الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما يحب، فقال: أمّا الصّلة فللها شميين، وليس لنا منه إلا أن يلعن «1» عليّا، فبلغ خالدا كلامه، فقال: إن أحبّ نلنا عثمان بشىء؛ [يريد بشىء «2» ] من اللّعن أو السب، والله تعالى أعلم.
ذكر مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وشىء من أخباره
كان مقتله يوم الخميس الثامن والعشرين من جمادى الاخرة سنة [126 هـ] ست وعشرين ومائة.
وكان سبب ذلك ما قدّمناه من اشتهاره باللهو واللّعب والخلاعة، فلما ولى الخلافة ما زاد إلّا تماديا وإصرارا، واشتهر بمنادمة القيان وشرب النبيذ، فثقل ذلك على رعيّته وجنده، وكرهوه؛ فكان من أعظم ما جنى على نفسه إفساد بنى عمّيه: هشام، والوليد؛ فإنه أخذ سليمان بن هشام فضربه مائة سوط، وحلق رأسه ولحيته وغرّبه إلى عمّان من أرض الشام، فحبسه بها، فلم يزل محبوسا حتى قتل الوليد.
وأخذ جارية كانت لآل الوليد، فكلّمه عثمان بن الوليد فى ردّها، فقال: لا أردّها. فقال: إذن تكثر الصّواهل حول عسكرك، وحبس الأفقم يزيد بن هشام، وفرّق بين روح بن الوليد وبين امرأته، وحبس عدّة من ولد الوليد، فرماه بنو هاشم وبنو الوليد بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه، وقالوا: قد اتخذ مائة جامعة لبنى أمية، وكان أشد الناس عليه يزيد بن الوليد، وكان الناس إلى قوله أميل؛ لأنه كان يظهر النّسك ويتواضع.
وكان سعيد بن بيهس بن صهيب قد نهاه عن البيعة لابنيه الحكم وعثمان لصغرهما، فحبسه حتى مات، وفعل بخالد القسرى ما ذكرناه ففسدت عليه اليمانية وقضاعة، وهم أكثر جند الشام؛ وكان حريث وشبيب بن أبى مالك الغسّانى، ومنصور بن جمهور الكلبى؛ وابن عمه حبال ابن عمرو، ويعقوب بن عبد الرحمن، وحميد بن نصر اللّخمى، والأصبغ ابن ذؤالة والطّفيل «1» بن حارثة، والسرى بن زياد، أتوا خالد بن ابن عبد الله القسرى، فدعوه إلى أمرهم، فلم يجبهم، وأراد الوليد الحجّ، فخاف خالد أن يقتلوه، فنهاه عن الحج، فقال: ولم؟
فلم يخبره، فحبسه، وطالبه بأموال العراق ثم سلّمه إلى يوسف ابن عمر كما تقدم، فقال بعض أهل اليمن شعرا على لسان الوليد يحرّض عليه اليمانية.
وقيل: بل قاله الوليد يوبخ اليمن على ترك نصر خالد «2» :
ألم تهتج فتدكر «3» الوصالا
…
وحبلا كان متّصلا فزالا
بلى فالدّمع «4» منك إلى انسجام
…
كماء المزن ينسجل انسجالا
فدع عنك ادّكارك آل سعدى
…
فنحن الأكثرون حصى «5» ومالا
ونحن المالكون الناس قسرا
…
نسومهم المذلّة والنّكالا
وطئنا الأشعرى «1» بعزّ قيس
…
فيالك وطأة لن تستقالا
وهذا خالد فينا أسيرا «2»
…
ألا منعوه إن كانوا رجالا
عظيمهم وسيّدهم قديما
…
جعلنا المخزيات له ظلالا
فلو كانت قبائل ذات عزّ
…
لما ذهبت صنائعه ضلالا
ولا تركوه مسلوبا أسيرا
…
يعالج «3» من سلاسلنا الثّقالا
وكندة والسّكون فما استقاموا
…
ولا برحت خيولهم الرّحالا
بها سمنا «4» البريّة كلّ خسف
…
وهدّمنا السهولة والجبالا
ولكنّ الوقائع ضعضعتهم
…
وجذّتهم «5» وردّتهم شلالا
فما زالوا لنا أبدا عبيدا
…
نسومهم المذلّة والسفالا
فأصبحت الغداة علىّ تاج
…
