الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تختص بمرتبة الأعداد، صدق حده فيها، وصدقت هي على أي مرتبة كانت من العدد؛ لأن الموضوع الذي لا يختص بهو أعم من الذي يختص، والأعم لا يستلزم الأخص؛ فلم تسلم هذه الصيغة مرتبة معينة، فتصدق حينئذ باثنين، فرد عليه؛ لاندراجها في حده، وجميع ما ذكر من الحدود والتقاسيم في ضبط صيغ العموم لا يكاد يستقيم منها شيء، فيبقى التعويل على ما تقدم من ضبطها بأنها " الموضوعة للقدر المشترك بقيد يتبعه بحكمه في جميع محاله كلها " فلا يرد شيء من هذه الأسئلة.
(تنبيه)
زاد تاج الدين، فقال: " اللفظ الدال على الماهية من حيث هي هي: (هو) المطلق
، والدال عليها مع وحدة معينة:(هو) المعرفة، ومع وحدة غير معينة: هو النكرة، ومع وحدات معدوده - هو اسم العدد، ومع كل جزئياتها: هو العام ":
قلت: قوله: " مع وحدة معينة: هو المعرفة " لا يتجه؛ لأن المعين إن أريد به المعين بالشخص، فليس في المعارف ما وضع لشخص إلا العلم؛ على ما تقرر (في) تقسيمات الألفاظ إلى الجزئي والكلي، وذكر أن المضمر موضوع لجزئي، وجرى ذلك هنالك، وإن أراد بالتعيين التعيين بالنوع، أو الجنس، أو الصفة - أشكل بالنكرات كلها، فإنها معينة أنواعها، وأجناسها كقولك:" إنسان، فرس، ظبي " إنما يتناول حقيقة معينة بنوعها.
وقوله: " إن كان للماهية بوحدة غر معينة " ففرق بين المطلق والنكرة؛ وهذا غير معول في اصطلاح النحاة والأصوليين، فإن (رقبة) مطلق إجماعا، ونكرة عند مجموع النحاة، وكذلك (رجل) نكرة، وهو مطلق، وعلى رأيه تكون النكرة أخص من المطلق، فكل نكرة يصدق عليها الإطلاق
بوجود الماهية من حيث هي هي، ولا ينعكس؛ إذ لا يلزم من الماهية من حيث هي هي - وجود الماهية بقيد وحدة غير معينة، وبالجملة فهذا الفرق الذي أشار إليه لا يساعد عليه الاصطلاحات.
وقوله: " ومع وحدات معدودة: هو اسم العدد ".
يشكل عليه بالجموع كلها؛ فإن الأفراد المندرجة تحتها متعددة، وأنه تعالى يعلم عددها، وكذلك يعلمها البشر؛ فإن الإنسان غذا قال:" رايت رجالا " فهو يعلم عدد من لقي.
وإ قلنا: الجمع المكسر لا يتناول إا اثنين أو ثلاثة، والدلالة مفقودة فيما عدا ذلك، فهذه الثلاث وحدات معدولة، وليست اسم عدد، ثم يرد عليه ما ورد على المصنف: من أن لفظ العدد لم يوضع للماهية، مع قيد العدد، ولا للكثرة، بل لمرتبة معينة من الكثرة دون المتكثر فقط.
وقوله: " ومع كل جزئياتها: هو العام العام ": في كل لفظ ما يعلمه من السؤال.
إن أراد به الكلية صح، أو الكل من حيث هو كل، لا يصح؛ لتعذر الاستدلال به في النفي والنهي؛ كما تقدم، ولما كان لفظه مترددا بين الجنسين، لم يصح لدخول ما لا يكون عاما في ضابط العام.
وزاد التبريزي فقال: " اللفظ الدال على الماهية من حيث هي هي: هو المطلق، ويسمى مفهومه كليا، والدال بوصف الكثرة، إن لم ينحصر، فهو العام، وإن انحصر: فهو الجمع المنكر، والدال عليها بوصف الوحدة: ÷والعلم، واسم الغشارة، وما في معناه، وإن كانت ذهنية: فهي المطلق عند الفقهاء، ويخصون الأول باسم الجنس، وأما الدال على نفس الكثرة، فإن
أشعر بكمية: فهو اسم العدد، وإلا: فهو على الأقسام المذكورة، فإن الكثرة: معنى من المعاني تلحقها الكثرة والوحدة، وكذلك الوحدة ".
