الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأمر:
إننى عجزت عن فهم تقرير الباشا مدير الأبنية العلية ولما كانت للأبنية المسعودة مواد جسيمة وأمور عظيمة ولما كنت الموظف المسئول عن نقل هذه الأشياء، ولما كان النفع والضر عائدا لك لمسئوليتكم وحتى لا يحدث ما يؤدى إلى تعطيل سير الأمور وتأخيرها ولبذل الهمم للمقبوضات والنفقات فعملتم على اختيار وكيل لكم وهذا منوط ولائق لرأيكم السامى.
صورة التقرير:
وقد قررت كما تعرفون أن أسافر فى هذه الأيام إلى مكة المكرمة بنية أداء الحج المفروض ولما لزم أن تدار المهمة التى ألقيت على عاتقى وقبلت نظارتها بواسطة وكالة أحد موظفى الأبنية العلية، يا ترى هل من المناسب أن يختار لها أحد المقربين إلى وهو مدير الحرم الشريف صاحب العزة لطيف أفندى الذى سبق أن وجهت له الوكالة، أو ترون شخصا آخر أنسب لهذه المهمة؟ ومهما كان اختياركم للشخص الذى ستنتخبونه وكيلا مكانى أرجو أن تبينوا فوق هذه الورقة البيضاء ما ترونه وأن تسطروه والأمر فى هذا الخصوص لمن له الأمر.
حرر فى 19 ذى القعدة سنة 1270.
وقد صادفت وفاة أبو بكر باشا للوقت الذى كان فيه دلاور باشا شيخا للحرم، وبناء على التكليف الذى حدث من محافظ المدينة ومن هيئة مجلس الشورى إلى دلاور باشا كان قد قبل وكالة أمانة البناء حتى لا تتعثر عمليات البناء، وأمر بأن تهدم الجهات التى فى ناحية باب الرحمة الغربية فبناها مجددا وتمم الأماكن التى ظلت ناقصة فى الجهة الشرقية بأن جعل سقفها فى وسع سقوف الجهة الشامية والغربية، وبنى أمام الجدار القبلى الرصيف الواسع الذى يطل عليه موضع الجنائز وعلى يسار من يخرجون من باب جبريل، يعنى فى الجهة الشامية من ذلك الرصيف، محلين مشبكين ومسقفين وفرش ما بين المحلين بقطع رخامية.
وكان كثيرون من الفقراء والغرباء يبيتون فى هذا الموقع الشريف فى أيام
الصيف مثل أصحاب الصفة وعندما يرد الحجاج والزوار كانوا يجتمعون فى هذا المكان ويؤدون الصلاة.
أبلغ الباب العالى بوفاة أبى بكر باشا وإحالة وكالة أمانة البناء إلى شيخ الحرم دلاور باشا، وأسند أمانة الأبنية العالية إلى أمير الأمراء ناظر المدرسة البحرية سابقا أدهم باشا بعد أن انتخب لذلك المنصب فى مجلس خاص بالوزراء وصدر الأمر السلطانى بذلك بعد الاستئذان فى أواخر سنة 1271 هـ وأرسل إلى المدينة المنورة فى سنة 1271 هـ.
وصل أدهم باشا إلى المدينة دار العز فى الخامس عشر من شهر صفر الخير من سنة 1272 هـ،وثابر فى إيفاء مهمته وجدد فى فترة، تقرب من سنتين، الأساطين والقباب التى بين باب النساء ومئذنة العزيز والجدران الكائنة فى تلك الجملة فى صورة غاية فى الكمال والنظام.
كان السلطان سليمان خان الغازى قد جدد فى سنة 940 هـ المئذنة العزيزية الجميلة كما بين فى الصورة الثامنة من الوجهة الأولى وجعلها ذات شرفات ثلاث مثل مآذن باب السعادة، لذا أطلق عليها فى ذلك الوقت المئذنة السليمانية.
