الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للفرمان العالى الذى صدر إلى عريانى
زاده أحمد سعد بن محمد أفندى بخصوص
تعينيه لمأمورية الأبنية العالية
إلى الدستور المكرم، المشير المفخم، نظام العالم، مدبر أمور الجمهور بالفكر الثاقب، متمم مهام الأنام بالرأى الصائب، ممهد بنيان الدولة والإقبال، مشيد أركان السعادة والجلال المحفوف بصنوف عواطف الملك الأعلى، والحائز على وسامى المجيدى السلطانى من الدرجة الأولى والحامل حاليا لقب شيخ الحرم النبوى وزيرى المحب مصطفى
(1)
باشا أدام الله تعالى إجلاله، وإلى أولى ولاة الموحدين، معدن الفضل واليقين، رافع أعلام الشريعة والدين، وارث علوم الأنبياء والدين، المختص بعناية الملك المعين، وهو قاضى المدينة المنورة حاليا، مولانا أسعد-زيدت فضائله-والذى عهد إليه فى هذه المرة مهمة إدارة مبانى الحرم النبوى العالية، فليكن فى علمكم عندما يصل فرمانى بتوقيعى السلطانى الرفيع، قد مات عمر جمال موظف الأبنية العالية للحرم النبوى توأم الجنة ولزم تعيين من يناسب فى مكانه، وأنتم ذلك الشخص المناسب بما اتصف به من العفة والاستقامة والحكمة وبعد النظر وقد رئى تعيينك لوظيفة مأمورية الأبنية المباركة.
وبناء على ثقتى فيك واعتمادى على أمانتك قد صدر أمرى أن تظل فى المدينة المنورة حتى تكمل تعمير وتجديد الأبنية العالية بعد أن تنتهى مدة مهمتك الأولى، وعليك أن تعمل بموجب هذا الأمر وأن تكمل تعمير الأبنية العالية وتجديدها على هيئة تسعد روح النبى صلى الله عليه وسلم وهذا هو الغاية ألزم بها ذاتى السلطانى، وفى هذا الخصوص أن ترسلوا سريعا بموجب الكتابات التى أرسلت لكم من وزارة المالية
(1)
إن هذا الشخص يعرف ب «اسكودارى» وقد أبلى بلاء حسنا فى تجديد الأبنية الشريفة.
حساب النفقات التى صرفت سواء أكان من قبل الموظفين المستقلين أو القائم مقامهم أو كلاهما وما استلموه مما أرسلت لهم الدولة، والاطلاع على هذه الحسابات المستقلة والدفاتر اللازمة الموضحة لتلك الحسابات، وأن يعامل المستخدمون من العمال بطريقة حسنة وأن يعطوا رواتبهم فى وقتها، وأن يعملوا بكل خضوع وخشوع وأن يلزموا جانب الأدب والتعظيم والتوقير، وأن يؤدوا صلاتى الظهر والعصر مع الجماعة وألا يلجئوا إلى طرق ملتوية للتنصل من العمل، وعليك ألا تهمل ما يجب إتمامه من الأعمال المهمة حتى لا يتعطل العمل، وأن تبذل كل جهدك بما عرف عنك من إخلاص فى العمل والحرص عليه، وأن تعنى بأداء مهام وظيفتك متفقا مع شيخ الحرم المشار إليه، وأن تحقق ما تنتظره منك ذاتى الملكية من المآثر العظيمة والفطانة، وأن تبذل أقصى طاقتك، وعندما تجزم بمضمون أمرى الشريف وأنت ذلك الشيخ المحترم للحرم الشريف عليك أن تنفذ إرادتى السنية الملكية ضاما جهودك مع الآخرين موحدين طاقاتكم وقد صدر أمرى هذا فليكن ذلك فى علمكم، اعتمدوا على علامتى الخاصة.
حرر فى اليوم الخامس عشر من شهر صفر الخير سنة ست وسبعين ومائتين وألف (1276) هـ.
