الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الرابعة
قال الرازي: ذهب أكثر الفقهاء غلى أن النهي لا يفيد الفساد
، وقال بعض أصحابنا: إنه يفيده، وقال أبو الحسين البصري: إنه يفيد الفساد في العبادات، لا في المعاملات، وهو المختار.
والمراد من كون العبادة فاسدة: انه لا يحصل الإجزاء بها، أما العبادات: فالدليل على أن النهي فيها يدل على الفساد: أن نقول: إنه بعد الإتيان بالفعل المنهي عنه، لم يأت بما أمر به؛ فبقى في العهدة.
إنما قلنا: إنه لم يأت بما أمر به؛ لأن المأمور به غير المنهي عنه؛ كما تقدم بيانه، فلم يكن الإتيان بالمنهي عنه إتيانا بالمأمور به.
وإنما قلنا: إنه وجب أن يبقى في العهدة؛ لأنه تارك للمأمور به، وتارك المأمور به عاص، والعاصي يستحق العقاب؛ على ما مر تقريره في مسألة أن الأمر للوجوب.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون الإتيان بالفعل المنهي عنه سببا للخروج عن عهدة الأمر؛ فإنه لا تناقض في أن يقول الشارع: " نهيتك عن الصلاة في الثوب المغصوب؛ ولكن، إن فعلته، أسقطت عنك الفرض بسببه؟
سلما أن ما ذكرته يدل على أن النهي يقتضي الفساد؛ لكنه معارض بدليلين:
الأول: أن النهي لو دل على الفساد، لدل عليه: إما بلفظه، أو بمعناه، ولم يدل عليه في الوجهين، فوجب ألا يدل على الفساد أصلا.
أما أنه لا يدل عليه بمعناه؛ فلأن الدالة المعنوية: إنما تتحقق إذا كان لمسمى الشيء لازم، فاللفظ الدال على الشيء دال على لازم المسمى؛ بواسطة دلالته على المسمى.
وهاهنا الفساد غير لازم للمنع؛ لأنه استبعاد في أن يقول الشارع: " لا تصل في الثوب المغصوب، ولو صليت، صحت صلاتك، ولا تذبح الشاة بالسكين المغصوب، ولو ذبحتها بها، حلت ذبيحتك " وإذا لم تحصل الملازمة، انتفت الدلالة المعنوية.
الثاني: لو اقتضى النهي الفساد، لكان أينما تحقق النهي، تحقق الفساد.
لكن الأمر ليس كذلك؛ بدليل النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة، والوضوء بالماء المغصوب مع صحتهما.
والجواب: قوله: " لم لا يجوز أن يكون الإتيان بالنهي عنه سببا للخروج عن العهدة؟ ":
قلنا: لانه غذا لم يات بالمأمور به، بقي الطلب كما كان؛ فوجب الإتيان به؛ وإلا لزم العقاب بالدليل المذكور.
قوله: " الصلاة في الثوب المغصوب منهي عنها، ثم إن الإتيان بها يقتضي الخروج عن العهدة ".
قلنا: الدليل الذي ذكرناه يقتضي ألا يخرج الإانسان عن عهدة الأمر؛ إلا بفعل المأمور به؛ إلا انه قد يترك العمل بهذا الدليل في بعض الصور لمعارض.
والفرق أن مماسة بدن الإنسان للثوب ليست جزءا من ماهية الصلاة، ولا مقدمة لشيء من أجزائها، وإذا كان كذلك، كان آتيا بعين الصلاة المأمور بها؛ من غير خلل في ماهيتها اصلا.
أقصى ما في الباب: أنه أتى مع ذلك بفعل آخر محرم، ولكن لا يقدح في الخروج عن العهدة.
أما المعارضة الأولى: فجوابها: أن النهي دل على أن المنهي عنه مغاير للمأمور به، والنص دل على أن الخروج عن عهدة الأمر لا يحصل إلا بالإتيان بالمأمور به؛ فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن الإتيان بالمنهي عنه لا يقضي الخروجعن العهدة.