وتلك المئذنة محاذية للمئذنة الشكلية التى وفق فى تجديدها المرحوم السلطان عبد المجيد، وعند ما عمر مسجد السعادة اقتضى الأمر إصلاح تلك المئذنة أيضا فربط -عندئذ-محمد راشد أفندى من موظفى أمانة البناء حبالا ما بين المئذنتين ليعلق عليها المحيا مثل مساجد باب السعادة إستانبول وذكر أن هذا الفعل سيعطى للمدينة المنورة الميمونة رونقا آخر وزينة أخرى، واستأذن بعد تعمير المئذنة السليمانية بأن تقام محيا
(1)
هناك فى ليالى رمضان واستكره السلطان الذى يتصف بصفات الزهد لشدة حبه لشفيع المذنبين صلى الله عليه وسلم وفرض عبوديته إحداث بدعة فى دار
(1)
إن بناء محيا فى الجوامع ذات المنارتين كان بدعة سيئة أحدثها إبراهيم باشا الذى تولى الصدارة نحو اثنتى عشرة سنة فى عهد السلطان أحمد الثالث وذلك فى عام 1132 هـ.
الهجرة وتجنب ذلك بتقبيح الفكرة التى عرضها محمد راشد أفندى ولذلك تأخر تعمير المئذنة المذكورة، ولما كان جميع لوازم بنائها جاهزة فعمرت فى عهد السلطان عبد العزيز بشرط عدم إقامة المحيا، وأنفق لتعميرها بعد الكشف عليها خمسة وأربعين ألف قرش وسميت بالعزيزية.
بينما كان أدهم باشا مشغولا بتعمير وتجديد جهة باب الرحمة صدر الأمر السلطانى بخصوص إرسال محمد راشد أفندى من أعضاء دار الشورى العسكرية لأنه كان قد التزم قديما من جانب محمد رائف باشا تجديد القباب والأعمدة التى فى مقدم الحرم الشريف كقباب وأساطين مؤخر الحرم الشريف وكان قد رأى فى هذا العمل نوعا من المحسنات والجمال لحرم السعادة.
ولكن العمل بهذا الرأى كان سببا فى وقوع منازعة كبيرة، وكان أهالى المدينة فى ذلك الوقت قد أبلغوا الأمر مع بعض الأوراق والمضابط إلى باب صاحب القرار كما سبق ذكره ورجوا من السلطان أن يجدد داخل حرم السعادة وفق أفكار وآمال الأهالى؛ ومن هنا قرر إرسال محمد راشد أفندى وتعيينه ليحقق فى منشأ هذا النزاع وللكشف عن تعميرات مبانى الحرم الشريف وكيفية سير العمل فيها، وحساب نفقات تجديدها.
وصل محمد راشد أفندى سنة 1272 هـ خلالها، إلى دار السكينة وكشف عن الأماكن المتنازع عليها فى مؤخرة حرم السعادة وفى داخله، وبعد العودة سلم الباب العالى لائحة رأيه الشخصى مع المضابط التى قدمت من طرف الأهالى وموظفى الدولة مع الخريطة والأوراق الأخرى إلى الباب العالى، وبعد عمل ما يجب إجراؤه عرض الأمر على عتبة السلطان العالية الذى أصدر أمره بأن يدرس الموضوع فى مجلس خاص للوزراء ثم استذكرت الناحية الشرعية من الموضوع فى مجلس دار الإفتاء السلطانى الذى يتكون من العلماء والفضلاء والوزراء القدماء وقرر المجلس المذكور عدم جواز تغيير محال وأشكال ثمانية أعداد من الأعمدة التى تعد من الآثار النبوية الجليلة الخالية من العيب وكذلك الأساطين التى ركزت
فى عهدى عمر وعثمان-رضى الله عنهما-عندما وسعا مواضع الصلاة فى المسجد باتفاق آراء الصحابة، من مائة وثلاثة وأربعين عمودا فى حاجة إلى التعمير فى داخل الحرم النبوى الشريف، وبما أن شكل القباب والأساطين ومحالها التى أضيفت فى عهدى السلطان مراد خان الرابع، وقايتباى المصرى لم تخضع للتغيير فى زمانهما، ورأى أن يعمر ويجدد الأعمدة التى ستحمل عليها القباب الحجرية بدلا من السقوف على هيئاتها الحالية، وبما أن الأساطين القديمة كانت مصنوعة من الحجر الأسود ومغلفة بقطع رخامية رئى أن تترك الأساطين غير المحتاجة إلى التعمير والتصليح فى حالتها القديمة والقباب من دكة الأغوات إلى باب الرحمة التى قرر صنعها بناء على الكشف القديم، وأن يجدد الجدار القبلى من باب السلام إلى المئذنة الرئيسية وألا تترك أنقاضها ومربع مرقد السعادة سيحتاج إلى التشييد والإحكام وعرض الأمر على العتبة السلطانية ملخصا فى مضبطة.
