الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الخامسة
النهي هل يدل على الصحة
قوله: " احتجوا بالنهي في الربا يدل على انعقاده فاسدا ":
تقريره: أن مذهب أبي حنيفة أن عقود ربا الفضل يرد الزائد، ويثبت الملك في المساوي، فإذا باع درهما بدرهمين يرد درهما، ويملك درهما.
....................................................
.....................................................
..........................................................
...................................................
قوله: " لما قال عليه السلام: " دعي الصلاة أيام أقرائك ".
تقريره: أن الصلاة ايام الحيض منهي عنها، وهو لا ينعقد إجماعا.
ويرد عليه: ان الواقع عدم الصحة فلم قلتم: إنها مستفادة من لفظ النهي، وإنما ذلك بالإجماع، ولا يلزم من وقوع الشيء في موارد استعمال النهي كون اللفظ مستعملا فيه؛ وقد تقدم بسطه في ان (الواو) للترتيب.
ولو قال قائل: إنما وقوع عدم الصحة بخصوص لفظ (دعي) او خصوص لفظ (الأقراء)، وبالجملة الخصم من وراء المنع في ذلك.
وله أن يجيب: بأن المطلوب إنما هو عدم دلالة اللفظ على الصحة لا دلالته على عدم الصحة، وبينهما فرق، وهاهنا عدم الدلالة على الصحة، ولولا ذلك لوقعت الصحة عملا بالدليل، وإلا لزم النقض والتخلف.
قوله: " النهي عن غير المقدور عبث ".
قلنا: هاهنا قاعدة وهي أن الصحة العقلية كصحة وجود الأحكام، والصحة الشرعية كجواز الصوم في غير الأيام المنهي عنها، والصحة العرفية كالمسمى أياما.
ويشارك الخلاف الطيران في الهواء، وموضع النزاع في هذه المسألة إنما هو في دلالة لفظ النهي على الصحة الشرعية، واما الصحة العقلية والعادية، فلا بد منها في كل ما يتعلق به التكليف، واللغة لم توضع لتكليف ما لا يطاق، فكلام الخصم لا يفيد دعواه، فما يتجه دليله لا يقول به، وما يقول به لا يتجه دليله.
قوله: " لم لا يجوز حمل النهي على النسخ، كما يقول الموكل لوكيله: لا تبع هذا؟ "
تقريره: الخصم يدعي أنه يدل على صحة تترتب على العقد المنهي عنه، كما قال في عقود الربا وغيرها، فقال المصنف: نحن وإن سلمنا أنه يدل على الصحة، لكن صحة سابقة أو لاحقة؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، ولا يحصل مقصودكم؛ لأن مقصودكم الصحة اللاحقة.
وبيان أنه يدل على الصحة السابقة: أن الخلائق وكلاء الله تعالى في أرضه وخلفاؤه؛ لقوله تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد: 7]، ولقوله تعالى:{ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} [الأعراف: 129]، وقوله تعالى:{ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم} [يونس: 14].
وإذا كانوا خلائف وكلاء الله تعالى فتكون تصرفاتهم صحيحة جائزة بمقتضى الوكالة، فإذا نهاهم يكون ذلك نسخا في حقهم، كمن وكل وكيلا.
في بيع سلعة، ثم قال له:(لا تبعها)، فإن ذلك النهي يكون نسخا للجواز السابق، والصحة السابقة، فكان النهي يدل على الصحة لكن سابقة، ومطلوبكم صحة لاحقة، فلا يحصل المقصود لكم.
قوله: " يحصل البيع على اللغوي؛ لأنه ممكن الوجود، فلم قلت: إن المسمى الشرعي ممكن الوجود؟ ":
يعني ممكن الوجود في الصورة المنهي عنها، بل يبعد وجود البيع المشروع في صورة النهي، هذا كله بناء على تفسير الصحة بمعنى الجواز العقلي أو العادي، والتحقيق أنهما ليس محل النزاع كما تقدم، بل محل النزاع الصحة الشرعية، وهي ترتب آثار النص عليه شرعا.
***
المسألة السادسة
قال الرازي: المطلوب بالنهي عندنا فعل ضد المنهي عنه، وعند أبي هاشم: نفس ألا يفعل المنهي عنه:
لنا: ان النهي تكليف، والتكليف إنما يرد بما يقدر عليه المكلف، والعدم الأصلي يمتنع أن يكون مقدورا للمكلف؛ لأن القدرة لابد لها من تأثير، والعدم نفي محض؛ فيمتنع إسناده إلى القدرة.
وبتقدير أن يكون العدم أثرا؛ يمكن إسناده إلى القدرة، لكن العدم الأصلي لا يمكن إسناده إلى القدرة؛ لأن الحاصل لا يمكن تحصيله ثانيا.
وإذا ثبت أن متعلق التكليف ليس هو العدم، ثبت أنه أمر وجودي ينافي المنهي عنه، وهو الضد.
احتج المخالف: بأن من دعاه الداعي إلى الزنا، فلم يفعله، فالعقلاء يمدحونه على أنه لم يزن، من غير أن يخطر ببالهم فعل ضد الزنا؛ فعلمنا أن هذا العدم يصلح أن يكون متعلق التكليف.
والجواب: أنهم لا يمدحونه على شيء لا يكون في وسعه، والعدم الأصلي يمتنع أن يكون في وسعه؛ على ما تقدم؛ بل إنما يمدحونه على امتناعه من ذلك الفعل، وذلك الامتناع أمر وجودي؛ لا محالة، وهو فعل ضد الزنا.
فإن قلت: إنه كما يمكنه فعل الزنا، فذلك يمكنه أن يترك ذلك الفعل على عدمه الأصلي، وألا يغيره؛ فعدم التغيير أمر مقدور له؛ فيتناوله التكليف.
قلت: المفهوم من قولنا: " تركه على ذلك العدم الأصلي، وما غيره عنه " إما أن يكون محض العدم، أو لا يكون:
فإن كان محض العدم: لم يكن متعلق قدرته، فاستحال أن يتناوله التكليف، وإن لم يكن محض العدم: كان أمرا وجوديا، وهو المطلوب.
المسألة السادسة
المطلوب بالنهي فعل ضد المنهي عنه
قال القرافي: إذا قلنا: النهي عن الشيء امر بضده التزاما تعذر الجمع بينه وبين قولنا: متعلق النهي فعل ضد المنهي عنه؛ لتعذر أن يكون المدلول مطابقة مدلولا التزاما.
فإن قلنا: المراد الكلام النفساني، فالأمر بالشيء غير النهي عن ضده؛ لأن الكلام إنما يصير أمرا ونهيا، فالتعلق بالكلام المتعلق بالضمير.
قوله: " العدم الأصلي لا يمكن أن يكون مقدورا ".
قلنا: النهي قد يكون عن شيء لم يفعل، يكون معناه حصول العدم الأصلي السابق في الزمان المستقبل، وقد يكون في منع العدم اللاحق بعد طريان الوجود؛ لقوله تعالى:{ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] مع أنهم مسلمون في الوقت الحاضر، وجميع ما نهي عنه العباد وهم متصفون بضده من شرب الخمر، والقتل، والغيبة والنميمة وغير ذلك؛ فإن العدم الأصلي لم يرد في تلك الصور كلها، إنما أريد منع العدم اللاحق أن يدخل الوجود على رأي أبي هاشم، فعبارة المصنف لم تتناول