وأما المعارضة الثانية: فنقول: لا نسلم أن النهي في الصور التي ذكرتموها تعلق بنفس ما تعلق به الأمر؛ بل بالمجاور، وحيث صح الدليل أن الفعل المأتي به غير الفعل المنهي عنه - فلا نسلم أنه لا يفيد الفساد، والله أعلم.
وأما المعاملات: فالمراد من قولنا: " هذا البيع فاسد ": أنه لا يفيد الملك، فنقول: لو دل النهي على عدم الملك، لدل عليه: إما بلفظه، أو بمعناه؛ ولا يدل عليه بلفظه؛ لأن لفظ النهي لا يدل إلا على الزجر.
ولا يدل عليه بمعناه أيضا؛ لأنه لا استبعاد في أن يقول الشارع: " نهيتك عن هذا البيع، ولكن إن أتيت به، حصل الملك " كالطلاق في زمان الحيض، والبيع وقت النداء.
وإذا ثبت أن النهي لا يدل على الفساد، لا بلفظه، ولا بمعناه، وجب ألا يدل عليه أصلا.
فإن قيل: هذا يشكل بالنهي في باب العبادات؛ فإنه يدل على الفساد:
ثم نقول: لا نسلم أنه لا يدل عليه بمعناه؛ وبيانه من وجهين:
الأول: أن فعل المنهي عنه معصية، والملك نعمة، والمعصية تناسب المنع من النعمة، وإذا لاحت المناسبة فمحل الاعتبار جميع المناهي الفاسدة.
الثاني: أن النهي عنه لا يجوز أن يكون منشأ المصلحة الخالصة أو الراجحة؛ أو المساوية:
وعلى التقديرين الأولين: وجب الحكم بالفساد؛ لا، هـ إذا لم يفد الحكم أصلا، كان عبثا، والعاقل لا يرغب في العبث ظاهرا، فلا يقدم عليه؛ فكان القول بالفساد سعيا في إعدام تلك المفسدة.
وعلى التقدير الثالث، وهو التساوي: كان الفعل عبثا، والاشتغال بالعبث محذور عند العقلاء، والقول بالفساد يفضي إلى دفع هذا المحذور؛ فوجب القول به.
سلمنا أن ما ذكرته يدل على قولك؛ لكنه معارض بالنص، والإجماع والمعقول:
أما النص: فقوله عليه الصلاة والسلام: " من أدخل في ديننا ما ليس منه، فهو رد "
والمنهي عنه ليس من الدين؛ فيكون مردودا، ولو كان سببا للحكم، لما كان مردودا.
وأما الإجماع: فهو أنهم رجعوا في القول بفساد الربا، وفساد نكاح المتعة -إلى النهي.
وأما المعقول: فمن وجهين:
الأول: أن النهي نقيض الأمر، لكن الأمر يدل على الإجزاء؛ فالنهي يدل على الفساد.
الثاني: أن النهي يدل على مفسدة خالصة، أو راجحة، والقول بالفساد سعي في إعدام تلك المفسدة؛ فوجب أن يكون مشروعا؛ قياسا على جميع المناهي الفاسدة.
والجواب: قوله: " يشكل بالنهي في العبادات ":
قلنا: المراد في الفساد في باب العبادات: أنها غير مجزئة، والمراد منه في باب المعاملات: أنه لا يفيد سائر الأحكام، وإذا اختلف المعنى، لم يتجه أحدهما نقضا على الآخر.
قوله: " الملك نعمة؛ فلا تحصيل من المعصية ":
قلنا: الكلام عليه وعلى الوجه الثاني مذكور في الخلافيات.
وأما الحديث: فنقول: الطلاق في زمان الحيض يوصف بأمرين: أحدهما: أنه غير مطابق لأمر الله تعالى، والثاني: أنه سبب للبينونة:
أما الأول: فالقول به إدخخال في الدين ما ليس منه؛ فلا جرم كان ردا.