وأن تجدد وتعمر المواقع المسعودة على الوجه المذكور والمشروح وأرسل ذلك الأمر
(1)
السلطانى بمضبطة مخصوصة إلى طوسون باشا شيخ الحرم النبوى.
وكان مضمون ومندرجات اللائحة التى أرسلت إلى طوسون باشا الانتباه إلى ما جاء من قرارات فى اجتماع مجلس الوزراء الخاص والعمل بموجبها ووقاية الأشياء التى تستخدم فى البناء من التلف والإسراف فيها، وتكوين مجلس من الموظفين المحليين ومهندسى الأبنية ورؤساء الحجارين بخصوص النظارة على العمال وحسن استخدامهم؛ وتعيين الوظائف الأساسية لهذا المجلس وذيل اللائحة بتوقيعات أعضاء المجلس الفخم كما صدقت من مقام الصدارة العظمى.
وكان سبب حدوث المنازعة هو كشف محمد رائف باشا داخل الحرم الشريف
(1)
قد كتبت صورة من هذا الأمر السلطانى فى ذيل الصورة تحت رقم (1). (فى أصل المؤلف).
وتعميره لمؤخرة حرم السعادة وكانت تعميرات حرم السعادة تنقسم إلى قسمين الصورة الأولى عمليات مؤخرة حرم السعادة ومتفرعاتها، والصورة الثانية تعمير داخل الحرم الشريف ومشتملاته وفق الخريطة لتعمير مؤخرة حرم السعادة وتجديده والتى قدمت للمقام السلطانى السنى وحازت الموافقة، وفعلا قد بدئ فى العمل وفقا لهذه الخريطة، وختم بهدم آثار قايتباى مع مشتملاتها من محاذاة باب الرحمة إلى آخر الحرم الشريف الملاصق لتلك الآثار وبما أنه كان قد تم الاتفاق على هدم قباب قايتباى وإنشاء قباب جديدة؛ لهذا لم يكن فيه ما يثير النزاع، ولكن الأساطين التى تحمل السقوف والقباب فى داخل حرم السعادة والتى صنعت من حجارة صغيرة ومع مرور الزمن انفصلت عن بعضها ولما رئى أنها ستكون سببا فى سقوط السقوف والقباب أحيطت بأحزمة حديدية وظلت بعضها معوجة متمايلة، ومن هنا وجب تعميرها ورضى الأهالى على ذلك، وأراد محمد رائف باشا أن يجدد الحرم النبوى فى طراز جديد جميل بتقليل عدد الأعمدة وتغيير شكلها مثل أعمدة مؤخر حرم السعادة وأن يوسع مواقع الصلاة وأراد أن يعين ثمانية أعداد من الأعمدة التى تعد من الآثار النبوية بتركها على حالتها القديمة، لو كان مسجد المدينة قد جدد وعمّر على هذا الشكل لكان الحرم الشريف اتسع وبلغت زينة البناء إلى الكمال وحدث تطابق وتناسب وتناسق فى هذه القضية الفنية، وكل ذلك بناء على قول محمد رائف باشا.
وإذا ما طبق فن الهندسة على تعمير مبانى الحرم فكان رأى محمد رائف باشا صحيحا كما أن الأدلة التى ساقها بخصوص زينة المبانى ترى لا غبار عليها، إلا أن كون داخل حرم السعادة من الآثار المباركة القديمة كما أن جميع الأعمدة التى فى هذه الجهة من الأعمدة التى تتشرف بقدمها، جعل مسألة تغيير تلك الأعمدة وتغيير أماكنها بادعاء توسيع الموقع والمحل، مسألة غير لائقة.
