الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
859 - " قِصَّةُ أهْلِ نجْرَانَ
"
ــ
أن يتكلم عنه. ثالثاً: قال الحافظ في " الفتح " يؤخذ منه أن السوار وسائر أنواع الحلي تعبر للرجال بما يسوءهم، قال ابن القيم:" ومن ها هنا دل لباس الحلي للرجل على نكد يلحقه وهمّ يناله ". قال أبو العباس أحمد بن عبد الرحيم المقدسي المعروف بالشهاب العابر: قال لي رجل: رأيت في رجلي خلخالاً، فقلت له تخلخل رجلك بألم، فكان كذلك، وقال لي آخر رأيت كأن في أنفي حلقة ذهب، وفيها حب مليح أحمر، فقلت له: يقع بك رعاف شديد فجرى كذلك. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون مسيلمة الكذاب إنما قدم في وفدٍ من بني حنيفة كما أفاده.
859 -
" قصة أهل نجران "
أي قصة قدوم وفد نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة في السنة التاسعة من الهجرة، وذلك أن نصارى نجران لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم كتاباً يدعوهم إلى الإسلام بعثوا وفداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكوناً من ستين رجلاً منهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، منهم ثلاثة يؤول إليهم أمرهم، وهم العاقب أمير القوم، والسيد مستشارهم، وأبو حارثة أسقفهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحبرين " أسلما: قالا: قد أسلمنا، قال: إنكما لم تسلما، قالا: بل قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما يمنعكما من الإِسلام ادّعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، قالوا: فمن أبوه يا محمد، فصمت رسول الله، فلم يجبهما حتى أنزل الله تعالى عليه صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية، فتصدى النبي صلى الله عليه وسلم لمناقشتهم، فقاله لهم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلَّا ويشبه أباه؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟ قال: فهل يملك
عيسى من ذلك شيئاً؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلَّا ما علمه الله، قالوا: لا، قال: فإن الله صوّر عيسى في الرحم كيف يشاء، فهل تعلمون ذلك، قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب، ولا يحدث الحدث، قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة، ثم غذّي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم في يشرب ويُحْدث، قالوا: بلى، قال: وكيف يكون هذا؟ فسكتوا، وعجزوا عن الجواب، فلما لم تنفع معهم الحجة والبرهان، وأبوا أن يقروا، أمر الله تعالى نبيه بمباهلتهم، وأنزل عليه قوله تعالى (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة. قال ابن كثير:" فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميل له، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة فقال شرحبيل لصاحبه: لئن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك. فقال له صاحباه: فما الرأى يا أبا مريم؟ فقال: رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً، فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك، فقال: وما هو؟ فقال: نحكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فما حكمت بيننا فهو جائز " ا. هـ. فصالحهم صلى الله عليه وسلم على أن يدفعوا له ألف حلة في رجب وألف حلة في صفر، مع كل حلة أوقية، وعليهم إعارة ثلاثين درعاً، وثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً لمن يقاتلون من المسلمين في أرض اليمن، وكتب لهم أن تكون لهم الحرية في ملتهم.
1004 -
عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ:
جَاءَ الْعَاقِبُ، والسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدَانِ أنْ يُلاعِنَاهُ، قالَ: فَقَالَ أحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لا تَفْعَلْ، فَوَاللهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيَّاً فلاعَننَا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا، قَالا: إنَّا نُعْطِكَ مَا سَأَلتَنَا، وابْعَثْ مَعَنَا رَجُلاً أمِيناً ولا تَبْعَثْ مَعَنَا إلَّا أمِيناً، فَقَالَ: "لأبعَثَنَّ مَعَكُمْ
ــ
1004 -
معنى الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران كتاباً قال فيه: " من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أمّا بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب، والسلام " فقدم إليه وفد من أشرافهم منهم " العاقب " أميرهم و" السيد " مستشارهم فسألهم وسألوه عن عيسى، فأنزل الله تعالى في ذلك صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية، فتصدى النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآيات لمناقشتهم، وأقام عليهم الحجة والدليل القاطع على أن عيسى ليس إلهاً ولا ابناً لله تعالى كما يزعمون، ولكنه عبد الله ورسوله (1)، فلما أصرّوا على عقيدتهم أمره الله تعالى بمباهلتهم، ومعنى " المباهلة " أن يجتمع الطرفان رجالاً ونساءً وأطفالاً ويبتهلا إلى الله تعالى بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى، ولذلك عبّر عنها في الحديث بالملاعنة حيث قال " يريدان أن يلاعناه " أي يلاعنا النبي صلى الله عليه وسلم حين طلب منهم ذلك، فقال أحدهما لصاحبه وهو العاقب: لا تفعل، والله لقد علمتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، وما لاعن قوم نبياً قط فيبقى كبيرهم أو ينبت صغيرهم، " لئن كان نبياً فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا " أي نهلك نحن وأبناؤنا و" قالا: إنا نعطيك ما سألتنا " أي نعطيك
(1) وقد تقدم لنا شرح هذه المناقشة أثناء كلامنا على الترجمة.
رَجُلاً أمِيناً حَقَّ أمِين، فاسْتَشْرَفَ لَهُ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَال:" قم يَا أبَا عُبَيدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ " فَلَمَّا قَامَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" هَذَا أمِينُ هَذ الأمَّةِ ".
ــ
ما تطلبه منا " وابعث معنا رجلاً أميناً " قال ابن كثير (1): فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قد رأينا أن لا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين " فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي فتطلع لهذا المنصب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا رغبة في الإمارة، ولكن حرصاً على هذه الصفة الكريمة صفة الأمانة " فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال: هذا أمين هذه الأمة " فوصفه بهذه الصفة الكريمة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: عزم النبي صلى الله عليه وسلم وتصميمه على مباهلة وفد نجران تنفيذاً لأمر الله تعالى في قوله عز وجل (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)، أما نصارى نجران فإنهم أحجموا وَوَجَمُوا عن المباهلة خشية أن يصابوْا بسوء، قال الإمام محمد عبده (2): وهذا الطلب -أي طلب النبي صلى الله عليه وسلم المباهلة- يدل على قوة يقين صاحبه، وثقته بما يقول، كما يدل امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب على امترائهم فيما يعتقدون، وكونهم على غير بينة ولا يقين. ثانياً: أن في الحديث منقبة عظيمة لأبي عبيدة رضي الله عنه حيث وصفه بأنه أمين هذه الأمة، وتلك صفة عظيمهَ أشرأبت لها أعناق كبار الصحابة. ثالثاً: جواز صلح أهل
(1)" البداية والنهاية " لابن كثير ج 5.
(2)
" تفسير المنار " ج 3.