لملك الناس لا يبغى «6» انتقالا
فعظم ذلك عليهم، وسعوا فى قتله، وازدادوا حنقا، وقال حمزة ابن بيض «7» فى الوليد:
وصلت سماء الضّرّ بالضّرّ بعد ما
…
زعمت سماء الذلّ «8» عنا ستقلع
فليت هشاما كان حيّا يسوسنا
…
وكنا كما كنّا نرجّى ونطمع
وقال أيضا «1» :
يا وليد الخنا «2» تركت الطّريقا
…
واضحا وارتكبت فجّا عميقا
وتماديت واعتديت وأسرف
…
ت وأغويت وانبعثت فسوقا
أبدا هات ثم هات وهاتى
…
ثم هاتى حتى تخرّ صعيقا
أنت سكران لا تفيق فماتر
…
تق فتقا إلّا فتقت «3» فتوقا
فأتت اليمانية يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة، فاستشار عمر بن زيد الحكمى، فقال له: لا يبايعك الناس على هذا، وشاور أخاك العباس؛ فإن بايعك لم يخالفك أحد، وإن أبى كان الناس له أطوع؛ فإن أبيت إلا المضىّ على رأيك فأظهر أنّ أخاك العباس قد بايعك.
وكان الشام وبيئا فخرجوا إلى البوادى، وكان العباس بالقسطل «4» ويزيد بالبادية أيضا، فأتى يزيد العباس فاستشاره فنهاه عن ذلك، فرجع وبايع الناس سرّا، وبثّ دعاته، فدعوا الناس، ثم عاود أخاه العباس أيضا فاستشاره ودعاه إلى نفسه، فزبره «5» ، وقال: إن عدت لمثل هذا لأشدّنّك وثاقا، ولأحملنّك إلى أمير المؤمنين.
فخرج من عنده، فقال العباس: إنّى لأظنّه أشأم مولود فى بنى مروان.
وبلغ الخبر مروان بن محمد بإرمينية. فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهى الناس ويكفّهم ويحذرهم الفتنة ويخوّفهم خروج الأمر عنهم. فأعظم سعيد ذلك، وبعث الكتاب إلى العباس بن الوليد، فاستدعى العباس يزيد وتهدّده؛ فكتمه يزيد أمره فصدّقه، وقال العباس لأخيه بشر بن الوليد: إنى أظنّ الله قد أذن فى هلاككم يا بنى أمية، ثم تمثل «1» :
إنى أعيذكم بالله من فتن
…
مثل الجبال تسامى ثم تندفع
إنّ البريّة قد ملّت سياستكم
…
فاستمسكوا بعمود الدّين وارتدعوا
لا تلحمنّ ذئاب الناس أنفسكم
…
إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا «2»
لا تبقرنّ بأيديكم بطونكمو
…
فثمّ لا حسرة تغنى ولا جزع
قال: فلما اجتمع ليزيد أمره وهو بالبادية أقبل إلى دمشق، وكان بينه وبينها أربع ليال، وجاء متنكرا فى سبعة نفر على حمير، فنزلوا بجرود- وهى على مرحلة من دمشق، ثم سار فدخل دمشق ليلا، وقد بايع له أكثر أهلها سرّا، وبايع أهل المزّة «3» ؛ وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج، فخرج منها للوباء، فنزل قطنا «4» ، واستخلف على دمشق ابنه، وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمى؛ فأجمع يزيد على الظّهور، فقيل للعامل:
إنّ يزيد «5» خارج فلم يصدّق، وراسل يزيد أصحابه بعد المغرب
ليلة الجمعة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذّن بالعشاء؛ فدخلوا المسجد فصلّوا، وللمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس منه بالليل، فلما صلّى الناس أخرجهم الحرس وتباطأ أصحاب يزيد حتى لم يبق فى المسجد غيرهم، فأخذوا الحرس، ومضى يزيد ابن عنبسة إلى يزيد بن الوليد، فأعلمه، وأخذ بيده، فقال: قم يا أمير المؤمنين، وأبشر بنصر الله وعونه. فقام، وأقبل فى اثنى عشر رجلا.
