الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
808 - " حَدِيثُ أبْرَصَ وأقْرعَ وأعمَى في بنِي إِسْرَائِيلَ
"
935 -
عَن أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه:
أنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " إِنَّ ثَلَاَثةً فِي بني إسْرَائِيلَ أبرَصَ وأقْرَعَ وَأعْمَى، بَدَا للهِ أنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فبعث إلَيْهِمْ مَلَكاً، فأتَى الأبرَصَ فَقالَ:
ــ
أجمعين. اهـ. وذهب مالك إلى أن الخضاب بغير السواد أولى وأفضل فقد روى أشهب عن مالك أنه قال: ما علمت أن فيه النهي، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي " (1) أي إنما قال مالك: وغير ذلك من الصبغ أحب إلي، لأن الصبغ بالسواد لم يستعمله النبي صلى الله عليه وسلم فغيره أولى. كما أفاده الباجي. ثالثاً: قال شيخ الإِسلام (2) ابن تيمية: أمر صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم، وذلك يقتضي أن مخالفتهم أمرٌ مقصود للشارع، لأنه إذا كان الأمر " في الحديث " بجنس المخالفة حصل القصد، وإن كان الأمر بها في تغيير الشيء فهو لأجل ما فيه من المخالفة.
الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: " إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم " حيث ذكر اليهود والنصارى، وهم من بني إسرائيل.
808 -
" حديث أبرص وأقرع وأعمى في بني إسرائيل "
935 -
معنى الحديث: أن ثلاثة من بني إسرائيل، وقعت لهم قصة عجيبة قصَّها علينا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق، لما فيها من الموعظة والاعتبار التي نستفيد منها في حياتنا، كان كل واحد من هؤلاء الثلاثة مصاباً بعاهة في جسده، فأراد الله أن يمن عليهم بالسلامة من عاهاتهم، وبالغنى بعد فقرهم ابتلاءً لهم، ليجازي من شكر النعمة بزيادتها، ومن كفرها بزوالها، فأما
(1) وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " وجنبوه السواد " فقد أجاب عنه ابن القيم في " زاد المعاد " بأن الخضاب بالسواد المنهي عنه هو خضاب التدليس، وأجاب عنه الباجي بأن الحديث ليس بثابت لأنه رواه ليث بن أبي سليم. اهـ.
(2)
" فيض القدير شرح الجامع الصغير " ج 4.
أيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْن حَسَن، وَجِلْدٌ حَسَن، قَدْ قَذَرَني النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ، فَأعْطِيَ لَوْناً حَسَناً، وجِلْداً حَسَناً، فقالَ: أيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ، فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشراءَ، فَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا، وأتى الأقْرَعَ، فَقَالَ: أي شَىءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ، فَقَالَ:
ــ
الأوّل فهو رجل أبرص بعث الله إليه الملك في صورة إنسان: فقال له: " أي شيء أحب إليك؟ " وسأله عن أمنيته المفضلة " قال: لون حسن وجلد حسن " أي تمنى أن يعود إلى جسمه لونه الصافي الجميل وبشرته النقية السليمة " قد قذرني الناس " قال الحافظ: قذرني بفتح القاف والذال أي اشمئزوا مني " قال: فمسحه فذهب عنه " أي فمسحه الملك بيده فزال عنه داء البرص، وأصبح نقي اللون والبشرة، فسأله عن أحب المال إليه، فقال: الإبل، " فأعطي ناقة عشراء " بضم العين وفتح الشين وهي الحامل التي أَتى عليها في حملها عشرة أشهر. " وأما الثاني " فهو رجل أقرع، أتاه الملك في صورة إنسان من البشر فسأله كما سأل صاحبه الأول عن أمنيته في الحياة، فقال إنه يتمنى أن يعود إليه شعر رأسه، لأن الناس اشمأزوا منه، ومن منظر رأسه البشع، وصورته القبيحة، وهو معنى قوله:" وأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا " أي القرع " قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب وأعطي شعراً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر فأعطي بقرة حاملاً، وقال: يبارك لك فيها " بضم أوله على البناء للمجهول، وفي رواية بارك الله لك فيها. " وأما الرجل الثالث " فهو رجل أعمى، أتاه الملك على صورة البشر، فسأله عن أمنيته في الحياة، فقال: أن يعود إلي بصري، فإنه لا شيء أحب إلي من أن أبصر النور وأرى الأشياء حولي، فأعاد إليه الملك بإذن الله بصره، وسأله عن أحب المال عنده فقال: الغنم، فأعطاه ما يحب،