قلت: ما على تفسير العام قد تقدم.
وقوله: " إن انحصر: فهو الجمع المنكر ": إشارة إلى ما تقدم: أن مدلول الجمع الاثنان أو الثلاثة؛ على الخلاف، فمدلولها محصور.
وقوله: " الدال على الماهية بالوحدة المعينة: هو العلم " صحيح.
وقوله: " واسم الإشارة، وما في معناه " غير متجه؛ لأن اسم الإشارة، لو كان موضوعا لمعين، كالسلم، لما صدق على شخص آخر إلا بوضع آخر، لكنه يصدق على ما لا يتناهى، فدل على أنه موضوع لمفهوم المشار إليه، الذي هو مفهوم مشترك كلي، وكذلك صدق على ما لا يتناهى من المحال، وكذلك المضمارت، وجميع المعارف غير العلم، وقد تقدم بسطه في تقسيم الجزئي والكلي.
وقوله: " وإن كانت ذهنية، فهو المطلق عند الفقهاء ".
يشير إلى ان المطلق وضع للمفهوم الكلي القابل للكثرة والوحدة، وهذا القابل هو صورة ذهنية؛ فإن الواقع في الخارج، إن كان واحدا، استحالت الكثرة عليه، أو كثيرا استحالت الوحدة عليه؛ من حيث هو كثير، فالقابل للأمرين إنما هو في الذهن، والصورة الذهنية واحدة مشخصة، وفرد من افراد تصورات تلك الماهية، وقد تقدم بسطه في علم الجنس عند تقسيمات الألفاظ، وهو يشير إلى أن اللفظ إنما وضع للصورة الذهنية؛ فعلى هذا اللفظ المطلق مدلوله صورة متوحدة ذهنا.
وقوله: (عند الفقهاء): احتراز من اصطلاح اللغة؛ فإن المطلق لغة إنما هو الذي ليس له قيد حقيقي، ثم استعير لعدم القيود المعنوية في اصطلاح
الفقهاء؛ فهو مجاز راجح، وحقيقة عرفية عند الفقهاء، والأصوليون معهم في ذلك، لكنه خصص الفقهاء بالذكر؛ لأنهم أكثر استعمالا لهذا اللفظ من الأصوليين؛ لتكرره في أعيان المسائل عندهم.
وقوله: " ويخصون الأول باسم الجنس ": يريدون المطلق الكلي.
وقوله: " وأما الدال على نفس الكثرة ": أخرج بعبارته هذه ما ورد على الجماعة من أن لفظ العدد، لم يوضع لعدد مع المعدود، بل للعدد فقط، فأشار هو لذلك؛ فقال:" لنفس الكثرة " من غير اعتبار الماهية المعدود.
وقوله: " إن أشعر بكمية، فهو اسم العدد ": يعني أن العدد في الاصطلاح عند المتحدثين على كليات الأجناس يسمى: (الكم) فالكم العدد، وكذلك الكمية، وتشدد الميم وتخفف، وكذلك الياء لغتان في كمية، وأصله لفظ كم (الشيء) التي تقول العرب فيها: كم عندك درهما؟ فلما كانت (كم) يسأل بها عن الأعداد، اشتق للعدد اسم منها (كم) و (كمية).
وقوله: " وإلا فهو على الأقسام ":
يريد أن هذه الماهية، التي هي الكمية، قد توضع لمفرد منها معين في الخارج؛ فيكون عاما، أو معينا ذهنا؛ فيكون مطلقا، ولعدد محصور؛ فيكون جمعا للعدد، أو غير محصور؛ فيكون لفظا عاما في العدد.
***
المسألة الرابعة
قال الرازي: اختلف الناس في صيغة (كل) و (جميع) و (أي) و (ما) و (من) في المجازة، والاستفهام:
فذهبت المعتزلة، وجماعة من القهاء: غلى أنها للعموم فقط، وهو المختار، وانكرت الواقفية ذلك، ولهم قولان:
فالأكثرون ذهبوا: إلى أنها مشتركه بين العموم والخصوص.