ومن أجل رد خواص دار السكينة آراء الباشا المذكور الفنية وملاحظاته، قالوا ردّا على رأى الباشا: «إن عدد الأساطين التى تحتاج للتعمير فى الحرم الشريف مائة وثلاثة وأربعون عمودا ثمانية منها من الآثار النبوية، ولا يجوز تغيير أشكالها
ومواقعها بالمرة، وكانت الأعمدة التى أضافها حضرة عمر وعثمان-رضى الله عنهما-كان بقصد توسيع مواقع الصلاة وبإجماع آراء الصحابة وبما أن هذه الأساطين قد ركزت باتفاق الصحابة وإجماعهم ولم يتجرّأ أحد إلى الآن على تغيير طرزها وهيئاتها، يقتضى النظر إليها على أنها من الآثار أيضا ولا يجوز تغيير هيئاتها أو تقليلها بحجة التناسق الفنى، ولا بأس فى تغيير غير هذه الأعمدة، كما أنه لن يحدث تناسب بتقليل عدد الأعمدة وتغيير أماكن الأعمدة التى أضافها السلطان مراد الرابع طاب ثراه والسلطان قايتباى المصرى، ومع هذا كانت القباب التى صنعت وأسست فى عهد السلطان محمد الرابع كانت قد أسست فوق الأساطين التى كانت قائمة فى ذلك الوقت، ولما كانت الأساطين التى ستؤسس وتوضع عليها عقود الباب التى تصنع الآن تستدعى التعمير والترميم لميلها وقرب سقوطها فإذا ما رممت على هيئاتها الحاضرة، وبهذا يراعى جانب الآثار القديمة، وامتنع عن تغيير صورها وهيئاتها وإذا ما صنع ما قرّر تعميره من الأساطين القديمة من الحجر الأسود حتى تشبه الأساطين الأخرى، فهذا هو رأينا».
إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقنعوا محمد رائف باشا فعرضوا الموضوع إلى باب السلطان ذى القرار العادل وتسببوا فى صدور الفرمان السلطانى الذى سطرت صورة منه فى ذيل المقال.
ادعاءات الأهالى هذه جديرة بالتصديق والقبول، لأن داخل حرم السعادة لا يقاس بمؤخرة المسجد ولما كانت هذه الجهة قد جددت وفق الخريطة التى وضعت لها وكان لتجديدها مسوّغ شرعى صريح، وأجرى لها ما يلزم، ولما ثبت بالدلائل الواضحة أن أحدا لم يتصّد لتجديد الحرم الشريف بإحداث التناسب فى داخله ولم يقدم أحد على تغيير رسمه ومحله، ومن هنا لا يجوز تغيير تجليات الآثار القديمة بتقليل عدد أساطينها وتغيير نقطها أو توسيع مواقع الصلاة فيه فهذه أفكار فجة سطحية، فتخريب الوليد بن عبد الملك حجرات زوجات النبى العليا لم تؤد إلا إلى انقراض الدولة الأموية وزوالها.
وقد رممت الأساطين الثمانية التى ركزت فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم والأساطين التى ركزت فى العهد الميمون القريب من عهده وعمرت على هيئاتها القديمة، وقد حدث اتفاق عام بناء على وجود مسوغ شرعى لتغيير شكل وأماكن الأساطين التى أضافها السلطان مراد خان الرابع والسلطان قايتباى المصرى.
وإذا ما صنع وفق الطرز الجديد بتقليل عددها وتغيير أماكنها وإذا ما اتبع طريق تجديد القباب على الهيئة المطلوبة منسوبا لاسم السلطان عبد المجيد، فإنه لن يؤدى إلى التناسب الفنى ويكون داخل حرم السعادة قد جدد بعض أماكنه حسب النظام الجديد وسيظل الباقى على النظام القديم، والأمكنة التى عدت بمرور الزمان ومجاورة الحجرة المعطرة من الآثار القديمة المباركة تكون قد بدلت هيئاتها ومواقعها وغيرت.
