الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فوجّه عمر حاتم بن النعمان الباهلى فقتل أولئك الترك، ولم يفلت منهم إلا اليسير، وقدم على عمر منهم بخمسين أسيرا.
وفيها عزل عمر يزيد بن المهلّب عن أعماله، ووجّه إلى البصرة عدى بن أرطاة الفزارى، وجعل على الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب العدوى، وضمّ إليه أبا الزّناد، واستعمل على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمى.
وحجّ بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان عامل المدينة، وكان العامل على مكة عبد العزيز بن [عبد الله بن خالد، وعلى الكوفة عبد الحميد]«1» ، وعلى القضاء بها [عامر الشعبى، وكان على البصرة عدىّ من أرطاة، وعلى القضاء «2» ] الحسن بن أبى الحسن البصرى، ثم استعفى عديّا فأعفاه، واستقضى إياس بن معاوية.
سنة مائة للهجرة:
ذكر خروج شوذب الخارجى
فى هذه السنة خرج شوذب واسمه بسطام من بنى يشكر فى جوخى وكان فى ثمانين رجلا، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد عامله بالكوفة ألّا يحرّكهم حتى يسفكوا الدّماء أو يفسدوا فى الأرض، فإن فعلوا وجّه إليهم رجلا صليبا حازما فى جند.
فبعث عبد الحميد محمد بن جرير بن عبد الله البجلى فى ألفين، وأمره أن يفعل ما كتب «3» به عمر، وكتب عمر إلى بسطام
يسأل «1» عن مخرجه، فقدم كتاب عمر عليه، وقد قدم [عليه]«2» محمد، فكان فى كتاب عمر: بلغنى أنك خرجت غضبا لله ولرسوله، ولست بذلك أولى منى، فهلم إلىّ أناظرك، فإن كان الحقّ بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان فى يدك نظرنا فى أمرك.
فكتب إليه «3» بسطام: قد أنصفت، وقد بعثت إليك برجلين يدارسانك ويناظرانك. وأرسل إليه مولى حبشيّا لبنى شيبان اسمه عاصم، ورجلا من بنى يشكر، فقدما على عمر بخناصرة «4» ، فقال لهما: ما أخرجكما هذا المخرج؟ وما الذى نقمتم؟ قال عاصم:
ما نقمنا سيرتك، إنك لتتحرّى العدل والإحسان، فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر؛ عن رضا من الناس ومشورة، أم ابتززتم «5» أمرهم؟ فقال عمر: ما سألتهم الولاية عليهم، ولا غلبتهم عليها، وعهد إلىّ رجل كان قبلى، فقمت، ولم ينكر علىّ أحد، ولم يكرهه غيركم، وأنتم ترون «6» الرّضا بكل من عدل وأنصف من كان من الناس، فأنزلونى «7» ذلك الرجل، فإن خالفت الحقّ وزغت «8» عنه فلا طاعة لى عليكم. قالا: بيننا وبينك أمر واحد. قال: ما هو؟ قالا: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك وسمّيتها مظالم، فإن كنت على هدى وهم على
ضلالة فالعنهم وابرأ منهم. فقال عمر: قد علمت أنكم لم تخرجوا طلبا للدنيا، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم طريقها، إنّ الله عز وجل لم يبعث رسوله لعّانا. وقال إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه «1» :
«فمن تبعنى فإنه منّى ومن عصانى فإنّك غفور رحيم» . وقال الله عز وجل «2» :
«أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ»
. وقد سميت أعمالهم ظلما، وكفى بذلك ذمّا ونقصا، وليس لعن أهل الذنوب فريضة لا بدّ منها، فإن قلتم إنها فريضة فأخبرنى متى لعنت فرعون؟ قال: ما أذكر متى لعنته. قال: أفيسعك ألّا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق وشرّهم، ولا يسعنى ألّا ألعن أهل بيتى وهم مصلّون صائمون؟
قال عاصم: أما هم كفّار بظلمهم؟ قال: لا، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى الإيمان، فكان من أقرّبه وبشرائعه قبل منه، فإن أحدث حدثا أقيم عليه الحد. فقال عاصم: إن رسول الله دعا الناس إلى توحيد الله تعالى والإقرار بما أنزل من عنده.
