الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فى ذكر المساجد التى صلى فيها سيد الزاهدين
محمد صلى الله عليه وسلم
صلاة العيد ومنازل الصحابة الموجودة فى طريقها
أول صلاة عيد أداها إمام الأنبياء-عليه أعظم التحايا-فى المدينة هما صلاتا عيد الفطر وعيد الأضحى اللتان أداهما النبى صلى الله عليه وسلم فى السنة الثانية للهجرة.
وبناء على قول الإمام الواقدى أن النبى صلى الله عليه وسلم صلّى هاتين الصلاتين للعيدين فى المكان الذى خلف بيت حكيم بن عدى بن بكر بن هوازن والمستقر بجانب أصحاب المحامل.
وحمل معه الحربة التى أعطاها النجاشى ملك الحبشة للزبير بن العوام.
ويحمل أئمة المدينة اليوم وهم يذهبون لأداء صلاة العيد تلك الحربة معهم.
وكان ذلك الميدان فى الجهة الغربية فى المصلى المشهور الذى سبق تعريفه، وفى اتصال حديقة «العريضية لا من جهتها الشمالية» .وأحيط أخيرا بسور من جهاته الأربعة واتخذ مسجدا.
وعند ما حاصر المصريون حضرة عثمان بن عفان وضيقوا عليه الخناق وأمّ على بن أبى طالب الناس فى هذا المسجد بقى اسمه «مسجد على» وإن كان هذا ما يروونه إلا أن عليا بن أبى طالب لم يكن يؤدى الصلاة فى مكان لم يصل فيه نبينا إمام قبلة الدين-عليه السلام-وبناء عليه يلزم ألا يكون لهذه الرواية أساس.
ويروى بعض المؤرخين أن أبنية ذلك المسجد قد اندرست مع مرور الزمن ولم يبق لها أثر، وقد اعتادت قوافل الحجاج أن يدفن فى خرائبه جنازات من يموتون
منهم، ولقد عثر فى سنة 881 هـ والى المدينة المنورة خرائب هذا المسجد وطهرها وبنى الأبنية التى عليها اليوم، إلا أن هذه الرواية تخالف الرواية التى نقلها كتابة.
يقول إبراهيم بن أمية ناقلا عن شيخ جليل ذو ضمير حى لا مع فى الرواية التى نقلها كتابة:
صلى النبى صلى الله عليه وسلم أول صلاة عيد فى المدينة المنورة بجانب منزل ابن أبى الجنوب فى محلة «الدوسى» وصلى صلاة العيد الثانى خلف منزل حكيم بن عدى بجانب دار حفرة، وصلى صلاة العيد الثالثة بجانب منزل عبد الله بن درة المزنى الكائن بين دار معاوية ودار كثير بن الصلت. وصلى صلاة العيد الرابعة بين الحجارة السوداء القريبة من المصلى المشهور وصلاة العيد الخامسة داخل منزل محمد بن عبد الله بن كثير بن الصلت، وصلاة العيد السادسة فى محل المصلى المشهور.
كان منزل ابن أبى الجنوب فى الجانب الغربى من وادى «البطحاء» وداخل منزل حكم حفرة سالف الذكر وكان منزل ابن درة
(1)
المزنى على الجانب الغربى من المصلى ودار كثير بن الصلت فى الجهة القبلية من المصلى المذكور والمكان الذى أشير إليه بالحجارة السوداء فى داخل حديقة «العريضية» .
القريبة من مصلى العيد. ويوجد الآن فى الحديقة التى كانت تعرف بالريشهية فى ذلك الوقت المسجد الذى ينسب إلى الصديق الأعظم. لما كان الصديق الأكبر يصلى صلوات الله على أرض هذا المسجد عندما كان خليفة سمى هذا المسجد «مسجد أبى بكر» .
صلى النبى صلى الله عليه وسلم صلاة العيد الأولى بالقرب من دار الشفاء وصلاة العيد الثانية فى محلة «الدوسى» وصلاة العيد الثالثة فى المكان الأنور الذى يسمى مصلى العيد، بعد ذلك لم يترك هذا المكان حيث أدى جميع صلوات
(1)
درة اسم قبيلة تتشعب عن جماعة مزينة.
العيد بعد ذلك فى هذا المكان فى حياته، هذا هو المروى وهذه الرواية جديرة بالترجيح على تدقيقات الإمام الواقدى وإبراهيم بن موسى لقول ابن شيبه ناقلا عن شيخه ومصاحب الإمام مالك: من باب مروان-أى من الباب الذى عرف بباب السلام-إلى مسجد السعادة ومصلى العيد ألف ذراع وليس فى المدينة المنورة فى طريق مصلى العيد مكان أقدس من مصلى العيد بعد المسجد النبوى الشريف.
ينقل عن جناح النجار أنه قال: كنت قد ذهبت إلى مكة مع أخت سعد بن أبى وقاص «عائشة» فقالت لى فى أثناء الطريق: «أين تقيم فى المدينة؟» فقلت لها: أسكن فى بيت قائم على رصيف من أرصفة باب السلام. عندئذ قالت لى:
«إذا كان كذلك فلا تترك هذا البيت، لأن والدى سمع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ما بين مسجدى والمكان الذى صلى فيه العيد جنة من رياض الجنة» ،وبهذا بين قداسة الطريق الذى بين المسجد الشريف ومصلى العيد وعرف أشرفيته.
