الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فى تعريف كيفية تعمير حرم السعادة
وتجديده فى المرة السابعة
قد قام بتعمير الحرم الشريف، ممسح جباه الموحدين والذى يقوم بخدمته الملائكة خدم سيد المرسلين، قد قام بتعميره وتجديده للمرة السابعة السلطان الغازى عبد المجيد خان بن السلطان الغازى محمود خان العدلى.
وجه إلى شيخ المهندسين محمد رائف باشا من الثلاثة ذوى المكانة عند الوكلاء من محافظة طرابلس الغرب سابقا ومن كرام الأمراء وأحيل إليه وظيفة أمانة المبانى وأرسل إلى المدينة المنورة.
وخرج محمد رائف باشا من باب السعادة فى ربيع الأول سنة 1267 هـ ووصل فى اليوم الثانى والعشرين من شعبان فى نفس السنة إلى المدينة المنورة وشغل بإتمام ما لم يتم عمله من الجبل طريق الأمر الذى سواه سلفه حليم أفندى الصغير، واقتلع الخيم التى تؤوى العمال والآلات التى فى الجبل الأحمر وبنى مكانها دورا حتى يحمى العمال والأدوات من عربان البادية والحيوانات المتوحشة وعلى بعد عشرة أذرع من هذه الدور حفر بئر يبلغ عمقها خمسين ذراعا.
الحوادث المحلية
عتدما أتم محمد رائف باشا حفر البئر وأخذ العمال يستفيدون منها، عصى عربان البادية وتسلطوا على قوافل الحجاج وأبناء السبيل، وحاصروا المدينة المنورة وقطعوا الطرق والموارد عنها حتى يضيقوا على العمال والمسافرين وجيران سيد المرسلين، ومنعوا جلب الحجارة من الجبل الأحمر إلى المدينة كما منعوا جلب المياه إلى العمال من البئر سالفة الذكر وهجموا على العمال ونهبوا الحيوانات الأميرية وعملوا على قتل من يصادفهم من الناس وتسلح عمال الجبل الأحمر
وأنشئوا متاريس وأبراج لحماية أنفسهم، مع أن العربان حاصروا الجهات الأربعة للجبل الأحمر وأخذوا يسببون الخسائر للمحاصرين وكانوا يهربون كلما أرسل ضدهم الجنود والعساكر وقد تصدعت المواضع التى رممت من قبل من مسجد السعادة، كما أشرفت بعض مواضعه على الانقراض، وساءت حالة المسجد إلى أقصى درجة من درجات السوء فى خلال سنة 1260 هـ،ولما كانت السقوف والقباب قد تصدعت فى عدد من المواضع وخيف من سقوطها فجأة، أسف موظفو الحكومة لذلك أشد الأسف وحاروا فيما يفعلون، ثم اجتمعوا للتشاور وتدبير الأمر، فقر قرارهم على رفع الأمر إلى الباب العالى.
وقد وصلت حالة الأبنية فى عهد داود باشا شيخ الحرم رحمه الله، إلى درجة من السوء بحيث كان الأهالى الكرام يتحاشون الاقتراب من بعض مواضعها، وكانوا يدعون الله كى يلهم السلطان بما ينبغى عمله نحو حرم السعادة، وفى نهاية المطاف اتفق أعيان المدينة وسادتها على رفع الأمر إلى داود باشا الذى كان فى شدة الألم من إشراف مبانى الحرم النبوى الشريف على الانقضاض وكونها فى أشد الحاجة إلى التعمير والترميم، فما كان من داود باشا إلا أن أحضر الدواة والقرطاس وكتب إلى مقام الصدارة العظمى رسالة بين فيها إشراف مبانى الحرم النبوى الشريف على الانهيار ما لم ينظر إلى حل هذه المشكلة الآن وأرسل هذه الرسالة إلى باب السعادة فى سنة 1263 هـ.
ولما وصلت رسالة داود باشا هذه إلى باب السعادة وعلم فحواها أولو الأمر أدركوا الحالة التى وصلت إليها أبنية حرم السعادة، وحصلوا على معلومات كافية بخصوص هذا الأمر، وقد شكلت لجان فى دار الإفتاء السلطانى لمذاكرة الأمر فى عمق، وفى ظل المسائل الشرعية، ثم قرروا كإجراء أولى إرسال مهندس مجرب ليقوم بالكشف على تلك الأماكن ثم يتداولون الأفكار وفقا لما يرسمه ذلك المهندس من خريطة لتلك الأماكن، وبناء على الأمر السلطانى الذى صدر بعد
الاستئذان أرسل فى رفقة رمزى أفندى من رجال الدولة أمير الاى عثمان بك الأمرد من ضباط دائرة المدفعية السلطانية العامرة وبعد أن شرح له الموضوع وبينت الكيفية أرسل إلى المدينة المنورة.
