الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الرابعة
قال الرازي: الإخلال بالمأمور به، هل يوجب فعل القضاء أم لا
؟
هذه المسألة لها صورتان:
الصورة الأولى: الامر المقيد، كما إذا قال: افعل في هذا الوقت، فلم يفعل؛ حتى مضى ذلك الوقت، فالأمر الأول، هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل فيما بعد ذلك الوقت؟ الحق: لا؛ لوجهين:
الاول: أن قول القائل لغيره: " افعل هذا الفعل يوم الجمعة " لا يتناول ما عدا يوم الجمعة، وما لا يتناوله الأمر، وجب ألا يدل عليه بإثبات، ولا بنفي، بل لو كان قوله:" افعل هذا الفعل يوم الجمعة " موضوعا في اللغة لطلب الفعل في يوم الجمعة، وإلا ففيما بعدها، فهاهنا: إذا تركه يوم الجمعة، لزمه الفعل فيما بعده، ولكن على هذا التقدير: يكون الدال على لزوم الفعل فيما بعد يوم الجمعة، ليس مجرد طلب الفعل يوم الجمعة، بل كون الصيغة موضوعة لطلب يوم الجمعة وسائر الأيام.
ولا نزاع في هذه الصورة، وإنما النزاع في أن مجرد طلب الفعل يوم الجمعة لا يقتضي إيقاعه بعد ذلك.
الثاني: أن أوامر الشرع تارة لم تستعقب وجوب القضاء، كما في صلاة الجمعة، وتارة استعقبته، ووجود الدليل مع عدم المدلول خلاف الأصل، فوجب أن يقال: إن إيجاب الشيء لا إشعار له بوجوب القضاء، وعدم وجوبه.
فإن قلت: " إنك لما جعلته غير موجب للقضاء، فحيث وجب القضاء، لزمك خلاف الظاهر!! ":
قلت: عدم إيجاب القضاء غير، وإيجاب عدم القضاء غير ومخالفة الظاهر إنما تلزم من الثاني، وأنا لا أقول به، أما على التقدير الأول: فغايته أنه دل دليل منفصل على أمر لم يتعرض له الظاهر بنفي، ولا إثبات؛ وذلك لا يقتضي خلاف الظاهر.
الصورة الثانية: الأمر المطلق، وهو أن يقول:(افعل) ولا يقيده بزمان معين، فإذا لم يفعل المكلف ذلك في أول أوقات الإمكان، فهل يجب فعله فيما بعده، أو يحتاج إلى دليل؟
أما نفاة الفور: فإنهم يقولون: الأمر يقتضي الفعل مطلقا، فلا يخرج عن العهدة إلا بفعله، وأما مثبتوه: فمنهم من قال: إنه يقتضي الفعل بعد ذلك وهو قول أبي بكر الرازي، ومنهم من قال: لا يقتضيه، بل لا بد في ذلك من دليل زائد.
ومنشأ الخلاف: أن قول القائل لغيره: (افعل كذا) هل معناه: افعل في الزمان الثاني، فإن عصيت ففي الثالث، فإن عصيت ففي الرابع، على هذا أبدا، أو معناه: افعل في الثاني، من غير بيان حال الزمان الثالث، والرابع؟ فإن قلنا بالأول: اقتضى الأمر الفعل في سائر الأزمان، وإن قلنا بالثاني: لم يقتضه؛ فصارت هذه المسألة لغوية.
واحتج من قال: إنه لا بد من دليل منفصل بأن قوله: (افعل) قائم مقام قوله: افعل في الزمان الثاني
وقد بينا أنه إذا قيل له ذلك، وترك الفعل في الزمان الثاني، لم يكن ذلك القول سببا لوجوب الفعل في الزمان الثالث، فكذا هاهنا ضرورة أنه لا تفاوت بين اللفظتين.
واحتج أبو بكر الرازي على قوله بأن لفظ (افعل) يقتضي كون المأمور فاعلا على الإطلاق، وهذا يوجب بقاء الأمر، ما لم يصر المأمور فاعلا.
