الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فى تعريف هيئة الحجرة المعطرة النبوية
بعد أن تحول سقف الحجرة إلى قبة بعد تجديد
مربع قبر السعادة وتعميره
أبلغ السلطان قايتباى المصرى قبل الحريق الثانى بقليل أن مسجد السعادة وخاصة أسطوانة صندوق القبر فى حاجة إلى التعمير، وأرسل المشار إليه شخصا يسمى شمس الدين بن زمن بعد أن عينه أمينا للبناء إلى المدينة المنورة ليسوى قطع رخام الحجرة المعطرة بعد أن يصلح أسطوانة الصندوق الشريف التى انشقت بعد أن أمده بمال كاف وذلك فى سنة 881 هـ.
وبناء على التعليمات التى تلقاها شمس الدين بن زمن عاين حرم السعادة، وجدد أساطينه ورمم أسطوانة الصندوق الشريفة بإنقاص إحدى أسطوانات مسجد قباء، ورفع قطع الرخام التى على أرضية الحجرة المعطرة من الزاوية الشمالية للجدار الذى أقامه عمر بن عبد العزيز إلى زاوية الجدار الشرقية.
وبينما كان ينزل كسوة القبر وجد فرجة فى الجدار السابق الذكر مغطاة بالطوب اللبن وصبغت بمونة من الجص وأمر بفتح هذه الفرجة بقصد كشف ما بين الجدارين ومعاينته، ومن هنا ألقى نظرة إلى الجدار الذى أحاط به عمر بن عبد العزيز القبور الثلاثة ورأى فرجة فى هذا الجدار أيضا فرجة مستديرة فأمر بفتحها أيضا، وكان هذا الثقب فرجة تسع يدا فى التقاء زاويتى الشرق والشمال للجدار القديم فوسع شمس الدين بن زمن هذه الفرجة وعاين داخل مربع القبر وكشفه، وفى آخر الأمر فكر قائلا كيف أسد هذه الفرجة التى فى الجدار القديم؟ فتحير واضطرب وترك هذا العمل فى الإصلاحات وجمع فى داخل
مقصورة الحجرة المعطرة مجموعة من الناس وعقد مجلسا فى سنة إحدى وثمانين وثمانمائة حتى يعرف كيف يستفتى فى هذا الموضوع.
وقررت هيئة الشورى التى اجتمعت داخل المقصورة الشريفة تجديد الجدار الذى بناه عمر بن عبد العزيز قديما وفى الرابع عشر من شعبان فى تلك السنة هدموا ذلك الجدار إلى أن بقى إلى سطح الأرض أربعة أذرع، وأنزلوه على الأرض وذلك بعد رضا شمس بن زمن ورأيه، وبينما كان يهدم هذا الجدار ظهرت بعض الأخشاب محروقة الأطراف من بقايا الحريق الأول، وأخرجوا سواء أكانت هذه الأخشاب المحترقة أو أجزاء الأنقاض الكبيرة التى بين الجدار القديم والجدار الجديد.
كان الجدار الذى بناه عمر بن عبد العزيز أو الجدار القديم قد بنى مقدار أربعة أذرع منها بالحجارة، وكان نصف الأسطوانة من الأسطوانة التى فى الجهة الشمالية من الجدار القديم ظل خارج الجدار ونصفها فى داخل الجدار المذكور مع ذلك لم يكن هناك باب للدخول فى داخل مربع القبر الشريف.
وقد رأى ابن زمن فكرة هدم جدار عمر بن عبد العزيز وجدار الجهة الشامية من مربع قبر السعادة وتحويل السقف إلى القبة كما صوبت هيئة مجلس المقصورة تلك الفكرة السخيفة دون أن تراعى الأدب وأخذ يهدم الجدار القديم.