وأما الثاني: فلم قلت: إنه ليس من الدين؛ حتى يلزم منه أن يكون ردا؛ فإن هذا عين المتنازع فيه؟
وأما الإجماع: فلا نسلم أن الصاحبة رضي الله عنهم رجعوا في فساد الربا والمتعة إلى مجرد النهي؛ بدليل أنهم حكموا في كثير من المنهيات بالصحة، وعند ذلك لا بد وأن يكون أحد الحكمين لأجل القرينة، وعليكم الترجيح.
ثم هو معنا؛ لانا لو قلنا: إن النهي يدل على الفساد، لكان الحكم بعدم الفساد في بعض الصور تركا للظاهر.
أما لو قلنا بأنه لا يقتضي الفساد، لم يكن إثبات الفساد في بعض الصور لدليل منفصل؛ تركا للظاهر؛ فكان ما قلناه أولى.
قوله: " الأمر دل على الإجزاء؛ فوجب أن يدل على النهي على الفساد ":
قلنا: هذا غير لازم؛ لإمكان اشتراك المتضادات في بعض الصور اللوازم، ولو سلمنا ذلك، لكان الأمر: لما دل على الإجزاء، وجب ألا يدل النهي عليه، لا أن يدل على الفساد، والله أعلم.
المسألة الرابعة
النهي يقتضي الفساد
قلت: في هذه المسألة خمسة أقوال:
............................................
.................................................
يدل على الفساد.
يدل على الصحة.
لا يدل عليهما.
على شبه الصحة، وهو تفريع المالكية؛ لأن البيع الفاسد عندهم المنهي عنه يفيد شبهة الملك، فإذا اتصل به البيع أو غيره - على ما قرروه - يثبت الملك فيه بالقيمة، وإن كانت قاعدتهم: أن النهي يدل على الفساد في الأصول، غير أنهم راعوا الخلاف في اصل القاعدة في الفروع، فقالوا: شبهة الملك، ولم يمحضوا الفساد، ولا الصحة جمعا بين المذاهب.
التفرقة بين المعاملات والعبادات، فيفسد الثاني دون الأول.
قوله: " أتى بالمنهي عنه، ولم يأت بالمأمور به لأنه غيره ":
قلنا: صدق قولنا: " أتى بالمنهي عنه " أعم من كونه أتى بالمأمور به، أو لم يأت به؛ لأنه قد تقدم أن الخاص قد يكون منهيا عنه، والمفهوم العام قد يكون مباحا كمطلق اللحم في تحريم لحم الخنزير، وواجبا كالصلاة في الدار المغصوبة، ومندوبا كالنافلة في الأوقات المكروهة والبقاع المكروهة، وحراما كالكفر والشرك؛ فإن أصل الكفر حرام، وإذا كان أعم من هذه الأقسام الأربعة لا يستدل به على أحدهما؛ لأن الأعم لا يدل على الأخص.
قوله: " لم لا يجوز أن يكون الإتيان بالمنهي عنه سببا للخروج عن العهدة؛ فإنه لا تناقض بين أن يقول الشارع: " نهيتك عن الصلاة في الثوب المغصوب "، و " إذا فعلته خرجت عن العهدة ".
قلنا: أما النهي عنه بما هو منهي عنه لا يكون سببا لبراءة الذمة من الواجب؛ لأن المندوب الذي هو راجح الفعل ومتضمن المصلحة لا يجزئ عن الواجب؛ فإن صلاة ألف ركعة نفلا لا يبرئ الذمة من صلاة الصبح، وأما الصلاة في الثوب المغصوب فإن الذمة غنما برئت؛ لأن المصلي معظما لله تعالى بما شرعه في الصلاة، غير أن ذلك المأمور به صحبه استيفاء حق الغير بغير غذنه، وهذا أمر خارج عن الصلاة، فلم تبرأ الذمة من الواجب إلا بواجب.