وأيضا: الأمر اقتضى وجوب المأمور به، ووجوبه يقتضي كونه على الفور، وإذا أمكن الجمع بين موجبيهما، لم يكن لنا إبطال أحدهما، وقد أمكن الجمع بينهما؛ بأن نوجب فعل المأمور به في أول اوقات الإمكان؛ لئلا ينتقض وجوبه، فإن لم يفعله، أوجبناه في الثاني؛ لأن مقتضى الأمر، وهو كون المأمور فاعلا، لم يحصل بعد، والله أعلم
المسألة الرابعة
الإخلال بالمأمور به هل يوجب القضاء
قال القرافي: هاهنا قاعدتان، هما سر البحث في هذه المسألة.
القاعدة الأولى: أن المقتضى للمركبات في جهة الثبوت، فإذا أوجب الله تعالى الصوم في رمضان فقد أوجب الصوم وزيادة إلزام كونه في رمضان، فالمأمور به مركب من أصل الصوم، واختصاصه المعين.
فإذا فات وصف الزمان بالمتعذر يصير النص كالعام المخصوص إذا بطل الحكم في أحد مفرداته يبقى حجة في الباقي، فيبقى النص هاهنا حجة في أصل الفعل بعد تعذر صومه المخصوص، فيوقعه المكلف بعد ذلك.
فمن لاحظ هذه القاعدة قال: القضاء بالأمر بالأول.
القاعدة الثانية: أن الأوامر تتبع المصالح كما أن النواهي تتبع المفاسد، فإذا أمر الله تعالى بفعل في وقت، فلا بد لتعيين ذلك الوقت من مصلحة تقتضي اختصاص الفعل به؛ لأنه عادة الشرع في شرائعه في رعاية المصالح، وحينئذ إذا خرج ذلك الوقت لا يعلم هل الوقت الثاني مشارك الوقت الأول في المصلحة أم لا؟
فإن من قال لغلامه قبل الفجر بيسير في رمضان: اسقني الآن ماء، فتركه إلى نصف النهار ثم أتاه بالماء، فهذا الوقت لا يشارك ذلك الوقت في مصلحة السقي، وأنه قبل الفجر يتقوى به على الصوم، والآن يفسد عليه
الصوم، واذا حصل الشك في اشتراك الأوقات في المصالح لم يثبت وجوب الفعل الذي هو القضاء في وقت أو آخر إلا بدليل منفصل، وإن كان في بعض الصور قد علم مشاركة الأوقات في تلك المصلحة إلا أن ذلك يكون بدليل من خارج في خصوص تلك المادة لا من جهة الأمر بما هو أمر، وأيضا تقدم أن الخصوصات قد تكون شروطا في المعاني الكلية، فلعل خصوص هذا الزمان شرط فقد فيعدم المشروط، فمن لاحظ هذه القاعدة قال: القضاء بأمر جديد وهو مشهور المذاهب، فهذا سر المسألة.
قوله: " إذا قال له: افعل يوم الجمعة لا دلالة له على غير يوم الجمعة ".
قلنا: كلامكم يقتضي أن الامر لا يدل على يوم آخر غير يوم الجمعة، وهذا لا نزاع فيه، إنما النزاع في تناوله للفعل من حيث هو فعل، ويختار المكلف زمانا يوقعه فيه، فيكون الزمان الثاني من ضرورة إيقاع مطلق الفعل، لا أنه مدلول الأمر الأول.
قوله: " وردت الأوامر مع عدم اقتضاء القضاء، والأصل عدم مخالفة الدليل ".
قلنا: الأصل معارض بأصل آخر، وهو أن الأصل بناء الفعل في زمنه، والأمر دال عليه، ولم يأت به.
قوله: " عدم إيجاب القضاء غير إيجاب عدم القضاء، ومخالفة الظاهر إنما تلزم من الثاني دون الأول ".
تقريره: أن النص إذا لم يوجب القضاء لم يكن معترضا لعدم القضاء، ولا للقضاء، فالدال على القضاء بعد ذلك ليس بينه وبين النص الأول معارضة، فما خولف الظاهر. أما إذا أوجب النص الأول عدم القضاء حصل بينه وبين الدال على القضاء ثانيا معارضة.