الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أضداده، فإذا قال له: اجلس في البيت، فقد نهاه عن الجلوس في السوق، والحمام، والطريق، والبحر وغير ذلك من المواضع التي يضاد الجلوس فيها الجلوس في البيت، وإذا قال له: لا تجلس في البيت، فقد أمره بالجلوس في السوق أو في المسجد، أو في غير ذلك، ولا يتعين منها شيء، بل أحد الأمور التي يضاد الجلوس في البيت فعلها، وقد خرج عن العهدة.
(تنبيه)
تردد كلام الأصوليين في هذه المسألة
، هل المراد بقولنا: الأمر بالشيء نهي عن ضده في الكلام النفساني، فيكون الأمر النفساني نهيًا عن الضد نهيًا نفسانيًا؟ أو المراد أن الأمر اللساني نهي عن الأضداد بطريق الالتزام؟
وهو مراد المصنف، وقد صرح به، فإن فرعنا على الاول تعين التفصيل بين من يعلم بالأضداد، وبين من لا يعلم، فالله - تعالى - بكل شيء عليم، وكلامه واحد هو أمر، ونهي، وخبر، فأمره عين نهيه، وعين خبره، غير أن التعلقات تختلف، فالأمر عين النهي باعتبار الصفة المتعلقة نفسها التي هي الكلام، وهو غيره باعتبار ان الكلام إنما يصير أمرًا بإضافة تعلق الخاص وهو تعلق الكلام بترجيح طلب الفعل وإنما يصير نهيًا بتعلقه بطلب الترك، فالكلام يفيد التعلق الخاص غيره بالتعلق الآخر، فهذه الأقسام والتفاصيل لاينبغي الخلاف فيها لمن تصورها، وأن أمر الله تعالى بالشيء نهي عن ضده باعتبار أنه لا بد من حصول التعلق بالضد المنافي، وأما من لا شعور له بضد المأمور، فلا يتصور منه النهي عن الاضداد، فكلامه النفسي تفصيلا لعدم الشعور بها، ويصدق أنه نهى عنها بطريق الإجمال؛ لأنه طلب للمأمور على
التفصيل، وليلخصه بكل طريق يفضي لذلك التحصيل؛ لأنه طلب، ومن جملتها اجتناب الأضداد، فيصدق أنه طلب على سبيل الإجمال، كما يطلب الإنسان الترياق الفارق وغيره من المطالب، ويطلب الجنة، وهو لا يعلم تفاصيلها، ولا تفصيل شيء من ذلك، ويصدق عليه أنه طالب لنعيم الجنة، هذا إن فرعنا على الكلام النفسي، وإن فرعنا على الكلام اللساني فلا ينبغي أن يختلف أن صيغة قولنا:(تحرك) ليس فيها صيغة قولنا: (لا تسكن)؛ فإن ذلك مكابرة للحس، وغنما يقع الخلاف في أن صيغة الأمر هل دلت التزامًا أم لا؟
وقد حكى سيف الدين الخلاف في المسألة مفصلا، فقال: الأمر بالشيء على التعيين هل هو نهي عن أضداده؟ اختلفوا فيه:
أما أصحابنا: فالأمر عندهم الطلب النفساني، وقد اختلفوا فيه.
فمنهم من قال: الأمر بالشيء بعينه نهي عن أضداده، وأن طلب الفعل بعينه هو طلب الترك، وهو قول القاضي منا.
ومنهم من قال: هو نهي عن أضداده بمعنى أنه يستلزمه، وهو قول القاضي أخيرًا.
ومنهم من منع ذلك مطلقًا، وقاله إمام الحرمين والغزالي.
وأما المعتزلة: فالأمر عندهم ليس إلا صيغة (افعل)، وقد اتفقوا على أن صيغة (افعل) لا تكون نهيًا، بل من جهة الالتزام.
ومنعه قدماؤهم.