قوله: " لا يدل النهي بلفظه على الفساد؛ لأنه لا يدل بلفظه إلا على الزجر فقط ":
قلنا: دعواكم الحصر مصادرة؛ فإن الخصم هو يقول: هو يدل على الأمرين.
سلمنا أنه لا يدل بلفظه، فلم لا يدل بالالتزام؟
قوله: " لا استبعاد في أن يقول الشارع: " لا تصل في الثوب المغصوب وإذا صليت أجزأ عنك "، ولا " لا تذبح الشاة بسكين الغير، وإذا ذبحت أبحتها لك ":
قلنا: الملازمة على قسمين: ظنية، وقطعية، فدلالة الالتزام تنقسم لذلك أيضا هذين القسمين، كما يقول في دلالة المفهوم وغيره: إنه دلالة التزام، وهي دلالة ظنية؛ لأن الملازمة ظنية، وذلك ككأس الحجام؛ لفظه يدل على النجاسة ظاهرا كما يدل لفظ سوسية القصار على الطهارة ظاهرا.
وإذا تقرر أن دلالة الالتزام - هاهنا - ظنية، فلا يناقضها قولكم:" لا استبعاد في أن يقول الشارع " لأن هذا إشارة إلى الاحتمال، ومن ادعى الظن فقد التزم الاحتمال لازما لدعواه، فلا يرد عليه سؤال ما ادعاه لازما لدعواه؛ لأن لازم الشيء لا يناقضه، والاحتمال لازم للظن، والسؤال والمعارضات كلها لا بد أن تكون منافية متناقضة.
قوله: " لو دل على الفساد لكان حيث تحقق النهي تحقق الفساد، لكنه ليس كذلك؛ فإن الصلاة في الأوقات المكروهة، وبالماء المغصوب صحيحة ".
قلنا: لا نسلم الصحة فقد نقل الغزالي في (المستصفى) عدم صحة الصلاة في الأوقات المكروهة عن بعض العلماء والمنقول عن مذهب أحمد بن حنبل عدم الصحة في الوضوء بالماء المغصوب والذبح بسكين الغير، وطرد القاعدة.
قوله: " الفرق أن مماسة الثوب ليس جزءا من ماهية الصلاة، فالصلاة في نفسها في ماهيتها لا فساد فيها ":
قلنا: لكن الشارع أمره أن ياتي بشرطه كما أمره أن ياتي بصلاة، فكما أنه إذا أتى بصلاة محرمة قدح فيها ذلك عندكم، ولم يعتد بها، وكان كمن لم يصل، وكان من أتى بالشرط المنهي عنه لم يأت بالشرط في نظر الشرع، والصلاة بدون شرطها لا يعتد بها، فنحن لا نورد الفساد على ماهية الصلاة، بل على ماهية الشرط.
قوله: " النص دل على أن الخروج عن العهدة لا يحصل إلا بالإتيان بالمأمور به ".
تقريره: أن هذا النص هو الاجماع إن تيسر نقله، أو يكون معلوما من الدين بالضرورة، فلا يحتاج إلى النقل، وإلا فلا يجد نصا من الكتاب،
ولا من السنة يقول: لا تبرأ الذمة من أي واجب كان إلا بفعل ذلك الواجب، ويكون ذلك النص شاملا بجملة الشريعة.
قوله: " لا نسلم أن النهي في تلك الصور تعلق بما تعلق به الأمر، بل بالمجاور ".
قلنا: لا نسلم أنه لم يتعلق به أمر، غايته أنه لم يتعلق به الأمر بالصلاة، لكن تعلق به الأمر بتحصيل الشرط، فقد اجتمع الأمر بالسترة والنهي عن الصغب في الثوب، والبحث فيه كالبحث في الصلاة في الدار المغصوبة، وهو قد التزم هنالك تواردهما على شيء واحد، فيلزمه هاهنا.
