الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية
في أن الأمر بالشيء نهي عن ضده
قال الرازي: اعلم: أنا لا نريد بهذا أن صيغة الأمر هي صيغة النهي؛ بل المراد:
أن الامر بالشيء دال على المنع من نقيضه، بطريق الالتزام، وقال جمهور المعتزلة، وكثير من أصحابنا: إنه ليس كذلك.
لنا: أن ما دل على وجوب الشيء دل على وجوب ما هو من ضروراته، إذا كان مقدورًا للمكلَّف؛ على ما تقدم بيانه في المسألة الأولى، والطلب الجازم من ضروراته المنع من الإخلال به، فاللفظ دال على الطلب الجازم، وجب أن يكون دالًا على المنع من الإخلال به؛ بطريق الالتزام.
ويمكن أن يعبر عنه بعبارة أخرى؛ فيقال: إما أن يمكن أن يوجد مع الطلب الجازم - الإذن بالإخلال، أو لا يمكن.
فإن كان الأول: كان جازمًا بطلب الفعل، ويكون قد أذن في الترك، وذلك متناقض.
وإن كان الثاني، فحال وجود هذا الطلب، كان الإذن في الترك ممتنعًا، ولا معنى لقولنا:"الامر بالشيء نهي عن ضده" إلا هذا.
فإن قيل: لا نسلم أن الطلب الجازم من ضروراته المنع من الإخلال؛ وبيانه من وجهين:
الأول: أن الأمر بالمحال جائز؛ فلا استبعاد في أن يأمر جزمًا بالوجود، وبالعدم معًا.
الثاني: أن الآمر بالشيء قد يكون غافلًا عن ضده، والنهي عن الشيء مشروط بالشعور به، فالآمر بالشيء حال غفلته عن ضد ذلك الشيء - يمتنع أن يكون ناهيًا عن ذلك الضد، فضلًا عن أن يقال: هذا الأمر نفس ذلك النهي.
والجواب: قوله: "الأمر بالمحال جائز":
قلنا: هب أنه جائز؛ ولكن لا تتقرر ماهية الإيجاب في الفعل، إلا عند تصور المنع من تركه؛ فكان اللفظ الدال على الإيجاب دالًا على المنع من الإخلال به؛ ضمنًا.
قوله: "قد يأمر بالشيء حال غفلته عن ضده":
قلنا: لا نسلم أنه يصح منه إيجاب الشيء عند الغفلة عن الإخلال به؛ وذلك لأن الوجوب ماهية مركبة من قيدين: أحدهما: المنع من الترك، فالمتصور للإيجاب متصور للمنع من الترك؛ فيكون متصورًا للترك؛ لا محالة.
وأما الضد الذي هو المعنى الوجودي المنافي: فقد يكون مغفولًا عنه، ولكنه لا ينافي الشيء لماهيته، بل لكونه مستلزمًا عدم ذلك الشيء؛ فالمنافاة بالذات ليست إلا بين وجود الشيء وعدمه.
وأما المنافاة بين الضدين فهي بالعرَض؛ فلا جرم عندنا الأمر بالشيء نهي عن الإخلال به، بالذات، ونهي عن أضداده الوجودية، بالعرض والتبع.
سلمنا أن الترك قد يكون مغفولا عنه؛ لكن كما أن الأمر بالصلاة أمر بمقدمتها، وإن كانت تلك المقدمة قد تكون مغفولًا عنها؛ فلم لا يجوز أن يكون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده، وإن كان ذلك الضد مغفولا عنه؟
سلمنا كل ما ذكرتموه، لكن لم لا يجوز أن يقال: الأمر بالشيء يستلزم النهي
عن ضده؛ بشرط ألا يكون الآمر آمرًا بما لا يطاق، وبشرط ألا يكون غافلا عن الضد، ولا استبعاد في أن يستلزم شيء شيئًا عند حصول شرط خاص، وألا يستلزمه عند عدم ذلك الشرط.
المسألة الثانية
الأمر بالشيء نهي عن ضده
قال القرافي: قلنا: أحسن من هذه العبارة: الأمر بالشيء نهي عن جميع
..................................................
..........................................................