فلما كان عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلا من أصحابهم، ولقيهم زهاء مائتى رجل، فمضوا إلى المسجد فدخلوه وأتوا باب المقصورة فضربوه، وقالوا: رسل الوليد؛ ففتح لهم الباب خادم فدخلوا فأخذوا أبا العاج وهو سكران، وأخذوا خزّان بيت المال، وأرسل إلى كل من كان يحذره فأخذ وقبض محمد «1» بن عبيدة وهو على بعلبك، وأرسل إلى محمد بن عبد الملك بن الحجاج فأخذه، وكان بالمسجد سلاح كثير، فأخذوه.
فلما أصبحوا جاء أهل المزّة وتبايع الناس، وجاءت السكاسك، وأقبل أهل داريّا ويعقوب بن عمير بن هانىء العبسى «2» .
وأقبل عيسى بن شبيب التغلبى وأهل دومة وحرستا، وأقبل
حميد بن حبيب اللخمى «1» فى أهل دير مرّان «2» والأرزة وسطرا «3» وأقبل أهل جرش «4» وأهل الحديثة «5» وديرزكى «6» .
وأقبل ربعىّ بن هاشم «7» الحارثى فى الجماعة من بنى عذرة وسلامان، وأقبلت جهينة ومن والاهم.
ثم وجّه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد فى مائتى فارس ليأخذوا عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف من قصره، فأخذوه بأمان، وأصاب عبد الرحمن خرجين فى كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار، فقيل له: خذ أحد هذين الخرجين، فقال: لا تتحدث العرب عنى أنى أوّل من خان فى هذا الأمر.
ثم جهّز يزيد جيشا عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، وسيّرهم إلى الوليد. وكان يزيد لما ظهر بدمشق سار مولى للوليد إليه، وأعلمه الخبر وهو بالأغدف من عمان، فضربه الوليد وحبسه، وسيّر أبا محمد عبد الله بن يزيد بن معاوية إلى دمشق، فسار بعض الطريق، وأقام فأرسل إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد، فبايع يزيد.
ولما أتى الخبر الوليد قال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية:
سر حتى تنزل حمص، فإنها حصينة، ووجّه الخيول إلى يزيد فيقتل أو يؤسر.
فقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص: ما ينبغى للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل، والله»
يؤيّد أمير المؤمنين بنصره «2» .
فأخذ بقول ابن عنبسة، وسار حتى أتى البخراء «3» - قصر النعمان بن بشير، وسار معه من ولد الضحاك بن قيس أربعون رجلا، فقالوا له: ليس لنا سلاح، فلو أمرت لنا بسلاح! فلم يعطهم شيئا، ونازله عبد العزيز.
وكتب العباس بن الوليد بن عبد الملك إلى الوليد: إنى آتيك.
فأخرج الوليد سريرا وجلس عليه ينتظر العبّاس، فقاتلهم عبد العزيز، ومعه منصور بن جمهور، فبعث إليهم عبد العزيز زياد بن حصين الكلبى، يدعوهم إلى كتاب الله وسنّة نبيه، فقتله أصحاب الوليد واقتتلوا قتالا شديدا.
وكان الوليد قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذى كان قد عقده بالجابية.
وبلغ عبد العزيز مسير العباس إلى الوليد، فأرسل منصور بن
جمهور إلى طريقه، فأخذه قهرا، وأتى به عبد العزيز، فقال له:
بايع لأخيك يزيد، فبايع، ووقف ونصبوا راية، فقالوا: هذه راية العباس [قد بايع لأمير المؤمنين يزيد، فقال العباس]«1» :
إنا لله! خدعة من خدع الشيطان، هلك والله بنو مروان.
