الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(والقاعدة)
أنه إذا اجتمع العقلاء وغيرهم، غلب العقلاء وصير الجميع عقلاء، فلما وقع التفصيل بعد ذلك، وقع تفصيلا للعقلاء فقط، فكذلك (ما) وقع بصيغة (من) كان المذكور عقلاء ليس غلا لأجل التغليب الواقع في صدر الآية.
قوله: " صيغة (ما) تتناول كل ما ليس من العالمين ":
يريد أناه لا تختص بنوع من أنواع غير العالمين، بل يعبر بها عن كل نوع غير عالم؛ من الجماد والنبات والحيوان البهيم.
ثم قوله: " ما ليس من العالمين " عبارة فيها مسامحة؛ فإنها تقتضي أن يكون موضوعا لكليهم؛ لاجل قوله: (كل) وليس كذلك، بل هي موضوعة ليعبر بها عن المتصف بصلتها، أو صفتها خاصة، فاذا قلت:" رايت ما اعجبني " اختص ذلك بمن يعجبك خاصة، أو " رأيت ما في الدار " اختص بمن في الدار.
ويرد عليه السؤال السابق؛ وهو أنها إذا كانت موضوعة للموصوف بصلتها، أو خبرها فقط، يكون مدلولها حينئذ اخص من غير العاقل، فإن الموصوف بالصفة الخاصة اخص من مطلق غير العالم، واللفظ الموضوع للاخص لا يلزم ان يكون موضوعا للاعم؛ كالانسان موضوع لما هو اخص من الحيوان، فلا يكون دالا على الحيوان بالمطابقة؛ بل بالتضمن، وبالجملة: السؤال يطرد في هذه المواطن كلها.
(سؤال)
لم يذكر هاهنا الشرط، والاستفهام، كما ذكر في غيره
؛ وحينئذ يرد عليه أن (ما) يكون نكرة موصوفة؛ كقوله: " مررت بما معجب لك "،
أي: شيء معجب لك، ونكرة غير موصوفة؛ كقوله تعالى:{إن تبدوا الصدقات فنعما هي} [البقرة: 271] أي: فنعم شيئا هي.
وعلى التقديرين لا يتناول الافراد؛ فلا يكون للعموم، وهو إنما يتكلم في صيغ العموم؛ فينبغي أن يقيدها.
قوله: " وقيل: إنها تتناول العالمين؛ كقوله تعالى: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} [الكافرون: 4].
تقريره: أن تقدير الكلام، ولا انتم عابدون الذي أعبده، ومعبوده هو الله تعالى، وهو بكل شيء عليم.
وأجيب عنه بأن (ما) هاهنا مصدرية.
تقديره: " ولا أنتم عابدون عبادتي " فما عبر بها غلا عن ما لا يعلم؛ لأن العبادة لا تعلم، وكذلك أجابوا عن قوله تعالى:{ونفس وما سواها} [الشمس: 7] بأنها مصدرية، اي: وتسويتها، غير أنه: يشكل عليهم عود الضمير على (ما) في قوله تعالى: {فألهمها فجورها وتقواها} [الشمس: 8] و (ما) المصدرية حرف لا يعود عليه الضمائر، والتزم بعضهم صحة عود الضمير على المصدر وهو شاذ.
ومما أول أيضا قوله تعالى: {وما خلق الذكر والأنثى} [الليل: 3].
فقيل: مصدرية: تقديره: وخلق الذكر والأنثى، ومما عسر تأويله: قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3](والنساء) يعقلن، وكذلك قوله تعالى:{ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} وآدم عليه السلام من ساداات أولي العلم؛ فلذلك قال جماعة من النحاة: " إنها يعبر بها عن نوع من يعقل؛ نحو: (لما خلقت بيدي) وعن صفة من يعقل؛ نحو: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ، أي:
الطيبات، ولا يعبر بها عن شخص من يعقل، لا يقال:" جاءني ما عندك " تريد زيدا، وبهذا التفصيل يمكن الجمع بين الآيات والاستعمالات العربية.
قوله: " متى مختصة بالزمان
…
".
قال أبو عمرو بن الحاجب في شرح (المفصل): (متى) موضوعة للسؤال عن الزمان المبهم، لا للزان كيف كان، فلا تقول:" متى زالت الشمس فائتني " بل إذا زالت الشمس، وتقول:" متى جاء زيد فائتني " لأن زمن مجيئه مبهم غير معلوم، بهذا يرد سؤال على صاحب الكتاب، حيث لم يقيد، كما قيد أبو عمرو وغيره.
قوله: " وأين، و (حيث) مختصان بالمكان "
نقل النحاة في حيث ست لغات: الضم، والفتح، والكسر في الثاء الأخيرة مع الياء في الوسط، والثلاثة أيضا مع الواو بدل الياء؛ فتصير ستة قوله:(وأما) الاسم الذي يفيد العموم لأجل أنه اقترن به ما جعله للعموم
…
".