وبدلا من أن تبذر الأموال عبثا لتجديد الأعمدة التى انحرفت قليلا أو اعوجت والتى يمكن تعميرها وتقويتها وتحويل أماكنها وشكلها، فإذا رممت الأساطين الموجودة على هيئاتها وأشكالها حيث وجدت بحيث تتحمل القباب الحجرية وإذا ما رممت بالأحجار السوداء مثل الأعمدة المتينة المصنوعة من الحجر الأسود وإذا ما غلفت الأساطين التى كانت مغلفة بقطع الرخام نكون قد ادخرنا النقود وحافظنا على أشكالها وهيئاتها الأصلية، ولما كانت الأساطين التى تحمل القباب العالية المصنوعة من عهد السلطان مراد ثمانية أو عشرة أعمدة منها فى حاجة إلى الترميم والتعمير، ولما كان بناء القباب الحجرية مكان السقوف جائزا شرعا لوقاية أبنية الحرم من الخطر وكان عامة الناس متفقين فى هذا الموضوع ولم يكن فى هذا سبب يؤدى إلى النزاع، والمنشأ الحقيقى للنزاع كان فى تقليل عدد الأساطين داخل الحرم النبوى وتغيير أماكنها، وقد اختار أهل المدينة شق تعمير وترميم الأساطين فى أماكنها، ورجحوا ذلك على استصواب محمد رائف باشا من تقليل الأعمدة وتغيير أماكنها، عرضوا الأمر على الباب العالى ورجوا بأن يعمر داخل حرم السعادة وفق ما يرغبون، وقد بحث الأمر فى دار الإفتاء
السلطانية بعمق وعرض ولما كان رأى أهل المدينة الكرام موافقا للشرع الشريف عرض الأمر على العتبة السلطانية التى أصدرت أمرها بذلك وأرسل الفرمان السلطانى إلى المدينة المنورة.
وبما أن تغيير شكل وهيئة الأبنية العالية غير جائز أرسل لأدهم باشا للعمل بما جاء حسب ما يقتضى الأمر السلطانى كما أرسل له تحريرات سامية توصى ببذل الجهود فى هذا الأمر إذا كان مدير أمانة البناء.
وجدد أدهم باشا دكة الأغوات بحجارة منحوتة حمراء فى غاية الجمال وصنع على أطرافها أربعة أسوار مشبكة وأسس فى ذيل هذه الدكة دكة أخرى ويذهب من بين هاتين الدكتين إلى باب جبريل.
ولما كان محراب التهجد فى وسط مقصورة الدكة التى صنعت فى مواجهة دكة الأغوات وفى طرف الجهة الشامية شبكة السعادة التى جددها أيضا، ووضعوا حول الدكة الأسوار المصنوعة من النحاس الأصفر، وكان بجانب دكة محراب التهجد مخزنان، فهدمهما وجددهما بأن جعلهما أربع حجرات، كما أمر ببناء سقف عال لخلف دكة الأغوات وجهتها اليسارية وتحت هذين السقفين محرابا وعدة حجرات عالية خاصة بخدم الحجرة المعطرة، ويذهب إلى السقفين الجديدين من بين باب النساء ودكة الأغوات.
كان مشايخ الحرم النبوى يؤدون صلواتهم الخمس فى النقطة التى يوجد فيها المحراب سالف الذكر فى الأوائل ثم أخذوا يصلون فى دكة الأغوات، والآن يصلى الأشخاص الذين يتولون مشيخة الحرم فى هذا المكان ويحدث أحيانا أن يصلوا فى دكة التهجد التى أمام دكة الأغوات، ولكن صلوات التراويح لا بد أن يؤدوها بجانب المحراب سالف الذكر.
