الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثاني
في الخصوص، وفيه مسائل:
قال الرازي:
المسألة الأولى: حد التخصيص
على مذهبنا: إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه.
وعند الواقفية: إخراج بعض ما صح أن يتناوله الخطاب، سواء كان الذي صح واقعا، أم لم يكن واقعا.
وأما قولنا: " العام المخصوص " فمعناه: أنه استعمل في بعض ما وضع له.
وعند الواقفية: أن المتكلم أراد به بعض ما يصلح له ذلك اللفظ دون البعض.
وأما الذي به يصير العام خاصا: فهو قصد المتكلم؛ لأنه إذا قصد بإطلاقه تعريف بعض ما تناوله اللفظ، أو بعض ما يصلح أن يتناوله؛ على اختلاف المذهبين فقد خصه.
وأما المخصص للعموم: فيقال على سبيل الحقيقة على شيء واحد، وهو إرادة صاحب الكلام؛ لأنها هي المؤثرة في إيقاع ذلك الكلام؛ لإفادة البعض؛ فإنه إذا جاز أن يرد الخطاب خاصا، وجاز أن يرد عاما، لم يترجح أحدهما على الآخر إلا بالإرادة.
ويقال: بالمجاز؛ على شيئين:
أحدهما: من أقام الدلالة على كون العام مخصوصا في ذاته.
وثانيهما: من اعتقد ذلك أو وصفه به، كان ذلك الاعتقاد حقا أو باطلا.
القسم الثاني في الخصوص، وفيه مسائل
قال القرافي: واشتقاقه من التخصيص ببعض ما يقبل ذلك المخصص به، ومنه خص السلطان فلانا بالعطايا.
(وفيه مسائل)
المسألة الأولى
في حد التخصيص
قوله: " هو إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه ".
قلنا: يندرج في هذا الاستثناء بإخراج بعض العام عنه بعد العمل به؛ فإنه نسخ لا تخصيص، وبإخراج بعض ما تناوله الخطاب بمفهومه؛ كقوله عليه السلام:" إنما الماء من الماء " مفهومه أن ما ليس بإنزال لا يجب منه غسل، وقد أخرج بعض هذا المفهوم قوله عليه السلام:" إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل "، بل ينبغي أن تقول: هو إخراج بعض ما يتناوله اللفظ بمنطوقه، أو مفهومه بلفظ لم يوضع بذاته للإخراج؛ احترازا من الاستثناء؛ فإن ألفاظه وضعت وضعا أولا؛ للإخراج، وجميع المخصصات ليست كذلك؛ لأن المخصص: إما منفصل: نحو نهيه عليه السلام عن حبل الحبلة ونحوه، فإنه لم يوضع في أصل وضعه للإخراج، وإن لزم عنه الإخراج في أنه البيع.
وإما متصل: وهو ثلاثة: الغاية، والشرط، والصفة، وهي لم توضع للإخراج.
أما الغاية: فوضعت لبيان النهاية لا للإخراج.
وأما الشرط: فللتعليق، وربط أمر بأمر.
والصفة: وضعت لبيان زيادة في المذكور لا لتنقيصه؛ بخلاف (إلا) ونحوها بما وضع للاستثناء، إنما وضع للإخراج والتنقيص مما تناوله اللفظ الأول.
وقولنا: " قبل تعذر حكمه ": أحتراز من أن يعمل بالعام؛ فإن الإخراج بعد ذلك يكون نسخا.
قوله: " وعند الواقفية: إخراج بعض ما صح أن يتناوله الخطاب ".
تقريره: أن الواقفية يجوز عدهم أن يراد العموم، ولا يجب ذلك في الوضع؛ لأنهم لا يعترفون بوضع الصيغة للعموم، وهذا من رحمة الله فيتجه إذا فسر الموقف بعد العلم بالوضع، وهو أحد القولين للأشعري.
أما عن القول بالاشتراك وبقية الأقوال، التي تقدمت حكايتها عن الواقفية، فلا يتأتى هذا؛ فإن الصيغة عندهم موضوعة للعموم والخصوص، والتوقف، إنما هو في الحمل لا في الوضع، فاللفظ عندهم متناول للجميع بالفعل وضعا ولغة.
قوله: " أما الذي يصير به اللفظ مخصوصا، فهو قصد المتكلم ما يتناوله، وهذا هو المخصوص حقيقة، وغيره مجاز ".
قلنا: حكى القاضي عبد الوهاب في (الملخص) في هذا قولين:
قيل: بالإرادة.
وقيل: بالدليل الدال على الإرادة، وهو الصحيح؛ لان ورود التخصيص على اللفظ العام لا يبطل دلالته على العموم؛ فإن الدلالة هي الإفهام عند التجرد، وهذا المعنى لا يبطل بالمخصص؛ فإن لفظ المشركين يفهم منه الآن المشرك الذمي وغيره، وإن كان الذمي قد خرج منه وقوله تعالى:{ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم} [الجن: 23] يفهم منه الآن العموم، وقد دخله التخصيص؛ إجماعا بالثابت وغيره، ممن يتفضل الله تعالى بالمغفرة عليه من غير توبه، فالمخصص حينئذ ليس مخرجا له عن الدلالة، ولا عن الإرادة، فإنه لم يرد قط بالحكم، ولا ثبوت الحكم في نفس الأمر؛ فإنه لم يثبت فيه، بل مخرج له عن ثبوت الحكم في اعتقادنا؛ لأنا قبل التخصيص نعتقد شمول الحكم، وبعد التخصيص لا نعتقد ذلك؛ فتعين الإخراج من اعتقادنا ليس غلا، وإذا كان الإخراج من الاعتقاد فقط، تعين أن يكون المخصص في الحقيقة غنما هو الدال على الإرادة، لا نفس الإرادة؛ فإن الغرادة أمر خفي لا يصرف اعتقادنا عن العموم.
فإن قلت: اللفظ العام، غذا أطلق فليس معه غرادة ثبوت الحكم، ولا غرادة عدمه، وذهل المتكلم عن ذلك ثبت الحكم في جميع الأفراد؛ بدليل الأيمان والنذور، وغير ذلك؛ غجماعا من القائلين بالعموم، فإذا وجدت غرادة المتكلم، اقتضت اختصاص الحكم ببعض الافراد [و] منع ذلك ثبوته في البعض الذي قصد إخراجه؛ فصارت الإرادة مخرجة له عما يستحقه بالوضع؛ فاللفظ يأتي بعد ذلك دليلا على ما في النفس؛ فالمخصص حقيقة إنما هو الإرادة [فقط].
قلت: هذا تقرير حسن غير أن على رأيكم: أن الإرادة مخرجة له عما يستحقه بالوضع، فهي مخرج له عما هو قائل به، وقد وجد سببه؛ فهو حاصل له بالقوة لا بالفعل.
وأما الإخراج عن الثبوت في الاعتقاد: فهو إخراج له عما هو ثابت له