الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
794 - " بَابُ صِفَةِ إبْلِيس وَجُنُودِهِ
"
912 -
عَنْ أبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه قَالَ:
قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " يَأتِي الشيطَانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَق كذَا؟ من خلَقَ كَذَا؟ حتى يَقُولَ: من خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ ".
ــ
في قوله صلى الله عليه وسلم: " ناركم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم ". الحديث: أخرجه الشيخان ومالك في " الموطأ ".
794 -
" باب صفة إبليس وجنوده "
وصفه ابن عباس رضي الله عنهما في حديث له: بقبح الصورة، وبشاعة المنظر فقال عنه: " جسده جسد خنزير، ووجهه وجه قرد، وعيناه مشقوقتان طولاً، وأسنانه كلها عظم واحد .. إلى آخره
912 -
معنى الحديث: أن الشيطان، وهو أعدى أعداء البشر على الإِطلاق لا همَّ ولا شغل له أبداً إلاّ العمل الدائب على إغواء الإِنسان وإضلاله حتى يهلك ويشقى، فيوسوس له شتى الوساوس، ويأتيه من كل جانب، وأهمها أن يأتيه من جهة العقيدة لأنها أساس دينه وإيمانه، وعليها تتوقف نجاته وسعادته في الدار الآخرة فيبعث في نفسه الشكوك حولها، ويثير فيه التساؤلات العديدة عن حدوث الأشياء، ومن أحدثها " فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ " يعني من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ من خلق الجبال؟ من خلق الإِنسان؟ فيجيبه نفسياً وعقلياً بقوله: " الله "، وجوابه هذا صحيح وحق وواقع وتوحيد وإيمان، ولكن الشيطان لا يقف عند هذا الحد من الأسئلة، بل يتجاوزها إلى أسئلة ضالّة مضّلة فينتقل من سؤال إلى سؤال " حتى يقول: من خلق ربك " وهنا تبدأ المحاولة الشيطانية لتشكيك الإِنسان في
توحيده وإيمانه بصفات الله عز وجل، لأن الله تعالى لا خالق له، فهو الأول بلا ابتداء، والسابق لكل موجود، لم يسبقه عدم، حتى يكون مخلوقاً لغيره، تعالى الله علواً كبيراً " فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته " أي فإذا وصل معه الشيطان إلى هذا الحد من الأسئلة فليستعذ بالله منه، وليكف عن الاستجابة له، قال الحافظ: أي ولينته عن الاسترسال معه في ذلك، ويعلم أنه يريد إفساد دينه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: التحذير عن الاستجابة للوساوس الشيطانية، سيما ما يتعلق بعقيدة الإِنسان المتعلقة بالله وصفاته ووحدانيته، فإن هذا النوع من الوسوسة أخطر ما يكون عليه، لأن الشيطان عندما يسأله:" من خلق ربك " إنما يريد بذلك أن يوحي إليه نفسياً بأن الله مخلوق كسائر الكائنات، فإذا استجاب لذلك، والعياذ بالله، كفر بالله، وإذا تنبه لذلك واستعاذ بالله سلم من الشرك بالله، وهذا هو اليقين وصريح الإِيمان. ثانياًً: أن هذه الوساوس الشيطانية كثيرة، فمنها ما يتعلق بصفات الباري جل جلاله، أو صفات رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنها ما يتعلق بالقرآن، ومنها ما يتعلق بالغيبيات كالبعث وعذاب القبر، والجنة والنار، والملائكة إلى غير ذلك من عقائد الإِيمان فيجب الاستعاذة منه عند محاولته التشكيك في هذه العقائد، قال الخطابي: إن الشيطان إذا وسوس بذلك فاستعاذ الشخص منه، وكف عن مطاولته اندفع، وإن الاسترسال معه ولو بقرع الحجة بالحجة غير مأمون، لأن الشيطان ليس لوسوسته انتهاء. ثالثاً: إثبات وجود الشياطين، وبقاؤهم إلى يوم القيامة، وهم كثيرون وإبليس هو أبوهم وأصلهم الأول. والمطابقة: في قوله صلى الله عليه وسلم: " يأتي الشيطان أحدكم ". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
913 -
عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه:
عَنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِذَا استَجْنَحَ (1) اللَّيْلُ -أو كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ- فَكُفُّوا صبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَيّاَطِينَ تَنْتَشِر حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَتْ سَاعَةٌ من الْعِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ، وأغلق بَابَكَ، واذكُرْ اسْمَ اللهِ، وَأطْفِىءْ مِصْبَاحَكَ، واذكُرِ اسْمَ اللهِ، وَأوْكِ سقَاءَكَ، وَاذكُرِ اسْمَ اللهِ، وخَمِّرْ إِنَاءَكَ، واذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئَاً ".
ــ
913 -
معنى الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أمر إرشاد وتوجيه أن نمنع أطفالنا عن الخروج من البيوت عند أول غروب الشمس وإقبال ظلمة الليل، لأن الشياطين والأرواح الخبيثة المؤذية تنتشر في أوّل الليل محاولة الشر والإِفساد والإِضرار بالناس، لا سيما الأطفال لضعفهم، فإذا مضت ساعة بعد الغروب سمح لهم بالخروج. ثم هو صلى الله عليه وسلم يأمرنا أيضاً بإغلاق بيوتنا، وقفل أبوابها، لا سيما بالليل، لمنع اللصوص والمعتدين من دخولها، وإطفاء مصابيحنا عند النوم احتياطاً وحذراً من الحريق. ووضع جميع المشروبات التي نتناولها في أوان مغلقة محكمة خوفاً من أن يتسرب إليها بعض الحشرات والميكروبات، وتغطية الأطعمة حتى لا تتلوّث بسقوط الأقذار والجراثيم فيها.