ومنهم من فصل بين الإيجاب، فيقتضي، وبين الندب فلا يقتضي، وأضداد المندوب ليس منهيًا عنها عنده لا نهي تحريم ولا تنزيه، قال: والمختار التفصيل إن جوزنا تفصيل ما لا يطاق، فلا يكون الأمر نهيا عن الضد، وإن منعناه فهو نهي عن الضد في الإيجاب والندب.
ولذلك حقق صاحب (البرهان) فقال: القائل بأن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، وجعله كالحركة التي توجب التقدم هي بعينها توجب التأخر.
والقاضي رأى أنه ليس نهياً بعينه، بل يتضمنه.
وقال الغزالي في (المستصفى): لا يمكن أن يقال: صيغة النهي، فيتعين الخلاف في المعنى، ويتعين ألا يكون في كلام الله تعالى، فإنه واحد، وهو أمر ونهي.
قوله: "الأمر بالشيء دال على المنع من نقيضه"
قلنا: النهي يجب أن يشترط في متعلقه مايشترط في متعلق الأمر، وهو كونه مقدورًا مكتسبا يقدر على تحصيله، ونقيض المأمور به عدم صرف العدم المنصرف لايقدر عليه، ولا يمكن اكتسابه، وكذلك لايصح أن يؤمر به، فلا يصح ان يكون منهيا عنه، بل الأضداد أمور وجودية يمكن إكتسابها وتحصيلها، فنهى عنها، أما النقيض فلا.
فإن قلت: عنه جوابان:
أحدهما: أن أحكام الحقائق المتأصلة لايلزم أن تثبت للحقائق التابعة
اللازمة، وكذلك أن الخبر التابع للأمر والنهي في أن التارك يستحق العقاب، أو الفاعل الذي لايدخله التصديق والتكذيب، والخبر المتأصل يدخلانه، وكذلك النهي اللازم للأمر لايقتضي إستيعاب الأزمنة ولا التكرار، وإلا لزم دوام المأمور به، والنهي المتأصل يقتضي ذلك، وقد تقدم بسطه فهاهنا النهي تابع، فأمكن ألا يشترط فيه مايشترط في النهي المتأصل أن يكون منهيه من جنس المقدور.
وثانيهما: أن اختيار النقيض لازم للمأمور به قطعاً، وإذا كان لازماً للمأمور به كأن الأمر دالاً عليه بطريق الإلزام.
قلت: الجواب عن الأول أن قولك: نهي عن النقيض إن أردت به تعلق الطلب بالنقيض وبالضرورة المطلوب لابد أن يكون مقدوراً، وإن أردت مطلق الدلالة من غير طلب، فلا تقولوا: نهى عن نقيضه؛ لأن النهي ظاهر في الطلب، بل قولوا: دال على أن فعل المأمور يلزمه ترك نقيضه.
وعن الثاني: أن الدلالة مسلّمة إنما الإشكال في كونه منهيا عنه، فعبارة الأصحاب أولى من هذه العبارة.
قوله: "لنا مادل على وجوب الشيء دل على ماهو من ضرورته إذا كان مقدورا للمكلف".
قلنا: (دلّ) أعم من أنه (نهى)، فنحن نسلم الدلالة ونمنع كونه منهيًا عنه فإن الطلب لسقي الماء يلزم مطلوبه تعلّق قدرة الله تعالى بخلق ذلك، ولا يمكن أن يقال: إن العبد المأمور مأمور بأن يصيّر قدرة الله تعالى متعلقة بذلك الفعل، وإن كان لازما بالضرورة، فعلمنا أن الدلالة أعم من النهي، وأنه لايلزم من تسليمها تسليم النهي، ثم قولكم: إذا كان مقدورًا للمكلف يناقض ما تقدم من قولكم: نقيض المأمور به، ولم تقولوا: ضده كما قال الأصحاب؛ فإن العدم الصرف ليس مقدوراً للقدرة القديمة فضلاً عن الحادثة.
قوله: "إن أمكن أن يوجد مع الطلب الجازم الإذن في الترك، فإن كان الأول لزم أن يكون آذناً في الترك وطالبا ً، فيجتمع النقيضان".