قوله: " لا يدل النهي في المعاملات بلفظه؛ لأنه لا يدل إلا على الزجر ".
قلنا: هذه مصادرة في هذا الحصر، فلم لا يدل على الوجوب وعدم الملك؟
وتقريره: أن النهي لا يكون إلا لتضمن المنهي عنه مفسدة تقتضي التحريم المتضمن للمفاسد، لا ينبغي أن يمكن الشرع من التصرف فيه وتقريره، بل يأمر بنفيه وعدم تقريره؛ نافيا لذلك المفسدة، واقل الأحوال أن يكون دالا بمعناه، فدعواكم نفي الأمرين لا يستقيم، وأما قولكم:" لا استبعاد في أن يقول الشارع: " نهيتكم عن هذا البيع، فإن أتيت به جعلته سببا للملك ".
قلنا: قد تقدم أن هذا إبداء الاحتمال، والاحتمال لا ينافي الظن؛ لأنه لازم، ولازم الشيء لا ينافيه.
قوله: " المنهي عنه لا يجوز أن يكون منشأ المصلحة الخالصة أو الراجحة ".
تقريره: أن المصلحة الراجحة كما في الجهاد؛ فإنه مصلحة نصرة الدين، ومحو الكفر من قلوب المشتركين، وفيه مفسدة ذهاب النفوس، والإضرار بالأولاد والعيال، وإفساد الأموال.
وكذلك القول في المفسدة الخالصة كالكفر، والراجحة كالخمر لقوله تعالى:{وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219].
قوله: " النهي نقيض الأمر، لكن الأمر يدل على الإجزاء، فالنهي يدل على الفساد ".
تقريره: أن العرب تحمل الشيء على ضده كما تحمله على مثله، بدليل حملهم (لا) النافية - في نصب المضاف - على (إن) وهي نقيضها؛ لأن النفي نقيض الإثبات، وحملوا (الغدايا) على (العشايا) في الجمع، فإن أصل (الفعال) للعشايا دون الغدايا، كزكية، وزكايا، وسرية وسرايا، لكن (بكرة) ضد (عشية)، فحمل عليه؛ لأن أصلهما واحد وهو المصدر، فـ (اضرب) و (لا تضرب) و (بع) و (لا تبع)، و (صل) و (لا تصل) كلاهما مصدره واحد، والأصل في اتحاد الأصول تساوي الفروع، فكما أن الأمر دل على شيئين: الوجوب والإجزاء - النهي - أيضا - يدل على شيئين: الزجر والفساد، فيكون لكل واحد منهما مدلولان عملا بتساوي الأصل الذي هو المصدر، وقد سلك المنصف في مسألة (الإجزاء) عكس هذا الاستدلال فقال:" النهي لا يدل على الفساد، فالأمر لا يدل على الإجزاء "، ولما كان في الكل قولان جاز له البناء على كلا القولين في أي وقت شاء.
قوله: " المراد من الفساد في العبادات أنها لا تفيد براءة الذمة، ومن المعاملات أنها لا تفيد جميع الأحكام، وإذا اختلف البابان لا يرد أحدهما نقضا على الآخر ".
قلنا: لا نسلم اختلاف الباب، بل الفساد في الجميع عدم ترتب الآثار، فأثر النهي في العبادة عدم براءة الذمة، واثر النهي في المعاملات عدم إفادة الملك، وتنوع الأمر يقتضي اختلاف الجنس، ألا ترى أن النهي في المعاملات
واحد عندكم مع أن أثر البيع الملك في العين، وفي الإجارة الملك في المنفعة، وفي النكاح التمكن من الوطء وفي القراض الأمانة على المال واستحقاق النصيب؟
وفي كل موطن أثر يخالف أثر الآخر، وما يمنعكم الاختلاف من جعل الجمع شيئا واحدا؟ وكذلك العبادات جعلوها مع المعاملات، وصيروا الجميع بعدم ترتب الأثر، وفسروا الصحة في الجميع بترتيب الآثار، والآثار مختلفة، ويجمعها كونها أثرا كما يجمع الحيوان كله كونه حيوانا، وهو مختلف في نفسه.