وكان الإمام السمهودى على قيد الحياة فى ذلك الوقت، فذهب إلى شمس بن زمن إذ رأى جرأته المتولدة من الجهل وقال له:«إن هذه الحركة منافية لقانون الأدب ورعاية الأخلاق، إذ يلزم الاختصار فى تجديد مبانى الحجرة المعطرة على قدر الإمكان» .والتزم الرأى الذى يرجح عدم هدم الجدار القديم، ولكن أحدا لم يعر اهتماما رأيه فهدموا جدار مربع حجرة السعادة فى الجهة القبلية والغربية أربعة أذرع منها وعند ما أرادوا أن يهدموا جدران الجهة القبلية والغربية حتى الأرض وأن يبنوها من جديد، وجدوا جدارا صغيرا مبنيا باللبن فى طول أكثر من ذراع وفى عرض نصف ذراع تركوه تيمنا فظل فى داخل الجدار القبلى فى ارتفاع
ذراع واحد كما وجدوا مثل هذا الأثر لبناء قديم فى الجهة الغربية فلم يتجرءوا على هدم جدران هاتين الجهتين هدما تاما.
يوم أن هدمت حجرة السعادة امتلا داخل مربع القبر الشريف بأنقاض الجدران المتهدمة، فدخل كثير من الناس داخل مربع القبر اللطيف فأخرجوا التراب والغبار خارج المربع ونظفوا داخل الحجرة المعطرة.
وكان الإمام السمهودى قد دعى لهذا الاجتماع السامى أيضا إلا أنه لم يستجب خوفا من أن يحدث ما يعكر الصفو وسوء الأدب وفى الآخر أرسل له أمين البناء شمس بن زمن رسولا خاصا ورجاه أن يشرف الاجتماع ولما كان غلب عليه شوق زيارة داخل حجرة السعادة استجاب للدعوة الثانية بلا تردد ودخل بكل خضوع وخشوع بعد أن استأذن من روح النبى والرسول صلى الله عليه وسلم.
عرف أحد أصدقاء الإمام السمهودى كيفية دخوله وخروجه من مربع قبر السعادة إذ قال له: «عندما دخلت فى داخل حجرة قبر السعادة تأثر دماغى برائحة لم تشمها قوة شامتى فى طول عمرى» .
«بعد أن أديت مراسم الصلاة والسلام ورجاء الشفاعة من صاحب الشفاعة العظمى النبى صلى الله عليه وسلم، ففتحت عينى وألقيت نظرة إلى ساحة السعادة المباركة، لم يكن على سطح الحجرة الشريفة ما يشبه القبر، ورأى الذين كانوا معى مكانا مرتفعا فى وسط الحجرة وذهبوا إلى أن هذا المكان هو القبر الجليل، وشرعوا يأخذون من فوقه بعض الأتربة تيمنا وأن يخفوه، إلا أنهم كانوا مخطئين فى رأيهم هذا، لأن قبر السعادة كان فى الجهة القبلية من الحجرة المعطرة وجدارها حتى إن اللحد الشريف يعد جزءا منه تحت أساس الجدار القديم، إذ يروون نقلا عن جابر بن عبد الله الأنصارى، عندما دفن جسد النبى المبارك نثر ماء فوق قبر النبى لا مع الأنوار وبدأ من جهة رأس النبى صلى الله عليه وسلم وأتم فى ناحية قدمى الرسول المباركة، ولما كان المرور من بين القبر الشريف والجدار القديم غير ممكن يعنى لم يكن هناك فاصل بين الجدار القبلى لحجرة السعادة والقبر المنيف إلا قدر
إصبعين، فصب بلال الماء إلى هذه الجهة من القبرة من فوق الجدار الذى فى الناحية القبلية من الحجرة المعطرة».انتهى.
ومن مؤلف طبقات ابن سعد نقلا عن محمد بن عبد الرحمن أن محمد بن عبد الرحمن قال: «كان أبى حاضرا عندما انهار الجدار الذى فى مربع السعادة فى عهد عمر بن عبد العزيز؛ وكان يقول: «عندما انهار جدار مربع قبر السعادة كنت بجانب حجرة السعادة، فنظرت من مكان السقوط داخل مربع القبر الجليل. كان ما بين مرقد السعادة وحجرة عائشة-رضى الله-عنها المنيرة قدر شبر واحد، فأنا أيضا أصدق أن نعش النبى صلى الله عليه وسلم قد وضع إلى اللحد الشريف من الناحية القبلية وأؤيد تلك الرواية، وبما أن روح النبى صلى الله عليه وسلم قبضت فى هذا المكان فالمكان الذى توفى فيه هو أشرف بقاع الأرض ومن هنا دفن فى هذا المكان» ،انتهى.