فتفرّق الناس عن الوليد، وأتوا العباس وعبد العزيز، وأرسل الوليد إلى عبد العزيز يبذل له خمسين ألف دينار وولاية حمص ما بقى، ويؤمّنه من كل حدث، على أن ينصرف عن قتاله، فأبى ولم يجبه، فظاهر الوليد من درعين، وأتوه بفرسيه «2» : السندى، والزائد «3» ، فقاتلهم قتالا شديدا، فناداهم رجل: اقتلوا عدوّ الله قتلة قوم لوط، ارجموه بالحجارة، فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق عليه الباب، وقال «4» :
دعوا لى سليمى «5» والطّلاء وقينة
…
وكأسا، ألا حسبى بذلك مالا
إذا ما صفا عيشى «6» برملة عالج
…
وعانقت سلمى لا أريد بدالا
خذوا ملككم لا ثبّت الله ملككم
…
ثباتا يساوى «7» ما حييت عقالا
وخلّوا عنانى قبل عير «8» وما جرى
…
ولا تحسدونى أن أموت هزالا
قال: وأحاط عبد العزيز بالقصر، فدنا الوليد من الباب، فقال: أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلّمه! قال يزيد ابن عنبسة السكسكى: كلّمنى. قال: يا أخا السّكاسك، ألم أزد فى أعطياتكم! ألم أرفع المؤن عنكم! ألم أعط فقراءكم؛ ألم أخدم زمناكم؟ فقال: إنا ما ننقم عليك فى أنفسنا، إنما ننقم عليك فيما حرّم الله، وشرب الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله.
قال: حسبك يا أخا السكاسك، فلعمرى لقد أكثرت، وإن فيما أحلّ الله سعة عما ذكرت.
ورجع وجلس، وأخذ مصحفا، ونشره يقرأ فيه، وقال:
يوم كيوم عثمان. فصعدوا على الحائط، وكان أول من علاه يزيد ابن عنبسة، فنزل إليه، وأخذ بيده، وهو يريد أن يحبسه، ويؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة؛ فيهم: منصور بن جمهور، وعبد السلام اللخمى، فضربه عبد السلام على رأسه، وضربه السرىّ «1» بن زياد بن أبى كبشة على وجهه، واحتزّوا رأسه، وبعثوا به إلى يزيد، فأتاه الرأس وهو يتغدى، فسجد وأمر بنصب الرأس. فقال له يزيد بن فروة مولى بنى مرّة: إنما تنصب رءوس الخوارج؛ وهذا رأس ابن عمك وخليفة، ولا آمن إن نصبته أن ترقّ له قلوب الناس، ويغضب له أهل بيته.
فلم يسمع منه، ونصبه على رمح، وطاف به دمشق؛ ثم أمر به أن يدفع إلى أخيه سليمان بن يزيد، فلما نظر إليه سليمان قال:
بعدا له! أشهد أنه كان شروبا للخمر ماجنا فاسقا، ولقد أرادنى على نفسى الفاسق- وكان سليمان ممّن سعى فى أمره.
وحكى يزيد بن عنبسة ليزيد بن الوليد أنّ الوليد قال فى آخر كلامه: والله لا يرتق فتقكم، ولا يلم شعثكم، ولا تجتمع كلمتكم.
وكانت مدة خلافة الوليد سنة وشهرين واثنين وعشرين يوما.
وكان عمره اثنتين وأربعين سنة. وقيل: قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة.
وقيل: إحدى وأربعين.
وقيل: ست وأربعين سنة. والله أعلم.
وكان الوليد من فتيان بنى أمية وظرفائهم وشجعانهم، وأجوادهم، جيّد الشّعر، له أشعار حسنة فى الغزل والعتاب ووصف الخمر وغير ذلك، إلا أنه كان كثير الانهماك فى اللهو والشّرب وسماع الغناء.
ومن كلامه: المحبة للغناء تزيد الشهوة، وتهدم المروءة، وتنوب عن الخمر، وتفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بدّ فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء رقية الزنى، وإنى لأقول ذلك على أنه أحب إلىّ من كل لذة، وأشهى إلى نفسى من الماء إلى ذى الغلّة، ولكن الحقّ أحقّ أن يتّبع.
ومما اشتهر عنه أنه استفتح المصحف الكريم، فخرج له قوله
تعالى «1» : «وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ»
. فألقاه ونصبه غرضا، ورماه بالسهام، وقال «2» :
تهدّدنى بجبّار عنيد
…
فهأنا ذاك جبّار عنيد
إذا ما جئت ربّك يوم حشر
…
فقل يا ربّ مزّقنى الوليد
فلم يلبث بعد ذلك إلّا يسيرا حتى قتل. هذا هو المشهور عنه.