والأقلون قالوا: لا ندري أنها حقيقة في العموم فقط؛ أو الخصوص فقط، أو الاشتراك فقط، والكلام في هذه المسألة مرتب على فصول خمسة:
الفصل الأول
في أن: (من) و (ما) و (أين) و (متى) في الاستفهام - للعموم فنقول: هذه الصيغ: إما أن تكون للعموم فقط، او للخصوص فقط، أو لهما؛ على سبيل الاشتراك، أو لا لواحد منهما، والكل باطل إلا الأول.
أما أنه لا يجوز أن يقال: إنها موضوعة للخصوص فقط: فلأنه لو كان كذلك، لما حسن من المجيب أن يجيب بذكر كل العقلاء؛ لأن الواجب يجب أن يكون مطابقا للسؤال، لكن لا نزاع في حسن ذلك.
وأما أنه لا يجوز القول بالاشتراك؛ فلأنه لو كان كذلك، لما حسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة، مثل أنه إذا قيل: من عندك؟ فلا بد ان تقول: تسألني عن الرجال، أو عن النساء؟ فإذا قال:(عن الرجال)
فلا بد أن تقول: تسألني عن العرب، أو عن العجم؟ فإذا قال:(عن العرب)
فلا بد ان تقول: تسالني عن ربيعة، أو عن مضر؟ وهلم جرا، إلى ان تأتي على جميع التقسيمات الممكنة؛ وذلك لأن اللفظ: غما أن يقال: إنه مشترك بين الاستغراق، وبين مرتبة معينة في الخصوص، او بين الاستغراق، وبين جميع المراتب الممكنة؛ والأول باطل؛ لأن أحدا لم يقل به. والثاني يقتضي الا يحسن من المجيب ذكر الجواب، إلا بعد الاستفهام عن كل تلك الأقسام؛ لأن الجواب لابد وأن يكون مطابقا للسؤال، فإذا كان السؤال محتملا لأمور كثيرة، فلو أجاب قبل أن يعرف ما عنه وقع السؤال، لاحتمل ألا يكون الجواب مطابقا للسؤال؛ وذلك غير جائز.
فثبت أنه لو صح الاشتراك، لو جبت هذه الاستفهامات، لكنها غير واجبة: أما أولا؛ فلأنه لا عام إلا وتحته عام آخر، وإذا كان كذلك، كانت التقسيمات الممكنة غير متناهية، والسؤال عنها؛ على سبيل التفصيل، محال.
وأما ثانيا؛ فلأنا نعلم بالضرورة من عادة أهل اللسان؛ أنهم يستقبحون مثل هذه الاستفهامات.
وأما أنه لا يجوز أن تكون هذه الصيغة غير موضوعة لا للعموم، ولا للخصوص، فمتفق عليه، فبطلت هذه الأقسام الثلاثة، ولم ييبق إلا القسم الأول؛ وهو الحق.
فإن قيل: لا نسلم أنها غير موضوعة للخصوص.
قوله: " لو كان كذلك، لما حسن الجواب بذكر الكل ".
قلنا: متى إذا وجدت مع اللفظ قرينة تجعله للخصوص، أو إذا لم توجد الأول ممنوع، والثاني مسلم.
بيانه: أن من الجائز أن تكون هذه الصيغة موضوعة للخصوص؛ إلا أنه قد يقترن بها من القرائن ما يصير المجموع للعموم؛ لجواز أن يكون حكم المركب مخالفا لحكم المفرد.
سلمنا ذلك؛ فلم لا يكون مشتركا؟
قوله: " لو كان كذلك، لوجبت الاستفهامات "
قلنا: لم لا يجوز أن يقال: هذه اللفظة لا تنفك عن قرينه دالة على المراد بعينه؟ فلا جرم لا يحتاج إلى تلك الاستفهامات.
سلمنا إمكان خلوه عن تلك القرينة؛ لكن متى يقبح الجواب بذكر الكل؟ إذا كان ذكر الكل مفيدا لما هو الملطلوب بالسؤال؛ على كل التقديرات، أو إذا لم يكن؟
الأول ممنوع، والثاني مسلم.
بيانه: أن السؤال: إما أن يكون قد وقع عن الكل، أو عن البعض
فإن وقع عن الكل، كان ذكر الكل هو الواجب؟
وإن وقع عن البعض، فذكر الكل يأتي على ذلك البعض؛ فيكون ذكر الكل مفيدا لحصول المقصود؛ على كل التقديرات، وذكر البعض ليس كذلك فكان ذكر الكل أولى.