شَعْر حَسَن، ويَذْهَبُ عني هَذَا، قدْ قَذَرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ، وأعْطِيَ شَعْراً حَسَنَاً، قَالَ: فأيُّ المَالِ أحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ، قَالَ: فأعْطَاهُ بَقَرةً حَامِلاً، وَقَالَ يُبَارَكْ لَكَ فِيهَا، وأتى الأعْمَى، فَقَال: أيُّ شَيْءٍ أحبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: يَرُدُّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فأبْصِرُ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأيُّ المَالِ أحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الغَنَمُ، فأعْطَاهُ شَاةً وَالداً، فأنتجَ هَذَانِ، وَوَلَّدَ هَذَا، فكان لهَذَا وَادٍ مِنْ إبلٍ، وَلِهَذا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ الْغَنَمِ، ثم إنَّهُ أتَى الأبرَصَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلْ مِسْكِين تَقَطَّعَتْ بي الْحِبالُ في سَفَرِي فلا بَلاغَ اليَوْمَ إلَّا باللهِ ثم بِكَ، أسْالكَ بالَّذِي أعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَن، والْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيراً أتبَلَّغُ عَلَيْهِ في سَفَرِي، فَقَالَ لهُ،
ــ
وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره، قال فأي المال أحب إليك، قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً " قال الحافظ: أي ذات ولد، ويقال حامل. وقد بارك الله تعالى لهؤلاء الثلاثة فيما أعطاهم، " فأنتج هذان " أي صاحب الإِبل والبقر " وولّد هذا " أي صاحب الغنم، وهو بتشديد اللام. ثم إن الله تعالى قدر على هؤلاء أن يختبرهم وإن كان عز وجل عالماً بحقيقة حالهم، لا يخفي عليه شكرهم وكفرهم ولكن إنما ابتلاهم بذلك.
ليظهر لخلقه أحوالهم ويجازيهم بحسب أعمالهم، فيكونوا عبرة لغيرهم وهو معنى قوله:" ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، تقطعت بي الحبال " أي ابتلاني الله بهذا الداء العضال ويئست من الشفاء ولم يبق لي أمل في العافية حيث تقطعت بي حبال الآمال، وسدت أمامي أبواب المعيشة وأسباب
إنَّ الْحُقُوقَ كَثيرة، فَقَالَ لَهُ: كَأنِّي أعْرِفُكَ، ألَمْ تَكُنْ أبْرَصَ، يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيراً فَأعْطَاكَ اللهُ؟ فَقَالَ: لقدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً، فَصَيَّرَكَ اللهُ إلى مَا كُنْتَ، وأتى الأقْرَعَ في صورَتِهِ وهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَه مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَصَيَّرَكَ اللهُ إلى ما كُنْتَ، وأتى الأعْمَى في صورَتِهِ فَقَالَ: رَجل مِسْكِينٌ وابْنُ سَبِيل، وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبَالُ في سَفَرِي، فلا بَلَاغَ الْيَوْمَ إلَّا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ، أسْألكَ بالذي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شاةً أتبَلَّغ بِهَا في سَفَرِي، فَقَال: قَدْ كنْت أعمَى، فَرَدَّ اللهُ بَصَرِي، وفَقِيراً فقد أغْنَانِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، فَوَاللهِ لا أجْهِدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْء أخَذْتَه لله، فَقَالَ: أمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتلِيْتمْ، فَقَد رَضِيَ الله عَنْكَ، وَسَخِطَ على صَاحِبَيْكَ ".