بعد أن كنس سطح حجرة السعادة وأخرجت أنقاض الجدار المنهار إلى الخارج شرع شمس بن زمن فى بناء الأماكن المنهدمة ذاكرا اسم الله فجعل عرض الجدار الشرقى فى عرض أساسه الأصلى يعنى فى سمك ثلاثة أذرع كذلك ذراعين ونصف من السمك، وأدخل العمود الملاصق للجدار الشامى فى داخل الجدار المذكور، ومن هنا جاء سمك الجدار الشامى لمربع قبر السعادة أكثر سمكا من جدران الجهات الأخرى وأصبحت جدار جميع الجهات يختلف بعضها عن البعض فى السمك، وكان اليوم الذى بدأت فيه العمليات يوافق السابع عشر من شهر شعبان من السنة المرقومة
(1)
.
ولما كان ما بين الجهة الغربية والشرقية على شكل طولى، وكان بناء القبة عليه يرى غير قابل للتنفيذ.
ولكن بما أن قرار إنشاء قبة فوق مربع القبر الجليل كان قطعيا والتحرك خارج هذا القرار غير ممكن لذا قد جعل شمس ابن زمن بناء على تصويب المهندسين ورأيهم حجرة السعادة مربعة وذلك بفتح باب من جهة قدمى السعادة من الحجرة
(1)
سنة 881 هـ.
المعطرة، فى ارتفاع اثنى عشر ذراعا يعنى قد ضيق وقصر طول الجدارين والباب المفتوح وجعل داخل مربع حجرة السعادة فى شكل مربع ولما بنى الجدار الشامى بأحجار منحوتة شاد فوقه قبة فى ارتفاع ثمانية عشر ذراعا آدميا عن سطح الأرض وفتح فى وسط الجدار الشامى بابا صغيرا وأدخل الحجرة الشريفة ابن أخيه وصهره لتسوية ما فوق القبور الثلاثة، والرجلان اللذان أدخلا داخل قبر السعادة قد فرشا فوق القبور الثلاثة رملا على شكل ظهر السمك مثل قبور بلاد الروم حسب تصورهما وبخرا مرقد السعادة بإيقاد كثير من العود والعنبر وكانت القبور الثلاثة بجانب الجدار القبلى.
بينما كانت القبور الثلاثة تبخر وتسوى قدم كثير من العرض حالات المكتوبة إلى عتبة الرسول صاحب الشفاعة الموفورة وسد الباب الصغير الذى فتح فى وسط الجدار الشامى وركز فوق القبة العالية التى ارتفعت إلى السماء علم مصنوع من النحاس وطلى بذهب خالص.
وإن كان شمس بن زمن قد بنى وأسس هذه القبة فى غاية المتانة إذ جعل بين الأعمدة الموجودة أعمدة أخرى قدر اللزوم وعقد عقودا فوق تلك الأعمدة، إلا أن قمة القبة قد انتقضت وسقطت بعض أجزائها، وبناء على الأمر الذى ورد من الحكومة المصرية قام شيخ الحرم شاهين الشجاعى بهدم الأماكن التى تحتاج إلى الهدم بعد الكشف عنها، وقام ببنائها من جديد وكان ذلك فى عام 892
وقبل أن يهدم شاهين الشجاعى المواضع التى فى حاجة للهدم أمر بكنس داخل الحجرة الشريفة احتراما ورعاية للقبر الشريف، وأمر بعمل سقف احتياطى وتصور بأنه بهذه الطريقة سيحمى داخل الحجرة الشريفة من سقوط الكناسة وجعل العمال يعملون بهدوء حتى انتهوا من التجديد.
ودامت حجرة السعادة خمسا وأربعين سنة بعد أن عمّرت على تلك الصورة متماسكة إلا أنه قد شوهدت علامات الانهيار فى الجدار الغربى والخلل، وأعلم