الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويقضي العقل أن حركة الإصبع متقدمة على حركة الخاتم بالذات؛ لأن كل علة فهي متقدمة على معلولها بالذات.
(تنبيه)
زاد سراج الدين فقال: في نكتة الإمام على المعتزلة لا امتناع في تناول الأمر زمن الإمكان
، ولو فرض وقوعه في ذلك الزمان كان مأمورا بالفعل، فلا خلاف، ثم ما ذكرتموه يقتضي ألا يذم تارك المأمور به أصلا لامتناع الذم قبل الأمر.
قلت: كل زمان يفرض فيه وقوع الفعل، ونقل التعلق قبله، فيفرض أيضا الإيقاع في كل زمان ينقل الإمكان إليه حتى لا يبقى من أزمنة الإمكان شيء.
ثم قوله: " يقتضي قولكم ألا يذم تارك المأمور به ".
قلنا: قد تقدم أن زمن الملابسة صفة التعلق لا شرط التعلق، وعلى هذا العصيان لا يتوقف على الملابسة، غير أن سراج الدين اختر بقول الإمام المتقدم قبل ذلك:" إعلام لا أمر " وقد تقدمت إليك تفسيره وتحقيقه، وأن قوله:(إعلام) أي: أن الأمر يلزمه خبر باستقحقاق العقاب على تقدير الترك، وبأنه يصير مأمورا عند الملابسة.
وقوله: (لا أمر) أي لا أمر بما قبل زمن الملابسة، كما إذا قال: أسرج الدابة عند الزوال، فهذا ليس أمرا بإسراج الدابة قبل الزوال كذلك هاهنا.
وقال التبريزي: وقال أصحابنا: الفعل حال وجوده مأمور به.
وقالت المعتزلة: غنما يكون مأمورا به قبله، وعند الوجود ينفك عنه التعلق، كما في الدوام.
وهذا نزاع في تعلق القدرة بالمقدور.
فعند الأشاعرة: الاستطاعة مع الفعل إذ لا بقاء مع الأعراض، فوقوع الفعل في الزمن الثاني من القدرة أثر بلا مؤثر، ومؤثر بلا أثر، وهو محال ز
وعند المعتزلة: زمان التعلق قبل زمان الوقوع، وتعلق الأمر يلزم تعلق القدرة.
قلت: وهذا أيضا حسن عن المسألة، أصلح من عبارة (المحصول).
وقوله: " الاستطاعة مع الفعل ".
يريد بالاستطاعة القدرة الحادثة، وهي عرض، والعرض لايبقي زمانين، وفلو تقدمت وقع الأمر بعدها بلا قدرة، أو تأخرت وقع الفعل قبلها بلا قدرة، فتعين المقارنة.
والمعتزلة يرون انتفاء الأعراض، فتبقى القدرة الكائنة قبل الفعل لزمان الفعل، ولا محال.
***
المسألة السادسة
قال الرازي: المأمور به، إذا كان مشروطا بشرط، فالآمر إما أن يكون غير عالم بعدم الشرط، أو لا يكون:
أما الأول: فكما إذا قال السيد لعبده: " صم غدا " فإن هذا مشروط ببقاء العبد غدا، وهو مجهول للآمر، فهاهنا: الأمر تحقق في الحال بشرط بقاء المأمور قادرا على الفعل.
وأما الثاني: فكما إذا علم الله تعالى أن زيدا سيموت غدا، فهل يصح أن يقال: إن الله تعالى أمره بالصوم غدا؛ بشرط أن يعيش غدا، مع أنه يعلم أنه لا يعيش غدا؟
قطع القاضي أبو بكر، والغزالي رحمهما الله تعالى به، وأباه جمهور المعتزلة.
حجة المنكرين: أن شرط الأمر بقاء المأمور؛ فالعالم بأن المأمور لا يبقى - عالم بفوات شرط الأمر؛ فاستحال مع ذلك حصول الأمر.
قال المجوزون: لا نزاع في أنه لا يجوز أن يقول للميت حال كونه ميتا: (افعل) لكن لم لا يجوز أن يقال في الحال، لمن يعلم أنه سيموت غدا:(افعل غدا، إن عشت) بل هو جائز لما فيه من المصالح الكثيرة؛ فإن المكلف قد يوطن النفس على الامتثال، ويكون ذلك التوطين نافعا له يوم المعاد، ونافعا له في الدنيا؛ لأنه ينحرف به في الحال عن الفساد.