ــ
الرزق، وأصبحت فقيراً بائساً مسكيناً " فلا بلاغ اليوم إلاّ بالله ثم بك " أي فلا أحد يوصلني إلى تفرج كربتي إلاّ الله، ثم أنت " أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن، والمال بعيراً أتبلغ به " أي يوصلني إلى بلدي " فقال له: إن الحقوق كثيرة " أي إن النفقات التي تلزمني كثيرة، وهي أولى منك، " فقال له: إني أعرفك: ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاك الله " أي فأعطاك الله الصحة والمال. " فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر " وفي رواية كابراً عن كابر، أي ورثت هذا الغنى والعز والشرف أباً عن جد " فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت " أي إلى ما كنت عليه من داء البرص والفقر " وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قاله لهذا " أي للأبرص، " فرد عليه مثل ما رد عليه هذا " أي الأبرص " فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت " عليه من الفقر وسوء الحال، والقرع وسوء
المنظر. " وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين إلخ " يعني فقال له الملك. مثل ما قال لصاحبه، ولكن الأعمى لم يكن مثل صاحبيه كافراً النعمة، " فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء " أي لا أشق عليك برد شيء تطلبه مني " فقال له: أمسك مال فإنما ابتليتم " أي امتحنتم " فقد رضي عنك " لأنك شكرت نعمة الله وأديت حقها عليك " وسخط على صاحبيك " لأنهما كفرا بنعمة الله.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: التحذير من كفران النعم، لأنه يؤدي إلى زوالها، والترغيب في شكرها، لأنه يؤدي إلى دوامها وزيادتها، فالحديث مصداق قوله تعالى:(لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ). ثانياً: أن شكر النعمة واجب، وكفرها معصية، ولولا ذلك لما غضب على الأبرص والأقرع وعاقبهما في الدنيا قبل الآخرة. ثالثاً: أنه لا مانع من تذكير الإِنسان بحالته السيئة التي كان عليها إذا كان ذلك لنصحه ودعوته لشكر الله تعالى، أما إذا كان ذلك لتعييره بماضيه أو التشهير به فإنه لا لا يجوز شرعاً. رابعاً: الحث على الصدقة، والرفق بالضعفاء، ومد يد المعونة لهم. خامساً: أن على الإِنسان أن يذكر إذا صار في نعمة ما كان عليه سابقاً من فقر أو مرض أو عاهة، لأن ذلك يدفعه لمزيد الشكر والامتنان. سادساً: الزجر عن البخل، والتحذير من عواقبه السيئة، لأنه رأس كل رذيلة. سابعاً: أن هذه قصة من قصص بني إسرائيل العجيبة التي فيها الكثير من المواعظ والعبر، ولهذا حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي ننتفع بها في حياتنا وسلوكنا. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " إن ثلاثة من بني إسرائيل ".
***
936 -
عن أبي سَعِيدٍ رضي الله عنه:
عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " كَانَ فِي بني إسْرَائِيلَ رَجُل قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَاناً، ثُمَّ خَرَجَ يَسْألُ، فَأتَى رَاهِباً، فسألَهُ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لا، فَقَتَلَهُ، فَجَعَل يَسْأل، فَقَالَ لَهُ رَجُل: ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا، فأدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلَاِئكَةُ الْعَذَابِ، فأوْحَى اللهُ إلى هَذِهِ أنْ تَقَرَّبِي وأوْحَى إلى هَذِهِ أنْ تَبَاعَدِي، وقالَ: قِيسُوا ما بَيْنَهُمَا، فَوُجِدَ إلى هَذِهِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ ".
ــ
936 -
معنى الحديث: أن رجلاً من بني إسرائيل قتل تسعة وتسعين نفساً ظلماً وعدواناً فسأل عن أعلم أهل الأرض كما في رواية مسلم ليستفتيه في قضيته، فدُل على راهب - أي على عابد من عُبّاد النصارى، فجاء إليه واستفتاه، هل تقبل توبته إذا تاب؟ فقال له: لا توبة لك بعد أن قتلت تسعة وتسعين نفساً، فقتل ذلك الراهب، وأكمل به المائة، ثم صار يسأل عن عالم آخر، فدلوه على رجل من أهل العلمٍ غير الأول، حتى وجده، فقال له ذلك الرجل (1) ائت قرية كذا فإنّ بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فذهب من عنده حتى إذا انتصف الطريق أدركه الموت، فمال بصدره بجهد ومشقة إلى جهة القرية الصالحة، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأوحى الله إلى القرية الصالحة، وهي قرية " نصرة " أن تقترب منه، وأوحى إلى القرية التي خرج منها أن تبتعد، وأمرهم أن يقيسوا المسافة بين القريتين فوجدوه أقرب إلى
(1) وفي رواية فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة انطلق إِلى أرض كذا الخ.
937 -
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:
قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: " اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَاراً لَهْ، فوجَدَ الرَّجُلُ الذي اشْتَرَى الْعَقَارَ في عَقَارِهِ جرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الذي اشْتَرى
ــ
القرية الصالحة بشبر، فغفر له. والمطابقة: في قوله: " كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنساناً ".