وروى أبو الفرج الأصفهانى بسنده إلى العلاء البندار، قال:
كان الوليد زنديقا، وكان رجل من كلب من أهل الشام يقول مقالة الثّنوية، فدخلت على الوليد يوما وذلك الكلبىّ عنده، وإذا بينهما سفط قد رفع رأسه عنه، وإذا ما يبدو لى منه حرير أخضر؛ فقال: ادن يا علاء، فدنوت، فرفع الحريرة فإذا فى السفط صورة إنسان، وإذا الزئبق والنوشادر «3» قد جعلا فى جفنه.
فجفنه يطرف كأنه يتحرّك، فقال: يا علاء، هذا مانى، لم يبعث الله نبيا قبله، ولا يبعث نبيا بعده؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، اتق الله ولا يغرنّك هذا الذى ترى من دينك. فقال الكلبى:
يا أمير المؤمنين، قد قلت لك: إن العلاء لا يحتمل هذا الحديث.
قال العلاء: ومكثت «4» أياما، ثم جلست مع الوليد على بناء كان
[قد «1» ] بناه فى عسكره يشرف منه والكلبىّ عنده إذ نزل من عنده، وقد كان الوليد حمله على برذون هملاج «2» أشقر من أفخر ما سخّر، فخرج على برذونه، فمضى فى الصحراء حتى غاب عن العسكر، فما شعر إلا وأعراب قد جاءوا به يحملونه منفسحة عنقه، وبرذونه يقاد، حتى أسلموه.
فبلغنى ذلك، فخرجت حتى أتيت أولئك الأعراب، وكانت لهم أبيات بالقرب من أرض البحر لا حجر فيها ولا مدر، فقلت لهم: كيف كانت قصّة هذا الرجل؟ فقالوا: أقبل علينا على برذون، فو الله لكأنه دهن يسيل على صفاة من فراهيته، فعجبنا لذلك إذ انقضّ رجل من السماء عليه ثياب بيض، فأخذ بضبعيه، فاحتمله، ثم نكسه. وضرب برأسه الأرض، فدقّ عنقه، ثم غاب عن عيوننا فاحتملناه فجئنا به.
وقد نزّه قوم الوليد عما قيل، وأنكروه ونفوه عنه، وقالوا: إنه اختلق عليه وألصق به، وليس بصحيح.
حكى عن شبيب بن شيبة أنه قال: كنّا جلوسا عند المهدى، فذكروا الوليد، فقال المهدى: كان زنديقا، فقام ابن علاثة الفقيه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله عز وجل أعدل من أن يولّى خلافة النبوة وأمر الأمّة زنديقا، لقد أخبرنى من كان يشهده فى ملاعبه وشربه عنه بمروءة فى طهارته وصلاته؛ فكان إذا حضرت الصلاة
يطرح الثياب التى عليه المطيّبة المصبّغة، ثم يتوضّأ فيحسن الوضوء، ويؤتى بثياب نظاف بيض فيلبسها، ويصلى فيها، فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب فلبسها، واشتغل بشربه ولهوه، فهذا فعال من لا يؤمن بالله! فقال المهدى: بارك الله عليك يابن علاثة.
وللوليد كلام حسن؛ فمن أحسن كلامه ما قاله لهشام بن عبد الملك لما مات مسلمة بن عبد الملك وقعد هشام للعزاء، فأتاه الوليد وهو نشوان يجرّ مطرف خزّ عليه، فوقف على هشام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عقبى من بقى لحوق من مضى، وقد أقفر بعد مسلمة الصّيد لمن رمى، واختلّ الثّغر فهوى، وعلى أثر من سلف يمضى من خلف؛ فتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التّقوى.
فأعرض هشام ولم يحر جوابا، وسكت القوم فلم ينطقوا.
والوليد أوّل خليفة عدّ الشّعر وأجاز عن كلّ بيت ألف درهم، فإن يزيد بن ضبّة مولى ثقيف مدحه وهنّأه «1» بالخلافة فأمر أن تعدّ الأبيات ويعطى لكل بيت ألف درهم؛ فعدّت فكانت خمسين بيتا فأعطى خمسين ألف درهم.
قال: ودفن الوليد بباب الفراديس بدمشق. وقيل: إنه قتل بأرض حمص.
وحكى الدّولابى أن رأس الوليد نصب فى مسجد دمشق ولم يزل