وأمر أدهم باشا فصنع خارج باب النساء وفى جهة باب جبريل من ذلك الباب، وجدد فمد القفص الخشبى الذى أحدث سنة 1250،هذا القفص كائن ما بين كل ثلاث أسطوانات من باب النساء إلى مؤخرة مسجد السعادة فتؤدى
النساء صلواتهن داخل هذا القفص، واستشار شيخ الحرم حافظ محمد باشا مع علماء المدينة فى غضون سنة 1280 هـ فمد ذلك القفص إلى قرب محاذاة المئذنة السليمانية، لأن جماعات النساء تكاثرت ولم يستوعبهن القفص كلهن فكانت بعض النساء يؤدين الصلاة خلف النخيل، ولما كان الرجال الذين يدخلون من باب التوسل لا يجدون أماكن للصلاة أمامهم فيضطرون أن يؤدوها خلف النساء.
ويطلق أهالى المدينة على هذا القفص قفص النساء ولونه أخضر وله أبواب مصنوعة من القطع المشبكة، تأتى النساء فى ليالى الجمع ويؤدين الصلاة، ويحضرن أولادهن حديثى العهد بالولادة فى يوم الأربعين من ولادتهم لإدخالهم فى شبكة حجرة السعادة، وتأتى بهم أمهاتهم أو أقاربهم ويسلمونهم لموظفى إدارة الأغوات، ويطلق أهل المدينة على مثل هؤلاء الأطفال الذين تركوا فترة تحت أغطية مربع القبر الشريف فى حجرة السعادة ولد الحجرة فيلزم أن يكون خاصة أهل المدينة من هؤلاء الأطفال.
ولما كان أدهم باشا قد توفى بعد أن أكمل تلك الأقفاص بفترة قليلة فى أواخر شهر شعبان المعظم سنة 1273 هـ،فاختير معاون المبانى المقدسة صالح أفندى لوكالة أمانة البناء باتفاق موظفى الحكومة وأعاظم السادات وعلماء البلاد وبلغ الأمر مع وفاة أدهم باشا إلى باب صاحب القرار العظيم.
وكانت وفاة أدهم باشا قبل أن يكمل سقف الجهة القبلية وسقف الجهة الغربية الذى يمتد من باب السلام إلى باب الرحمة إلا أنه كان جدد هذه الأماكن والقباب الجديدة التى أمر السلطان بإنشائها فى اتصال الساحة الرملية لحرم السعادة، ودكة الأغوات مستلهما أمر السلطان كما أنشأ كل هذه الأماكن مطابقة لآمال الأهالى وأفكارهم.
حدود السقوف العتيقة: كانت فى الجهة القبلية من مسجد السعادة ثلاثة أروقة، وألحق كل من عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان فى عهديهما رواقا كما ألحق الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحى للجهة الشامية رواقين كما أن السلطان
مراد خان الرابع ألحق ثلاثة أروقة فى الجهة الشامية أيضا ولما لم ينته بناء هذه الجهات ظهرت الحاجة إلى بناء عدة أروقة أخرى فى هذه الجهة، وعقب وفاة أدهم باشا، استصوب صالح أفندى إضافة رواقين بموافقة رأى مجلس هيئة الأبنية السعيدة، وشرع فى العمل من هذه الجهة، وأراد أن يساوى ما بين أسطوانات الجهة القبلية لأسطوانات الجهات الثلاث الأخرى، فرأى أن ترفع بعض الأسطوانات من هذه الجهة وإزالتها وبين الكيفية للهيئة العامة للمجلس الذى انعقد تحت رياسة شيخ الحرم لأن توسيع هذه الجهة فى حالتها هذه غير قابل للتوسيع والإصلاح وقام بعض الذوات معترضين على هذا أيضا إلا أن هيئة المجلس
(1)
استصوبت رأى صالح أفندى بالأغلبية واستحسنته وأثنوا عليه، وكتبوا فتاوى شاملة بجواز رفع الأعمدة بنية توسيع المسجد الخالصة حتى يسكتوا المعترضين معتمدين على الشرع.