وأن نذكر اسم الله تعالى عند كل عمل من أعمالنا هذه أو غيرها نستعيذ به ونعتمد عليه في حمايتنا (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجود الشياطين، وكونها مخلوقات شريرة مؤذية للإِنسان وأطفاله. ثانياًً: أنه ينبغي حفظ الأطفال في المنازل، ومنعهم من الخروج منها بعد غروب الشمس مباشرة لمدة ساعة، لأن الشياطين تنتشر في ذلك الوقت فتؤذيهم جسمياً ونفسياً لضعفهم وسرعة
(1) استنجح الليل أي أقبل ظلامه بعد مغيب الشمس.
914 -
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ رضي الله عنه قَالَ:
كُنْتُ جَالِساً مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرَجُلانِ يَسْتَبَّانِ، فأحَدُهُمَا احْمَرَّ وجْهُهُ، وانتفَخَتْ أوْداجُهُ، فَقَالَ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي لأعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالهَا
ــ
تأثرهم. ثالثاً: يرشدنا صلى الله عليه وسلم إلى اتخاذ كل الوسائل المادية لحفظ النفس والمال والصحة، فمن ذلك إغلاق الأبواب وإطفاء المصابيح وتغطية الإِناء، وربط السقاء كما قال صلى الله عليه وسلم:"وأوك سقاءك، واذكر اسم الله " صيانة للماء من التلوث في أي وعاء كان، وقال صلى الله عليه وسلم:" وخمر إناءك " فأمر بتغطية وعاء الطعام لحفظه من الحشرات والميكروبات. رابعاً: مشروعية الجمع بين اتخاذ الأسباب والتحصن بذكر الله تعالى وأسمائه، والتوكل عليه، حيث قال:" وأغلق بابك، واذكر اسم الله " أي اجمع بين الوقاية المادية والوقاية الروحية لتشملك العناية الإلهية. والمطابقة: في قوله صلى الله عليه وسلم: " فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر " أخرج هذا الحديث: الشيخان وأبو داود والنسائي.
914 -
راوي الحديث: هو سليمان بن صرد - بضم الصاد وفتح الراء ابن الجون بن الجون بن أبي الجون بن منقذ الخزاعي، كان من خيار الصحابة، شهد وقعة صفين مع علي رضي الله عنه، وعمل كاتباً للحسن بن علي رضي الله عنهما، وقتل سنة خمس وستين من الهجرة، وعمره ثلاث وسبعون سنة رضي الله عنه وأرضاه.
معنى الحديث: أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تخاصما وتشاتما وسب كل منهما الآخر واشتد بأحدهما الغضب، وظهرت آثاره عليه، فاحمر وجهه من شدة فوران الدم وغليانه، وانتفخت عروق عنقه، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع له من شدة الغضب فقال لأصحابه: لو قال كلمة واحدة لاستراح وهدأت
ذَهَبَ عنه ما يَجِدُ، لو قَالَ: أعُوذُ باللهِ مِنَ الشيطانِ، ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: تَعَوَّذْ باللهِ مِنَ الشيطَانِ، فَقَالَ: وَهَلْ بِي جُنُونٌ!
ــ
نفسه وهي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن الغضب نزعة شيطانية (1) تخرج الإِنسان عن حالته العادية، ويأتي ببعض الأعمال الجنونية، كتقطيع ثوبه، وكسر آنيته، وشتم من أغضبه. أو ضربه أو قتله فإذا استعاذ العبد بالله واعتصم به، حماه من الشيطان، ومنعه من التسلط عليه " قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان " " فقالوا له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تعوذ بالله من الشيطان، فقال: وهل بي جنون " قال النووي: هذا كلام من لم يفقه في دين الله، ولم يتهذب بأنوار الشريعة المكرمة، وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالمجانين، ولم يعلم أن الغضب من نزعات الشيطان، والاستعاذة تذهب الغضب وهي أقوى سلاح على دفع كيده. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن أقوى علاج لتسكين الغضب والقضاء عليه الاستعاذة بالله من الشيطان بنية صادقة، وعزيمة قوية، ويقين وإخلاص، لأن الغضب نزعة شيطانية شريرة، والاستعاذة أقوى سلاح لمحاربة الشيطان فإذا لٍم يستعمل هذا السلاح سخّره في كل ما يغضب الله من أعمال إجرامية إشباعا لغريزة التشفي والانتقام، ولهذا جاء في الحديث عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: لا تغضب ولك الجنة، رواه الطبراني في الكبير والأوسط لأنه يولّد الحقد (2) والحسد، وإضمار السوء، وهجر المسلم
(1) أي نزعة شيطانية تدفع صاجها إِلى الانتقام، وارتكاب الأفعال الاجرامية.
(2)
شرح الزرقاني على " الموطأ " ج 4.