قال عمر: فليس أحد منهم يقول: لا أعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن القوم أسرفوا على أنفسهم على علمهم «3» أنه محرّم عليهم، ولكن غلب عليهم الشّقاء.
قال عاصم: فابرأ مما خالف عملك وردّ أحكامهم.
قال عمر: أخبرانى «4» عن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، أليسا على الحق؟ قالا: بلى. قال: أتعلمان أنّ أبا بكر حين قاتل أهل
الرّدّة سفك دماءهم، وسبى الذّرارى، وأخذ الأموال؟ قالا: نعم.
قال: أفتعلمان أن عمر رضى الله عنه ردّ السبايا بعده إلى عشائرهم بفدية؟ قالا: نعم. قال: فهل برئ عمر من أبى بكر؟ قالا: لا.
قال: أفتبرءون أنتم من واحد منهما؟ قالا: لا. قال: فأخبرانى عن أهل النّهروان وهم أسلافكم، هل تعلمان «1» أنّ أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دما، ولم يأخذوا مالا، وأن من خرج إليهم من أهل البصرة قتلوا عبد الله بن خبّاب وجاريته وهى حامل؟ قالا: نعم.
قال: فهل برى من لم يقتل ممّن قتل؟ قالا: لا. قال: أفتبرءون أنتم من إحدى الطائفتين؟ قالا: لا. قال: أفيسعكم أن تتولّوا أبا بكر وعمر وأهل الكوفة وأهل البصرة وقد علمتم اختلاف أعمالهم، ولا يسعنى إلا البراءة من أهل بيتى، والدّين واحد؟ فاتقوا الله، فإنكم جهّال تقبلون من الناس ما ردّ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتردّون عليهم ما قبل، ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده، فإنكم يخاف عندكم من يشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله، وكان من فعل ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن وحقن دمه وماله، وأنتم تقتلونه ويأمن عندكم سائر أهل الأديان، فتحرّمون دماءهم وأموالهم.
قال اليشكرى: أرأيت رجلا ولى قوما وأموالهم فعدل فيها ثم صيّرها بعده إلى رجل غير مأمون، أتراه أدّى الحقّ الذى يلزمه لله عز وجل، وتراه قد سلّم؟ قال عمر: لا. قال: أفتسلم هذا الأمر إلى يزيد من بعدك وأنت تعلم أنه لا يقوم فيه بالحقّ. قال: إنما ولّاه
غيرى، والمسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدى. قال: أفترى ذلك من صنع من ولّاه حقّا؟ فبكى عمر، وقال: أنظرانى ثلاثا «1» .
فخرجا من عنده ثم عادا إليه، فقال عاصم: أشهد أنك على حق.
فقال عمر لليشكرى: ما تقول أنت؟ قال: ما أحسن ما وصفت، ولكنى لا أفتات على المسلمين بأمر، أعرض عليهم ما قلت وأعلم ما حجّتهم. فأما عاصم فأقام عند عمر، فأمر له بالعطاء فتوفى بعد خمسة عشر يوما، فكان عمر يقول: أهلكنى أمر يزيد، وخصمت فيه، فأستغفر الله. فخاف بنو أمية أن يخرج ما بأيديهم وأن يخلع يزيد من ولاية العهد؛ فوضعوا على عمر من سقاه سمّا. فلم يلبث بعد ذلك إلّا ثلاثا حتى مرض ومات، رحمه الله تعالى.
هذا ومحمد بن جرير مقابل الخوارج لا يتعرض إليهم ولا يتعرّضون إليه، فلما مات عمر وولّى يزيد كان ما نذكره فى أخبار يزيد.
*** وفى هذه السنة عزل عمر يزيد بن المهلب عن خراسان وأحضره وطالبه بالمال الذى كان كتب به إلى سليمان واعتقله بحصن حلب، واستعمل على خراسان الجرّاح بن عبد الله الحكمى، ثم عزله؛ واستعمل عبد الرحمن بن نعيم القشيرى.
وفيها كان ابتداء خروج شيعة بنى العباس على ما نذكره فى أخبار الدولة العباسية إن شاء الله تعالى.
وفيها أمر عمر بن عبد العزيز أهل طرندة «2» بالقفول عنها إلى ملطية، وطرندة أوغل «3» فى البلاد الرّومية بثلاث