قلنا: لانسلم أنه يلزم من إمكان الشيء وقوعه، وإجتماع النقيضين إنما جاء من الوقوع لا من الإمكان، ألا ترى أن كل واحد من النقيضين والضدين ممكن حالة وجود الآخر، ومالزم إجتماع النقيضين؛ لأنه لايلزم من الإمكان الوقوع.
قوله: "وإن كان الثاني لزم أن يكون الإذن في الترك ممتنعاً، ولا معنى لقولنا: الأمر بالشيء نهي عن ضده إلا هذا".
قلنا: لايلزم من الإمتناع في فعل الضد النهي عنه؛ لأن الطالب للعشرة يمتنع مع مطلوبه الذي هو العشرة أن يكون فرداً، ولا يمكن أن يقال: الفردية منهي عنها؛ لأن المستحيل لاينهى عنه؛ لأن من شرط التكليف تيسير الأسباب، فإن أردتم مطلق الدلالة - كما تقدم - فلا يلزم النهي، ويكون مطلوبكم في هذه المسألة خلاف مطلوب الأصحاب، ثم إنكم هاهنا صرحتم بالضد وعدلتم عن ذكر النقيض، وهذا هو الصواب الذي قاله الأصحاب.
قوله: "طلب المحال جائز".
قلنا بحثنا في هذه المسألة إنما هو الوضع اللغوي، والألفاظ اللغوية لم توضع لطلب المحال، بل إنما وضعت لما ييسر عادة؛ لأنه مقصود الناس، وإذا قلنا بجواز تكليف مالا يطاق فإنما ذلك في حق الله تعالى بالنظر ماتستحقه الربوبية، أما وضع اللفظ اللغوي فلم يقل أحد: إن الأمر وضع لطلب المحال، وكذلك أنتم تقولون: متعلق النهي فعل ضد المنهي عنه لا نفس (لا تفعل) على ما سيأتي تقريره في النواهي إن شاء الله تعالى، فجعلوا لفظ النهي إنما وضع للممكن دون المستحيل.
قوله: "اللفظ الدال على الإيجاب دال على المنع من الإخلال".
قلنا: الدلالة أعم من النهي كما تقدم فلا يفيد المطلوب، ولا يلزم من وجود الأعم وجود الأخص.
قوله: "لانسلم أنه يصح إيجاب الشيء حالة الغفلة عن ضده؛ لأن الواجب مركب من المنع من الترك".
قلنا: لانسلم أن المنع من الترك جهل لازم.
سلمنا أنه جر قلم، فلم قلتم: إنه يتعين الشعور به؟ فقد يطلب الإنسان ماهو متصور له على سبيل الإجمال دون التفصيل، ولا يلزم من تصور المركبات تصور المفردات إلا إذا حصل العلم التفصيلي، أما الإجمالي فلا، وقد تقدم بسطه أول الكتاب عند إشتراط تصور المفردين من أصول الفقه عند تصوره الأمر بالشيء على سبيل الإجمال غير ممتنع، بل أكثر الناس لايحيط علما بحقائق الأشياء على سبيل التفصيل، ومع ذلك يصح منهم الأمر والنهي.
بل الجواب الحق عن هذا السؤال: أنا ندعي دلالة لفظ الامر على ترك الضد إلتزامًا، ودلالة الإلتزام لايشترط فيها الشعور، بل جميع الدلالات كذلك، فقد يكون المتكلم إنما خطر بباله المجاز فأمر به، والقرينة غير موجودة، وحينئذ لا يدل اللفظ إلا على الحقيقة ولوازمها دون ما خطر للمتكلم، فعلمنا حينئذ أن دلالة اللفظ لايشترط فيها الشعور.
وهذا الموضوع هو أحد المواضع التي وقع البحث فيها غير متجه بسبب إلتباس دلالة اللفظ بالدلالة باللفظ؛ فإن الدلالة باللفظ التي هي إستعمال اللفظ هي التي لايشترط فيها الشعور؛ فإن الإطلاق لإرادة المعنى فرع الشعور به، أما إشعار اللفظ بمعنى، فقد لايشعر به المتكلم، وهي نحو