وهذا كان أن السيد قد يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه، مع عزمه على
نسخ الأمر؛ امتحانا للعبد، وقد يقول الرجل لغيره:" وكلتك ببيع العبد غدا " مع علمه بأنه سيعزله عن ذلك غدا؛ لما أن غرضه منه استمالة الوكيل، أو امتحانه في أمر ذلك العبد.
ومأخذ النزاع في هذه المسألة أن المجوزين قالوا: الأمر تارة: يحسن لمصالح تنشأ من نفس الأمر، لا من المأمور به، وتارة: لمصالح تنشأ من المأمور به.
وأما المانعون، فقد اعتقدوا أن الأمر لا يحسن إلا لمصلحة تنشأ من المأمور به. وتمام تقريره سيظهر في مسألة أنه يجوز النسخ قبل مضي مدة الامتثال والله أعلم.
المسألة السادسة
المأمور به إذا كان مشروطا
قوله: " الأمر لا يحسن إلا لمصلحة ".
..........................................................
قال القرافي: ينشأ من الأمر دون المأمور، يقال: هذا كأمره تعالى إبراهيم عليه السلام بذبح إسحاق؛ فإن المصلحة كانت في الأمر فقط، وهي
إظهار المبالغة في طاعة الله تعالى، ويوفي بالإقبال على الامتثال، وذلك من أعظم أسباب القرب من الله تعالى، وأما ذبح إسحاق عليه السلام فلا مصلحة فيه، فلذلك نسخه الله تعالى لما حصلت مصلحة الأمر.
ومثال ما هو لمصلحة المأمور: الصلاة، فيها تعظيم الله تعالى، وكذلك جميع العبادات، وذبح الحيوان الخسيس لنفع الحيوان الشريف، وأكثر الشرائع من هذا القبيل، والأول قليل في الشرع والعادة.
(تنبيه)
غير التبريزي فقال: قال أصحابنا: المأمور يعلم كونه مأمورا قبل التمكن.
وقالت المعتزلة: لا يعلق إلا بعد التمكن.
وهو تنازع في تحقيق الأمر بالشرط في حق الله تعالى، وأجمعوا على تصوره في الشاهد، لكن الآمر يكون جاهلا بعقابة الشرط، والله تعالى يعلق من يدرك زمان التمكن لا يكون مأمورا لأن التمكن شرط، وقد علم الله تعالى انتفاءه، فحيث علم الله التمكن فلا شرط، وحيث علم عدم التمكن فلا أمر، فثبوت الأمر بالشرط في حق الله تعالى محال، والمكلف إذا توجه عليه الأمر بحكم ظاهر البقاء لا يدري أنه يبقى، فيكون مأمورا، أو لا يبقى فلا يكون مأمورا.
وقالت الأشاعرة: الأمر قائم بذات الآمر قبل تحقق الشرط متعلقا بالمأمور، والمأمور به، فإن لم يوجد الشرط لم يتبين عدم اللزوم والنفوذ؛ لأن الشرط ليس شرطا لقيام الأمر، بل لنفوذه بمثابة وصف التعلق.
فالمعتبر فيه جهل المأمور بحصول الشرط وعدمه، لا جهل الآمر، وهذا تقيرير حسن من التبريزي رحمه الله.
قال الغزالي في (المستصفى): الأمة مجمعة قبل ظهور المعتزلة أن الصبي إذا بلغ أن يعتقد أنه مأمور بشرائع الإسلام، منهي عن مناهيها، أو أن من عزم على التقرب بالمأمورات فتقرب، ولو عزم على فعل غير المأمور لا يكون متقاربا، وعلى لزوم الشرع في صوم رمضان.
وعلى أن من حبس المصلى، ومنعه من الصلاة آثم، فهذه الإجماعات حجاج عليهم، والأمر متعلق بكل واحد على تقدير وجوب الشرائع، كما يؤمر المعدوم.
قال سيف الدين في (الإحكام (: اختلف أصحابنا والمعتزلة في جواز دخول النيابة في المكلف به من الأفعال البدنية:
أثبته أصحابنا، ونفاه المعتزلة.
لنا: أن القائل لغيره: " أوجبت عليك خياطة الثوب، فإن خطته، أو استنبت فيه أثبتك، وإن تركت الأمرين عاقبتك " جائز معقول، فجاز وورد الشرع به، وقد وقع؛ لما روى " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شخصا يلبي عن شبرمة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " حج عن نفسك ثم حد عن شبرمة "، وهو نص في المسألة.