سلمنا أن الاشتراك يوجب تلك الاستفهامات؛ لكن لا نسلم أنها لا تحسن؛ ألا ترى أنه إذا قيل (له): من عندك؟ حسن منه أن يقول: اعن الرجال تسألني، أم عن النساء؟ أعن الأحرار، أم عن العبيد؟ غاية ما في الباب أن يقال.
الاستفهام عن كل الأقسام الممكنة غير جائز؛ لكنا نقول: ليس الاستدلال بقبح بعض تلك الاستفهامات على عدم الاشتراك - أولى من الاستدلال بحسن بعضها على الاشتراك؛ وعليكم الترجيح.
سلمنا أن ما ذكرتم يدل على قولكم؛ لكنه معارض بأن هذه الصيغ، لو كانت للعموم فقط، لما حسن الجواب إلا بقوله: لا (أو) نعم؛ لأن قوله: من عندك؟ تقديره: أكل الناس عندك؟ ومعلوم أن ذلك لا يجاب إلا بـ (لا) أو بـ (نعم) فكذلك هاهنا.
والجواب: قوله: " الصيغة، وإن كانت حقيقة في الخصوص؛ لكن لم لا يجوز أن يقترن بها ما يصير المجموع للعموم؟ ".
قلنا: لثلاثة أوجه:
الأول: أن هذا يقتضي، أنه لو لم توجد تلك القرينة - ألا يحسن الجواب بذكر الكل.
ونحن نعلم بالضرورة من عادة أهل اللغة حسن ذلك، سواء وجدت قرينة أخرى، أم لم توجد.
الثاني: أن هذه القرينة لابد، وان تكون معلومة للسامع والمجيب معا؛ لأنه يستحيل أن تكون تلك القرينة طريقا إلى العلم بكون هذه الصيغة للعموم، مع أنا لا نعرف تلك القرينة.
ثم تلك القرينة: إما أن تكون لفظا، أو غيره. والأول باطل؛ لأنه إذا قيل لنا: من عندك؟ حسن منا أن نجيب بذكر كل من عندنا، وإن لم نسمع من السائل لفظة أخرى.
والثاني باطل أيضا؛ لأنا لا نعقل قسما آخر وراء اللفظ يدل على مقصود المتكلم إلا الغشارة، وما يجري مجراها؛ من تحريك العين والرأس، وغيرهما.
وكل ذلك مما لا يطلع الأعمى عليه، مع أنه يحسن منه أن يجيب بذكر الكل.
الثالث: أن من كتب إلى غيره؛ فقال: من عندك؟ حسن منه الجواب بذكر الكل، مع أنه لم يوجد في الكتبة شيء من القرائن.
وبهذه الوجوه؛ خرج الجواب أيضا عن قوله: إنما لم يحسن الاستفهام عن جميع الأقسام؛ لأن اللفظ لا ينفك عن القرينة الدالة، وأيضا: فقد انعقد الإجماع على أن اللفظ المشترك يجوز خلوه عن جميع القرائن المعينة.
قوله: " إنما حسن الجواب بذكر الكل؛ لأن المقصود حاصل على كل التقديرات ".
قلنا: يلزم منه لو قال: من عندك من الرجال؟ - أن يحسن منه ذكر النساء مع الرجال؛ لأن تخصيص الرجال بالسؤال عنهم، لا يدل على أنه لا حاجة به إلى السؤال عن النساء، فلما لم يحسن في هذا فكذا فيما ذكرتموه.
وأيضا: فكا أنه يحتمل أن يكون غرضه من السؤال ذكر الكل، أمكن أن يكون غرضه السؤال عن البعض، مع السكوت عن الباقين.
قوله: " قد يحسن الاستفهام عن بعض الأقسام، فليس الاستدلال بقبح البعض على نفي الاشتراك أولى من الاستدلال بحسن البعض على ثبوت الاشتراك ".
قلنا: قد ذكرنا أنه ليس في الأمه أحد يقول بأن هذه الصيغ مخصوصة ببعض مراتب الخصوص، دون البعض، فلو كانت حقيقة في الخصوص،