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن التوبة تكفّر الكبائر كلها مهما بلغت، بما في ذلك القتل، لأن الله تعالى قبل توبة هذا الرجل الذي قتل مائة نفس، ولا يقال: إن القتل من حقوق الآدميين التي لا تقبل فيها التوبة إلا باستحلال أصحاب الحقوق ومسامحتهم وإرضائهم، لأن الله إذا قبل توبة العبد أرضي عنه خصمه كما أفاده القسطلاني (1). ثانياً: قال الحافظ: في هذا الحديث فضل العالم على العابد، لأن الذي أفتاه أولاً بأن لا توبة له غلبت عليه العبادة فاستعظم وقوع ما وقع من ذلك القاتل من جرأته على قتل هذا العدد الكثير، وأما الثاني: فغلب عليه العلم فأفتاه بالصواب (2). اهـ. وهذا يدل على قيمة العلم، وأن العالم مقدم على العابد. ثالثاً: أنه ينبغي لمن تاب من ذنب ولا سيما إذا كان من الكبائر أن يعقبه بالإكثار من العبادات والأعمال الصالحة، ومعاشرة الصالحين، ولهذا أفتاه هذا العالم الواعي أن يذهب إلى تلك القرية الصالحة، ليعايش الصالحين من أهلها، فيقتدي بهم في عبادتهم، فإنّ الحسنة تكفر السيئة، فإذا أضيفت الحسنات إلى التوبة الصادقة كانت خيراً على خير، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة.
937 -
معنى الحديث: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اشترى رجل من رجل
(1)" إرشاد السارى شرح صحيح البخاري " للقسطلاني.
(2)
" فتح الباري " للحافظ ابن حجر العسقلاني.
الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إنما اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأرْضَ، ولم أبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، وقَالَ الَّذِي لَه الأرْضَ: إنَّمَا بِعْتُكَ الأرْضَ وما فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إلى رَجُل، فَقَالَ الَّذِي تحاكَمَا إلَيْهِ: ألَكُمَا وَلَدٌ؟ قَالَ أحَدُهُمَا: لِيَ غُلامٌ، وَقَالَ الآخَرُ: لِيَ جَارِيَةٌ، قَالَ: أنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ وأنفِقُوا على أنفُسِهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا".
ــ
عقاراً" أي أرضاً أو داراً " فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب " أي فوجد المشترى جرة في داخلها نقود وحلي وسبائك ذهبية " فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض " أي فذهب المشتري إلى البائع، ودفع الجرة إليه قائلاً خذ ذهبك. فإنني لا حق لي فيه، لأنني إنما اشتريت الأرض فقط، ولم أشتر منك هذا الذهب الذي وجدته فيها، فهو حقك " وقال الذي باع الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها " فكلُّ ما وجدته فيها من ذهب أو غيره فهو ملكك، ورزق ساقه الله إليك " فتحاكما إلى رجل " وهل هذا الرجل هو الحاكم الشرعي نفسه، أو رجل آخر، في هذا خلاف بين العلماء " فقال " لهما: " ألكما ولد، قال أحدهما:" وهو المشتري " لي غلام، وقال الآخر " وهو البائع " لي جارية، قال: أنكحوا الغلام الجارية " أي زوجوا ولد المشتري على بنت البائع " وأنفقوا على أنفسهما منه " أي وأنفقوا عليهما من هذا الكنز " وتصدقا منه " أي وتصدقا ببعضه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: صلاح هذين الرجلين وورعهما وعفتهما وزهدهما في هذا الكنز النفيس الذي يتمثل في تدافعهما له، ومحاولة كل منهما التخلص منه، فهما نوع نادر من البشر. ثانياًً: قال الحافظ في قوله صلى الله عليه وسلم: " فتحاكما إلى رجل " ظاهره أنهما حكَّماه أي حكما رجلاً غير الحاكم الشرعي المنصوب من قبل ولي الأمر وعلى ذلك، فإن هذا الحديث يصلح
حجة على أنه يجوز للمتداعيين أن يحكّما غير الحاكم الشرعي، وبهذا قال مالك والشافعي بشرط أن يكون أهلاً للحكم، وأن يحكم بينهما بالحق، سواء وافق رأي القاضي أم لا، واستثنى الشافعي الحدود، واشترط أبو حنيفة أن لا يخالف قاضي البلد، إلاّ أن الروايات الأخرى دلت على أنّهما حكَّما الحاكم الشرعي الذي هو داود عليه السلام، أو قاضياً من قضاة ذي القرنين، وعلى هذا فليس في الحديث حجة على تحكيم غير الحاكم. ويرى القرطبي رحمه الله أن ما أجراه هذا الرجل بينهما ليس حكماً عليهما، وإنما هو إصلاح بينهما. قال الحافظ: وجزم القرطبي بأنه لم يصدر منه حكم على أحدٍ منهما، وإنما أصلح بينهما لما ظهر له أن حكم المال المذكور حكم المال الضائع، فرأى أنهما أحق بذلك من غيرهما. الحديث: أخرجه الشيخان والمطابقة: في قوله: في كون هذه القصة من أخبار بني إسرائيل.
***