نريد أن نعقد هنا مقارنة فكرية بين الملوك العثمانيين وأسلافهم من الملوك من حيث نيتهم وأعمالهم متخذين ما أدوه من خدمات للحرمين الشريفين دليلا لذلك، وقد ثبت لدى نظر التاريخ أن أكثر من خدم الحرمين الشريفين هم: أمراء بنى أمية وخلفاء بغداد، وملوك الشراكسة، وإن كانت خدمات هؤلاء لا تقارن بالخدمات المشكورة التى أداها السلاطين العثمانيون محبو الخير والبر، لو لم تكن خدمات هؤلاء تنطوى على أغراض نفسيه لكانت خدماتهم أيضا موضع الشكر والثناء، ولكن لأشد الأسف ما أدوه من خدمات لم تساو شيئا لأنهم أخافوا أهل الحرمين وروعوهم، وربما يكونوا قد خدموا الحرمين رئاء الناس، وكان وليد بن عبد الملك أكثر بنى أمية خدمة لآثار الحرمين الجليلين، ولما كان فكره غير صائب ونيته غير خالصة فإن كل ما أنفقه من النقود فى هذا السبيل كانت لتحقير
الأحفاد المصطفوية والأولاد المرتضوية وإجراء خبثه فيهم بما كان يضمره، وبناء على ذلك هدم حجرات زوجات النبى صلى الله عليه وسلم وخربها، وأخرج أولاد أحفاد السبطين من منازلهم مرتكبا فى حقهم من الإهانات التى لا تليق حتى بالأعداء وجعل سادات المدينة وأعيانها يتجرعون الدماء وحقر زاهدا عابدا مثل عمر بن عبد العزيز بأن عز له من وظيفته.
وكان منصور العباسى أعظم من خدم البلدتين المذكورتين، وكان قد أمر بتهيئة مصلب فى البلد الآمن المنجى الذى قيل عنه «ومن دخله كان آمنا» لسفيان بن سعيد الثورى لمجرد إسماعه الحق، وساق كثيرين من الذرية المحمدية من المدينة المنورة مقيدين مكبلين إلى بغداد وتجرأ على إعدامهم وإتلافهم فى صورة شنيعة ملعونة، وسار خلفه على طريقته وهكذا أعلنوا وأشاعوا ما يضمرونه فى قلوبهم من عداوة قديمة لآل النبى صلى الله عليه وسلم ذوى الكمال.
قايتباى المصرى أعقل ملوك الشراكسة وأعلمهم، فخدماته للحرمين أكثر من خدمات أسلافه وأخلافه، وهذا أيضا قد أظهر دناءته-بناء على ما سيأتى ذكره فيما بعد-إذ غير موقع منبر النبى الأنور لتحقير فضلاء الحرمين متبعا رأى المتمرد شمس بن زمن وكأنه قام بعمل خير إذ بنى رباطا للفقراء باغتصاب ثلاثة أو خمسة أذرع من أرض شارع المسعى، وعزل من يصدقون فى الكلام من وظائفهم وأتى مكانهم بمن يكذبون وينافقون، ينقل لنا قطبى فى أثره تاريخ مكة هذه الحكاية ويرويها: «كان الملك الأشرف قايتباى المصرى قد اتخذ الشيخ شمس الدين محمد بن عمر بن زمن مصاحبا له قبل أن يرتقى عرش مصر، وعندما تولى سلطنة مصر أرسل شمس بن زمن لتعمير المسجد الحرام وبناء بعض المؤسسات الخيرية باسمه إلى مكة المكرمة، فاشترى شمس بن زمن مبانى الميضأة التى فى شارع المسعى وبين الميلين الأخضرين وهدمها حتى الأرض، وكانت هذه الميضأة تنسب إلى الملك الأشرف شعبان بن الناصر حسن بن قلاوون وكانت أمام الباب العالى، وكانت جهتها الشرقية متصلة بمنازل الأهالى، والجهة الغربية بالمسعى الشريف والجهة الجنوبية متصلة بسوق الليل، والجهة الشمالية بدار
العباس بن عبد المطلب، وحفر شمس بن زمن أساس رباط يريد أن يقيمه لإسكان الغرباء مكان الميضأة إلا أنه دخل ثلاثة أذرع فى شارع المسعى رغبة فى توسيع البناء، وأثار هذا العمل بين الأهالى القيل والقال، فرجا قاضى مكة برهان الدين إبراهيم بن على ظهيرة الشافعى شمس بن زمن لترك الأرض التى اغتصبت من المسعى، وبين له أنه لا يوجد مسوغ شرعى لإقامة مبان فى هذا المكان.