قلنا: جعله (القسم) الأول يفيد العموم بنفسه، وهذا القسم إنما يفيد العموم لأجل ما دل عليه - مشكل؛ من جهة أن القسم الأول ايضا، لابد فيه من كلمات تدخل عليه، ففي (من) و (ما): الصلة والخبر، وفي (كل) و (جميع): الإضافة، وفي (متى) و (حيث) و (أين): الإضافة.
فول قلت: (حيث) أو (أين) ولم تضفه بشيء، لم يعد عموما.
قوله: يفيد العموم في الثبوت (لام الجنس) الداخلة على الجمع.
عليه ثلاثة أسئلة:
الأول: أنه جعله خاصا بالثبوت، وليس كذلك، بل يفيد العموم في النفي؛ كقوله تعالى:{ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221]
وقوله تعالى: {فغن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} [التوبة: 96] فيعم كل مشركة، وكل فاسق.
الثاني: تخصيصه بـ (لام الجنس) يقتضي أن تكون (اللام) الداخلة على الصفات والمشتقات، لا تفيد العموم، وليس كذلك؛ بل تفيدها؛ لقوله تعالى:{إن المصدقين والمصدقات} [الحديد: 18] بل كان ينبغي أن يقول: (لام التعريف) كيف كان، للعموم؛ فإن أسماء الأجناس عنده لا يدخلها المشتقات.
ولذلك قال: " المجاز إنما يدخل دخولا أوليا في أسماء الأجناس دون المشتقات، والأعلام، والحروف ".
الثالث: تخصيصه بالجمع يقتضي أنها إذا دخلت على التثنية، والفرد، لا تكون للعموم؛ غير أنه قد ادعى أنها في الفرد ليست للعموم بعد هذا، (فهو) مبني على مذهبه، بقيت التثنية لم تندرج؛ مع أنها كالجمع. قوله:" والمفيد للعموم على البدل النكرات؛ على اختلاف مراتبها في العموم والخصوص ".
يريد العموم والخصوص، في المعنى، لا في اللفظ؛ فإن التقدير: أنها لا تفيد العموم اللفظي؛ فلم يبق إلا المعنوي، فإن (إنسان) اخص من (حيوان) و (حيوان) أخص من (جسم)، وعلى هذا الترتيب في العموم والخصوص المعنوي.
ويريد بقوله: (تفيد على البدل) اي: تقبل هذا بدلا عن دال، ولا يلزم الجمع بين فردين من ذلك الجنس؛ لقوله تعالى:{فتحرير رقبة} [المائدة: 87].
قوله: " والإضافة؛ كقوله: (ضربت عبيدي):
تقريره: أن الإضافة توجب التعميم في المضاف الذي هو الأول، (سواء) كان جمعا أو مفردا؛ لقوله عليه السلام:" هو الطهور ماؤه الحل ميتته ".
والماء، والميتة مفردان مضافان، وحصل العموم بهما.
قوله: " يقال للذي يفيد العموم عرفا؛ كقوله تعالى: " حرمت عليكم أمهاتكم " [النساء: 23] فإنه يفيد في العرف تحريم جميع وجوه الاستمتاع ".
تقريره: أن هذا من المركبات التي نقلها العرف عن الموضوعات اللغوية، وقد تقدم في الحقيقة العرفية: أن أهل العرف كما ينقلون المفردات، نحو (الدابة) و (الغائط) فلذلك ينقلون المركبات، وهذا منها؛ فإن هذه الصيغة تقتضي بمعنى اللغة العموم في تحريم الأمهات، فنقله العرف للعموم في تحريم أنواع الاستمتاع، ولو لم ينقله أهل العرف، لكنا نقدر مضافا محذوفا، تقديره:" عليكم استمتاع أمهاتكم ".
ولكنا بعد نقل العرف لا نقدر ذلك؛ لأن اللفظ يدل على تحريم الاستمتاع بالمطابقة من جهة الوضع العرفي، واعلم أن دلالة العرف، ونقله لهذه الألفاظ المركبة - لا يختص بصيغ العموم، بل في المفرد المعين أيضا، ممنوع في العرف، فلو قلت:" حرمت عليك هذه الميتة، أو هذه الأم " لكان هذا اللفظ أيضا ممنوعا في العرف؛ لتحريم المنافع المقصودة من تلك العين، والمنقول هو هذا المجموع المركب دون مفرديه.
فلو قلت: (الأمهات) وسكت، لم يكن فيه نقل عرفي.
ولو قلت: (حرمت) ولم تذكر الأمهات، لم يكن فيه نقل عرفي نبل النقل العرفي إنما وجد في اللفظ المركب هاهنا.
ولو قلت: " حرمت عليكم الأفعال الخبيثة، أو المشتملة على المفاسد،