وكلما كان النبى صلى الله عليه وسلم عائدا من أحد أسفاره ويصل إلى مصلى العيد، يستقبل القبلة ويدعو. وكان يذهب من طريق لأداء صلاة العيد ويعود عن طريق آخر، كان يذهب إلى المصلى من شارع باب السلام ويعود من الطريق الذى يمر من أمام دار عمار بن ياسر وكان الصحابى أبو هريرة يتباهى ويتفاخر قائلا:
وقد خرب مصلى العيد النبوى وفيما بعد جدد فى سنة 748 هـ من قبل السلطان ناصر الدين حسن بن قلاوون، وإلى الآن فوق طاقة حجر كتبت عليه العبارة الآتية:«قد جدده شيخ الحرم النبوى عز الدين بإدارة ناصر حسن بن محمد بن قلاوون سلطان مصر سنة 748» .
ويقع المسجد المذكور فى الجهة اليسرى من حديقة «عريضية» وكان قد جدد
أيضا فى سنة 762 هـ ولما كان مسجد مصلى النبى صلى الله عليه وسلم فى مدخل حديقة عريضية كان الدخول فى هذه الحديقة يتم من داخل المسجد الشريف وكانت ساحة المسجد الشريف تلوث بسبب الحيوانات التى تدخل وتخرج من وإلى الحديقة ووصلت القذارة أحيانا إلى كل مكان لدرجة أن المصلين لا يجدون فيه قبة لأداء الصلاة.
فاستدعى الأمير إينال صاحب الحديقة واستأذنه وصنع للحديقة بابا آخر. وصنع للمسجد سقفا مخصوصا وفتح للشبكة التى فى الجهة الغربية بابا فى جدارها وجعل دهليزا خاصا لدخول الحيوانات. وبما أن الحيوانات منعت من الدخول لحرم مسجد النبى صلى الله عليه وسلم فى المصلى ظل دائما نظيفا؛ وفى سنة 861 هـ وبما أن باب مصلى العيد كان خاليا من المصراع فتحوا بابا فى مواجهة المحراب لجداره الشامى. وركبوا لبابه القديم مصراعا؛ وكان للباب الذين فتح حديثا من خارجه مكان يصعد إليه بسلم؛ وعمرت صفة ذلك المكان اللطيف فى عهد الأشرف إينال تحت نظارة الأمير برد بك فى سنة (861) وكان الأئمة الذين يؤمون الناس فى صلوات الجمع والأعياد والخطباء يجلسون فى هذه الصفة. بينما كان الأمير يرد بك يعمر هذه الصفة جعل للخارجية فاعتاد الأعيان من أهل السنة أن يجلسوا فى هذا المكان من الأئمة والخطباء وعندما يحين وقت الصلاة كانوا يدخلون فى المسجد.
أول من قام بالإمامة والخطابة تحت هذه السقيفة من قضاة أهل السنة هو العلامة «سراج الدين أحمد-رحمه الله-الذى عينه منصور قلاوون الصالحى وأرسل إلى المدينة المنورة سنة 682 هـ وبما أن جميع القضاة والخطباء قبل سراج الدين أفندى كانوا من طوائف الزنادقة قد تعرض سراج الدين أفندى من أفراد الزنادقة لكثير من التحقير والإهانة كما عرف ذلك فى الصورة العاشرة من الوجهة الأولى والصورة العاشرة من الوجهة الثالثة.
ابن فرحون من المؤرخين الذين أدركوا الدور الذى ظهر فيه أفراد الزنادقة على أهل دار السكينة وتغلبوا عليهم. وقال فى تاريخه: «إننى رأيت بنفسى ما ألحقته طائفة الملاحدة لائمة أهل السنة من الإهانات رأى العين، كانوا يرجمون
أئمة أهل السنة الذين يصلون فى المحراب والخطباء الذين يخطبون على المنبر وبلغ من جرأتهم وغلوائهم أن الأئمة الذين يؤمون المصلين فى صلاة العيد كانوا لا يستطيعون أن يخرجوا من الباب الرئيسى بل يخرجون من الأبواب الصغيرة التى فتحت فيما بعد. ولا يستطيعون أن يخطبوا مواجهين الجمهور وكانوا يصعدون من سلم الصفة التى عمرت فى عهد الأشرف إينال ويخطبون وهم يستدبرون القبلة؛ ولكن السقيفة التى صنعت فيما بعد من قبل أمير المعمار برد بك تحول دون رؤية وجه الخطيب، وإلقاء الخطبة بهذا الشكل كان مخالفا للسنة النبوية الشريفة إلا أن إلقاء الخطباء خطبهم بهذا الشكل كان مبنيا على رأى الأهالى الذين يرددون أن النبى صلى الله عليه وسلم قد ألقى الخطبة فى ذلك المكان الميمون.
وبعد أن غلبت طائفة الملاحدة الرذيلة على أمرها، تركت الحالة السابقة كليا وأخذت الخطب تلقى على الوجه المسنون».
إن المعبد اللطيف الذى ذكرناه طويلا سابقا مازال موجودا إلى يومنا هذا ويعرف باسم «مسجد النبى» ويشتهر بذلك.