قوله: " الكلام عليه مذكور في الخلافيات ".
تقريره: أن المذكور في الخلافيات أن الله تعالى رتب على ارتكاب المنهي عنه الحد في جنايات خاصة، والتعزيز فيما عداها، مع سقوط العدالة وغير ذلك مما قد استقر في الشريعة، فليس لأحد أن يزيد على ما رتبه الله تعالى، وعدم الملك زيادة على المفرد فوجب ألا يشرع، فلا ينتقم أحد لله تعالى بأكثر مما انتقم لنفسه.
قوله: " والواجب عن الحديث: أن الطلاق في زمان الحيض يوصف بأمرين:
أحدهما: أنه غير مطابق لأمر الله تعالى.
والثاني: أنه يثبت للبينونة، والأول يرد، والثاني محل النزاع ".
قلنا: وقع في كثير من النسخ: أحدها أنه مطابق لأمر الله تعالى بإسقاط (غير) والنسخ الصحيحة بإثبات (غير) ثم نقول: الحديث عام في كل ما ليس من الدين، ورفع الواقع متعذر، فتعين صرفه لآثاره، فتعم جميع الآثار إلا ما أجمعنا عليه، فينتفي الأول والثاني وغيرهما.
قوله: " لا يلزم من دلالة الأمر على الإجزاء دلالة النهي على الفساد؛ لإمكان اشتراك المتضادات في بعض اللوازم ":
تقريره: أنهم قاسوا النهي على الأمر في أن كل واحد منهما نقيض الآخر، فيقتضي تيقن الوجوب والإجزاء في الأمر، والتحريم والفساد في النهي، فقال في الواجب: هذا غي
لازم لإمكان اشتراك المتضادات في بعض اللوازم، وهو غير واجب؛ فإن إمكان اشتراكهما في بعض اللوازم لا باشتراكهما في نفيها، ثم إن الخصم قال: النهي يقتضي الأمر، وقال: هو في الجواب: هو ضده، لكنه قصد كلاما، فنطق ببعضه، فقصد أن المتضادات وإن اشتركت في بعض اللوازم، فيجب اختلافها في بعض، وإلا لكانت أمثالا لا نقائض وأضداد، وإذا وجب اختلافهما في بعض اللوازم فلعل الحكم المطلوب هو مما وقع الاختلاف فيه، فلا يلزم ثبوته، فأراد أن يقول: الإمكان اشتراك المتضادات في بعض اللوازم، إختلافها في البعض، فاكتفى بمفهوم قوله: في بعض اللوازم؛ لأن مفهوم البعض يقتضي أن البعض الآخر ليس كذلك، وإلا لكان الكل، وأما عدول عن النقيض إلى الضد فتوسع في العبارة؛ فإنه كثيرا ما يستعمل أحدهما في الآخر.
قوله: " سلمنا ذلك، لكن الأمر لما دل على الإجزاء وجب الا يدل النهي عليه، لا أنه يدل على الفساد ":
تقريره: أن النهي إذا كان نقيض الأمر - كما قال الخصم - وشأن النقيض أن يثبت له نقيض حكم نقيضه، فغذا كان السواد يجمع البصر، فعدم السواد لا يجمع البصر، والواجب تعاقب عليه، فما ليس بواجب لا تعاقب عليه، فيكون اللازم هاهنا أن النهي لا يدل على الإجزاء؛ لانه نقيض ما دل عليه، أما دلالته على الفساد، فلا يلزم أن الفساد ليس نقيض الإجزاء، بل أمر آخر ثبوتي مع أن الحق في هذا الموطن أن النهي ضده وليس بنقيض، لأنهما ثبوتيان، والنقيضان لا بد أن يكون أحدهما عدميا، ثم إن ما تقدم من