ووصل رمزى أفندى مع عثمان بك إلى دار الهجرة واطلعا بناء على القرار العالى على أحوال المسجد النبوى الشريف وعادا إلى الأستانة وعرضا الخريطة التى خطوها وشرحا رأيهما ووجهة نظريهما ثم اجتمع الوزراء فى دار الإفتاء السلطانية والمجلس الخاص ودققوا النظر فى الخريطة المذكورة وعاينوها، وقرروا تجديد المسجد بتعميره وبناء على صدور الأمر السلطانى بذلك أرسل حليم أفندى الصغير مدير الأبنية الخاصة من رجال الدولة العلية بوظيفة الإشراف على المبانى المفتخرة إلى مدينة الرسول فى سنة 1266 هـ.
وأرسل المهندسون وعمال البناء المهرة والعمال والأشياء المتنوعة عن طريق باب السعادة
(1)
ومن مصر القاهرة بالتتابع، كما أرسل ما أمكن تدبيره من النقود تدريجيا، وأبلغ شيخ الحرم النبوى وقاضى المدينة المنورة بإشعارات مختلفة على أن يبدأ العمل بعد أن شكل مجلس خاص من مشاهير السادات والعلماء من المدينة المنورة يتولى توصية العمال الذين سيرسلون بحسن أداء أعمالهم وأن يحافظوا على الأدوات المرسلة من التلف وأن يعملوا فى الإنشاءات وفق الشريعة الأحمدية وأن يعملوا بكل تعظيم وحرمة لصاحب المقام وألا تصدر منهم ألفاظ مخلة بالآداب وألا يرفعوا أصواتهم وألا يقوموا بحركات غير لائقة وأن يعنوا أعظم عناية بأداء صلواتهم فى جماعات كما فى السابق، وقد أمر السلطان ذو الخصال البايزيدية أن تكون المبالغ التى ستنفق فى تجديد حرم السعادة من الحلال
(1)
كان حسين أفندى معاون الأبنية من أصحاب الرتبة الثانية قد عين مشرفا على تحسين الرواتب التى ستربط لمعيشة أولاد وعيال العمال المسافرين ولإرسال العمال والأدوات اللازمة التى ستدبر من باب السعادة فى الوقت المحدد إلى المدينة.
وقد فضل حسن شوقى أفندى عمله الخاص بحرم السعادة على أشغاله الأخرى وقام به أحسن قيام وقد نال إخلاصه فى عمله هذا تقدير الجهات العالية ولما أريد مكافأته على إخلاصه دنيويا قد كوفئ فى ختام عمله بأن أحسن إليه بقطعة من وسام مجيدى قيم سنة 1279.
الطيب مهما كان مقدارها ولما كان إنقاذ واردات الخزانة المالية السلطانية من الواردات المخلوطة من شبهة لضيق الوقت، فكلما احتيج إلى إرسال النقود إلى المدينة المنورة لتعمير الحرم النبوى كان يبادل ما تهيأ فى الخزانة السلطانية من أموال مع من يثق بهم من الذوات عن طريق الاقتراض أى كان يرسل هذه المبالغ موافقة لأحكام الشريعة الغراء.
وقد سطر فى التواريخ القديمة أنه كلما احتاج الحرمان الشريفان ومبانيهما للتجديد والتعمير أن الأموال التى ستنفق لذلك كانت تصرف من أموال الجوالة التى يصدق العلماء أن أموالها حلال.
وكان السلطان عبد المجيد خان يرسل الأموال اللازمة للإنفاق على الأبنية المذكورة على الوجه المشروح السابق رحمه الله رحمة واسعة.
أرسل حليم أفندى الصغير الذى أسندت إليه عهدة البناء عندما وصل إلى ينبع رئيس البناء الحجرى نواحى دار الهجرة لعلهم يجدون محجرا، كما أنه توجه نحو المدينة المنورة ووصل إليها فى أوائل رجب الفرد وتفقد لوازم البناء التى وصلت قبله وبعد أن جمع ورتب مجلس العلماء الذى أمر بتشكيله بالإرادة السنية، فأراد أن يشرع فى عمله باتفاق الآراء، ولكن بما أنه كان فى حاجة إلى تهيئة الأحجار التى تستخدم فى البناء وتسهيل الحصول عليها اضطر أن ينتظر وصول رئيس البنائين إبراهيم أغا، إلا أن إبراهيم أغا عاد يائسا من أنه لم يصادف معدنا من هذا القبيل، وطلب منه أن يبعثه إلى مكان آخر مع الحجارين حتى يتحرى عن الحجارة، وتشكل عندئذ مجلس ليبحث هذا الأمر فرأى المجلس أن يرافق المجلس لإبراهيم أغا عدة حجارين من أهل المدينة وشرح له الجبال التى يحتمل وجود الحجارة فيها، وتحرى إبراهيم أغا هذه المرة جميع الجبال التى حول المدينة المنورة ثم وجد فى جهة بيار على من وادى العقيق على بعد ساعتين من المدينة المنورة فى جهة مكة المكرمة، محجرا غنيا بالحجارة وكانت هذه الحجارة