الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدنيوية؛ وإنما تظهر فائدته في الأحكام الأخروية؛ وهي أنه، هل يزداد عقاب الكافر؛ بسبب تركه لهذه العبادات؟ وما ذكرتموه من الدلالة لا يتناول هذا المعنى.
وعن الثاني: أنه ينتقض بالجمعة.
ثم الفرق أن إيجاب القضاء على من أسلم بعد كفره ينفرده عن الإسلام؛ لإمتداد أيام الكفر بخلاف المسلم، والله أعلم.
المسألة الثانية
الأمر بالفروع لا يتوقف على حصول الإيمان
وكذلك نقله القاضي عبد الوهاب في (الملخص)، والقاضي أبو يعلى في كتاب (العدة) عن أحمد، وهو مذهب جمهور المالكية، والحنابلة، والشافعية.
تمهيد
الكفار ستة أقسام
كافر كفر بباطنه وظاهره، وهم أكثر الحربيين.
وكافر آمن بظاهره وباطنه، وكفر بعدم الإذعان للفروع، بأن يعتقد
صحة الرسالة، ويصرح بذلك بلسانه، ويقول: أخاف من الدخول إما المعرة، أو فوات منصب، أو غير ذلك، كما اتفق لأبي طالب حال حياته، كان يعتقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصرح بذلك طول عمره، ومنه قوله في شعره (الطويل):
لقد علموا أن ابننا لا مكذب
…
لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
فقد صرح بأنهم يعلمون صدقه، ويروى أنه كان يقول: لولا أن تعيرني نساء قريش لاتبعتك.
وكافر كفر بباطنه دون ظاهره، وهو المنافق.
وكافر كفر بظاهره دون باطنه، وهو المعاند.
كما يحكى أن بعض اليهود قال لأخيه: امض إلى هذا الرجل، فانظر إليه، هل هو هو؟ فرجع إليه، فقال: هو هو.
فقال: على ماذا عزمت؟
قال: على معاداته ما عشت.
قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا
…
الآية} [النمل: 14] فهؤلاء معاندون.
وكافر كفر بفعله، وآمن بظاهره وباطنه، وأذعن للفروع، كملقي المصحف الكريف في القاذورات، ونحوه من السجود للصنم وغيره.
وكافر كفر بإرادة الكفر لا بنفس الكفر؛ لأن إرادة الكفر عند الشيخ أبي الحسن الأشعري كفر، وجعل منه بناء الكنائس، فمن بنى كنيسة ليكفر فيها بالله تعالى فهو كافر؛ لإرادته الكفر، ومن قتل نبيا مع إيمانه كتمان شريعته فهو كافر؛ لإرادته الكفر، ومن أخر رجلا عن الإيمان بغير عذر فهو كافر؛ لإرادته بقاءه على الكفر، ولذلك قيل: إن الخطيب إذا أخر يوم الجمعة من يريد الإسلام لأجل الخطبة، فقد كفر، فلا تصح الجمعة خلفه.
إذا تقررت هذه الأقسام، فإن عني بأن الكفار لا يخاطبون بالفروع لعدم إمكان ذلك منهم؛ لأن من لا يعتقد صحة الشيء يتعذر عليه الطاعة به - كان هذا هو المدرك في المنع؛ فإن التصديق مورد تلك الأوامر في نفوسهم، فلا تتعذر عليهم الطاعة.
ومنها أن المأمورات منها ما اشترك فيه الشرائع، كالكليات الخمس، لم تخل شريعة عنها، وهي حفظ النفوس، والعقول، والأعراض، والأنساب، والأموال، فلم يبح الله تعالى منها شيئا في شريعة من الشرائع، فحرم المسكرات في الجميع، وإنما أبيح عند اليهود والنصارى منها القدر الذي لا يسكر، وكذلك الزنا، والسرقة والقذف، والقتل حرام إجماعاً من الأمم الكتابية، فحينئذ هؤلاء الكفار الذين كفروا بظاهرهم وباطنهم أمكن أن يطيعوا في هذه الكليات وغيرها من الأوامر التي اتفقت عليها الشرائع كإنقاذ الغرقى، وكسوة العريان، وإطعام الجوعان، وأكثر أنواع الإحسان مأمور به عندهم، فيطيعون به، ولا يتعذر ذلك عليهم من جهة عدم اعتقاده؛ لأنهم يعتقدونه.
وظاهر كلام الأصوليين أن هذا مدرك المسألة، وهو مشكل كما ترى، ولذلك فرق بعضهم بين الأوامر والنواهي؛ لأن الطاعة بالأوامر لا تكون إلا مع اعتقادها، وفي النواهي لا تتوقف على الشعور بها فضلا عن اعتقادها، فمن حرم الله تعالى عليه شيئا خرج عن عهدته، وإن لم يعلم أن الله تعالى حرمه عليه إذا تركه، فبمجرد الترك يسلم من العقوبة.
ويؤكد أن هذا هو المدرك قول إمام الحرمين في (البرهان): إن الخلاف في جواز المخاطبة عقلا ووقوعه بعد جوازه، ثم قال: واحتج المانعون بأنه لو فرض الخطاب لإقامة الفروع لكان مستحيلا مع الإصرار على الكفر، وهو تكليف ما لا يطاق.