وأراد المعترضون أن يسقطوا حكم الفتاوى التى صدرت من العلماء واحتجوا على عدم جواز إزالة الأعمدة المأثورة القديمة بالأحاديث التى أوردها الإمام السّمهودى من البخارى وابن النجار والتى تقول: يجب أن يصلى فى جميع جهات مسجد السعادة، الصحابة الكبار قد صلوا فى جميع جهات هذا المسجد وقد أجابتهم هيئة المجلس إجابات مقنعة إلا أنهم طوروا الموضوع حتى وصل إلى مرتبة الجدال والنزاع، وأبلغوا الحالة بمضبطتين مستقلتين إلى الباب العالى وقرروا تأجيل العمل فى مسجد السعادة إلى أن يصل الرد، وحينما وصلت المضبطتين إلى باب السعادة وأطلع الوزراء على مضمونيهما، وصدق قرار الأغلبية رأيها وأحالوا الموضوع إلى محمد راشد أفندى الذى كان قد سافر إلى المدينة وحقق فى النزاع الأول الذى حدث فى أمانة البناء العالى، فاستدعوه وأمروه بأن يسافر حالا إلى المدينة المنورة.
وشرع محمد راشد أفندى فى العمل من بقية مؤخرة حرم السعادة، وأتم العمل فى الأساطين التى تقع بين باب الرحمة وباب السلام، وفى بعض عقود
(1)
وكان للسادة والأهالى فى هذا المجلس نفوذ، وكذلك أكابر العلماء وكل المفتين.
القباب، وخمسة عشر ذراعا من المكان الذى فى جهة باب السلام من الجدار القبلى، وعندما أوصل تعميرات الحرم الشريف إلى حدود الروضة الميمونة التى يصدق عليها الحديث الشريف روضة من رياض الجنة وعندئذ ظهرت وتجددت المنازعة المعلومة مع أن محمد راشد أفندى كان مطلعا على مندرجات الفرمان السلطانى فأصر على تطبيق أفكار محمد رائف باشا فى حصول تناسب، وابتدر فى تغيير مواضع الأساطين التى فى جهة المدرسة المحمودية للحرم الشريف والتى أضافها إلى الحرم عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-وبهذا أثار الناس مرة أخرى، ومع هذا أخذ يعرض على الباب العالى بعض أشياء غير مفيدة، وأخذت محاضر الشكاوى من قبل الأهالى تصل تباعا، كل هذا أوقع الباب العالى فى الشك والشبهة فعزله وأرسل مكانه عمر جمال الدين أفندى من رجال الدولة القدماء، ولكنه توفى حين وصوله إلى مكة المكرمة فى سنة 1275 هـ فتعطلت تعميرات الأبنية المقدسة فترة ما.
قد أخذت فرقة المدينة المنورة المعترضة خزانة الدولة، وبما أن هذا الشخص كان جريئا وحريصا استطاع أن يهيئ أكثر الأشياء اللازمة لعمليات أبنية السعادة والحجارة المنحوتة اللازمة للأساطين، إلا أن هذه الغيرة والسعى وشدة الاهتمام أنتجت قيام المعترضين ضده؛ لأن أفراد الفرقة المخالفة كانت لهم منافع شخصية فى تدخلاتهم فى عمليات البناء لأنهم كانوا يريدون أن تطول هذه العمليات أطول مدة حتى يحافظوا على تلك المنافع، ومنذ أن عزل محمد راشد أفندى إلى تعيين عمر جمال الدين أفندى وإلى ورود أحمد أسعد أفندى بعد وفاة سلفه قد أعطيت كثير من الأجور للمستخدمين فى أمور أبنية السعادة من الكتبة والعمال بدون فائدة، واستمرت هذه الفترة ما يقرب من سبعة أشهر، إذ مات عمر جمال الدين أفندى وعرض الأمر على باب السعادة وكان أحمد أسعد أفندى فى ذلك الوقت قاضى مكة المكرمة فوصل إلى المدينة المنورة فى جمادى الأولى أوائله من سنة ألف ومائتين وست 1276 وسبعين هجرية.
وكانت الفرقة المعترضة قامت ضد محمد راشد أفندى باحثين عن تغيير مواضع بعض الأعمدة وكان هذا موضع النزاع.
