست عند صائغ، فجاء رجل من بني قينقاع، فحل ثوبها إلى ظهرها بشوكة، أي ربط بين طرفي ثوبها إلى ظهرها -فلما قامت بدت عورتها فضحكوا منها، فقام إلى اليهودي رجل من المسلمين فقتله، فاجتمعوا عليه وقتلوه ونبذوا العهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحاربوا، وكانوا أول من نقض العهد، فسار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم السبت منتصف شوال على رأس عشرين شهراً (1) من الهجرة فحاصرهم في حصنهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، ونزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهم فربطوا، فذهب عبد الله بن أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أحسن في مواليَّ، وألح عليه في إطلاقهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجلوهم لعنهم الله، وأمر بهم أن يجلوا من المدينة- فكانت نهايتهم الجلاء كما أشار إلى ذلك ابن عمر في آخر الحديث حيث قال:" وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام " أي وكان عبد الله بن سلام منهم، وقد جعل الله أموالهم غنيمة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم (2) آلة صياغتهم، وأسلحة كثيرة، وأجلاهم، فذهبوا إلى أذرعات بلدة بالشام ولم يدر الحول عليهم حتى هلكوا بدعوته صلى الله عليه وسلم عليهم حيث قال لابن أبي لما شفع فيهم:" هم لك لا بارك الله لك فيهم " وكانت غزوة بني قينقاع، وإجلاؤهم عن المدينة في شوال من السنة الثانية من الهجرة. ثانياًً: دل الحديث على غدر بني النضير ونقضهم العهد، ومحاربتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وإجلائه لهم صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر، كما قال ابن عمر رضي الله عنهما:" حاربت النضير وقريظة فأجلى بني النضير ". وكانت
(1)" المغازي " للواقدي ج 1.
(2)
" محمد رسول الله " للأستاذ محمد رضا.
منازلهم جنوب قربان جهة الحرة، تمتد في البقعة المعروفة بأم عشر كما تقدم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إليهم يستعين بهم في دية رجلين من بني عامر كان قد قتلهما عمرو بن أمية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعين بهم في ديتهما، وكان معه نفر من المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وكلمهم أن يعينوه في دية الرجلين، وكان بين بني النضير وبني عامر (1) حلف وعقد، فقالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك، ثم حلا بعضهم إلى بعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، أي لن تجدوا فرصة تتيح لكم اغتياله مثل هذه الفرصة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مستند إلى بيت من بيوتهم، وأشار عليهم حُييُّ بن أخطب أن يطرحوا عليه وعلى من معه من الصحابة حجارة من فوق هذا البيت الذي هو تحته، وقال لهم: لن تجدوه أخلى منه الساعة، فإنه إن قتل تفرق أصحابه ونصحهم سلام بن مشكّم أن لا يحاولوا ذلك وكان عمرو بن جحاش قد هيأ الصخرة ليرسلها على النبي صلى الله عليه وسلم فلما أشرف بها جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً كأنّه يريد حاجة، وتوجه إلى المدينة، وجلس أصحابه يتحدثون لبعض حاجته، فلما يئسوا من ذلك قال أبو بكر رضي الله عنه: ما مقامنا ها هنا بشيء، فقاموا في طلبه، فلقوا رجلاً مقبلاً من المدينة، فسألوه عنه، فقال رأيته داخلاً المدينة فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا إليه، فأخبرهم بما كانت اليهود تريده من الغدر به، وأرسل إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من بلده، وقال لهم: لا تساكنوني بها، وقد هممتم بالغدر وقد أجلتكم عشراً، فمن بقي بعد ذلك ضربت عنقه، فأرسل إليهم ابن أبي: لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصونكم، فيموتون عن آخرهم، وتمدكم قريظة وغطفان، فطمع حُييٌّ فيما قال ابن أبي، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّا لن نخرج من ديارنا،
(1)" شرح العيني على البخاري " ج 17.
فاصنع ما بدا لك، فأعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الحرب، وصلّى العصر بفناء بني النضير في " قربان " وعليٌّ يحمل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام اليهود على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع نخلهم ولم ينصرهم بنو قريظة، وخذلهم عبد الله بن أبي وقومه وقذف الله في قلوبهم الرعب، كما أخبرنا الله تعالى بذلك في سورة الحشر فقال:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) قال ابن إسحاق: فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم ست ليال، وتحصنوا في الحصون فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل والتحريق فيها -فلما رأوا ذلك قالوا: نخرج من بلادك، فقال: اخرجوا ولكم دماؤكم وما حملت الإِبل إلاّ الحلقة- أي السلاح، فرضوا بذلك، ونزلوا عليه، واحتمل بنو النضير من أموالهم ما استقلت به الإِبل، وخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وحملوا أمتعتهم على ستمائة بعير. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى كل ثلاثة بعيراً يتعقبونه، وقبض رسول الله ما تركوه من الأموال والدروع والسلاح، وخلفوا بعدهم النخيل والمزارع والحدائق الغناء في منطقة قربان. وكانت أموال بني النضير من الفيء الخاص برسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق منه على أهله ويدخر منه قوت السنة من الشعير والتمر، وما فضل جعله في السلاح والكراع. وذهب الشافعي إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير على المهاجرين ليرفع مؤونتهم عن الأنصار، وهذا يتفق مع ما رواه ابن إسحاق. وكانت غزوة بني النضير كما حكاه البخاري عن الزهرى بعد بدر بستة أشهر قال البيهقي (1): وذهب آخرون إلى أنّها وقعت بعد أحد (2) وهو الأصح، لأن قصة غدر بني
(1)" البداية والنهاية " لابن كثير.
(2)
وهو ما ذكره ابن إسحاق.