وبما أن شمس بن زمن رد هذا الطلب، فتكون مجلس علمى للشورى بإغراء علماء المذاهب الأربعة واستدعوا شمس بن زمن وقالوا له أمام الفقهاء «أيها السيد الفاضل! كان عرض المسعى الشريف (35) ذراعا، وقد قسناه من حفرة أساس الرباط الذى أقمتموه فبقى (27) ذراعا، وأرادوا أن يثبتوا مدعاهم قائلين بأن مساحة المسعى الشريف فى تاريخ الفاكهى خمسة وثلاثون ذراعا، إلا أن شمس بن زمن رد عليهم قائلا: فقولوا ما تقولون إننى لن أتنازل عن فكرى مستمعا إلى أقوالكم، وإنكم غير قادرين على منعى من القيام بهذا العمل فأطال العلماء القول فى هذا الموضوع وانضم الأهالى أيضا إلى العلماء وخالفوا ابن زمن فأجبروه على ترك العمل وكتبوا محضرا فى هذا الخصوص، وأودعوه لدى العلماء الذين حملوه إلى قايتباى فى مصر، كما أن شمس بن زمن كتب رسالة خاصة وأرسلها إلى قايتباى (فالذى يعجبكم من فعل قايتباى؟!) فعزل قاضى مكة وعين مكانه أحد الذين أيدوا شمس بن زمن، وأعاد العلماء الذين قدموا المحضر يائسين مكسورى الخواطر، وجلب الشخص الذى عين فى تلك السنة أميرا للحج وأمره قائلا: «عندما تصل إلى مكة يجب عليك أن تحفر أساس الرباط وفق رأى شمس بن زمن، وأن تشرف بنفسك على العمال وقد أوصل أمير الحج موكب الحج إلى مكة سنة 875 هـ وبمجرد وصوله إلى مكة جمع العمال رأسا وجعلهم يحفرون أساس الرباط ليلا حتى الصباح، وأنقذ أمر قايتباى، انتبهوا لذلك! كيف انكشف قايتباى الذى أراد أن يصل إلى تنفيذ فكره الأنانى السيئ ضمن خدمته التى يريد أن يقوم بها لكعبة الله، وإن كان شمس بن زمن على قدر
من العلم ويسعى لعمل الخيرات والحسنات إلا أنه بذل أقصى جهده لتحقيق علم لا يسوغه الشرع.
وإن كان قايتباى أعقل ملوك الشراكسة وأزهدهم إلا أنه قد أظهر فى هذا الموضوع تعصبا كبيرا، وو قد أصر على التمسك برأيه وقد خدعه شمس بن زمن وساعده على اغتصاب ثلاثة أذرع من مكان المسعى، وعزل قاضى مكة الذى أراد أن يمنعه عن ارتكاب الفعل المنكر، وكأنه لم تكن غايته خدمة الحرمين، بل كان غرضه إظهار سطوته وشوكته وإجلاله على صورة خدمة الحرمين.
وقد تحاشى السلاطين العثمانيون الأغراض النفسية وإبراز العداوة وفوق ذلك فإنهم وقفوا بجانب الأهالى، كما تبين ذلك فى صورة الفرمان العالى المكتوب عاليه، ولم يكن الأهالى بجانب الحق وكانوا يريدون أن يطيلوا عمليات تعمير المسجد الشريف والمبانى المقدسة وذلك بتعويقها بعض الوقت ليستفيدوا من ذلك ماديا وقد ثبت ذلك، ومع هذا أمر السلطان عبد المجيد أن يتم العمل وفقا لآراء الأهالى وأفكارهم وفى سبيل ذلك عزل أصدقاءه مثل: محمد رائف باشا، ومحمد راشد أفندى ونقل مكانهم الآخرين وعينهم وبهذا أظهر للأصدقاء والأعداء أن خدماته السلطانية لم تكن إلا لإسعاد الروح المحمدى العالية خالية من جميع الأغراض النفسية والمادية.
رحمه الله رحمة واسعة انتهى.