إلا أن هذا القيام لم يكن كالقيام السابق إذ كان بدون وجه حق وبدون مناسبة، إذ استصلح محمد راشد أفندى أماكن السقوف التى هدمت من قبله وهى التى تلى السقف الذى ألحق فى الجهة القبلية، وبترميمات قليلة للأعمدة التى ركزت فى عهد صالح أفندى نقلها فى محاذاة الأعمدة الأخرى وحرص على أن يركز هذه الأعمدة فى أماكنها القديمة ولكن فيما بين أعمدة السقوف الثلاثة التى تلى الجهة القبلية حدث تخلف قدر ثلاثة أذرع بينها وبين الأعمدة التى ركزت مجددا، وقد وقف محمد راشد أفندى لهذا التخلف وهو يهدم الفاصلة التى تفصل بين سقف الجهة القبلية والأسقف الثلاثة التى تليه، وإن هذا التخلف ظاهر فى العمود الرابع من صفوف الأساطين الأربعة التى تقع فى اتصال الساحة الرملية التى فى الركن الشرقى من مسجد السعادة ولا يوجد فى أساطين الصفوف الأخرى، وإن كان فى أساطين الركن الغربى من الساحة الرملية تخلفا جزئيا وإذا لم يمعن النظر فيه فلا يمكن تعيينه فهذا التخلف إذا ما طبق على قواعد الفن المعمارى الكلية فلا يعد من العيوب، وكان اثنا عشر عمودا ما الأعمدة الستة عشر التى يعرف التخلف فيها من النظرة الأولى والتى تكون الصفوف الأربعة من الأعمدة، كانت ركزت من قبل أسلافه ولما كانت الفرقة المعترضة غير راعية بهذا الموضوع ظنوا أن هذا التخلف قد حدث فى عهد محمد راشد أفندى وخدعوا الناس بهذا الزعم الباطل وأغروهم بالقيام ضده. انتهى.
قد خدم محمد راشد أفندى فى تزيين داخل مسجد السعادة وقد تركت جهة الجدران الغربية أعلى من الجهات الأخرى كعلامة على الجدران القديمة وكان هذا الارتفاع أساء لجمال سطح المسجد.
أزال محمد راشد أفندى هذا العلو وأبقى جملة «هذا حد مسجد النبى» التى كانت محكوكة على هذا الصف من الأعمدة، لو كان حدد هذه الجملة قائلا:«هذا حد المسجد الأصلى» لأحسن فعلا لأن عبارة «هذا حد مسجد النبى» تفيد أن خارج هذا الحد ليس من جملة مسجد النبى وهو ليس كذلك.
بعد أن سوى محمد راشد أفندى وسطح ومهد أرض المسجد وهدم المخازن فى التقاء الحد القبلى للمسجد الأصلى أنشأ جدارا منخفضا من شبكة الحجرة المعطرة إلى انتهاء الأعمدة التى فى الجهة الغربية من جدار باب السلام وبنى فوقه سورا مشبكا جميلا مصنوعا من النحاس الأصفر وفتح ثلاثة أبواب من الروضة المطهرة للخروج منها ناحية القبة العثمانية، ولما انتهى من سقوف الجهة القبلية لمسجد السعادة إلى محاذاة الساحة الرملية جهز حجرا أحمر مزينا لكتابة التاريخ وأرسله إلى باب السعادة حتى يكتب عليه ما انتخب مما كتبه أدباء المدينة ثم يأمر بإعادته إلى المدينة، إلا أن السلطان ذا الخصال الحميدة لم يستصوب أن يكتب لذلك المكان المقدس التاريخ وأمر بأن يعطى للمؤرخين اثنا عشر ألف قرش وحتى يتخذ قرارا ما ينبغى إحالة الموضوع إلى مجلس العلماء المنعقد فى المشيخة الجليلة، وقرر فى المجلس أن يكتب على هذا الحجر الحديث الشريف، وفق اقتراح أمين الفتوى للمجلس محمد رفيق أفندى «صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» ،وأبلغ الأمر إلى دار الخلافة.
وأمر الخليفة أحمد أسعد أفندى الذى تعين لأمانة أبنية السعادة بعد عمر جمال الدين أفندى بإجراء ما يقتضى الأمر عمله.
والتواريخ التى ستذكر فيما بعد هى التواريخ التى اختارها محمد راشد أفندى لتحظى بالنظرة السلطانية وأرسلها إلى الباب العالى.