الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فحمل عليهم فثبتوا له، وصاح شبيب بأصحابه فحملوا عليهم وشبيب يقول «1» :
من ينك العير ينك نيّاكا
…
جندلتان اصطكّتا اصطكاكا
فرجع سورة إلى عسكره وقد هزم الفرسان وأهل القوة، فتحمّل بهم، وأقبل نحو المدائن، فتبعه شبيب يرجو أن يدركه، فوصل إليهم، وقد دخل الناس المدائن، فمرّ على كلواذا «2» ، فأصاب بها دوابّ كثيرة للحجاج، فأخذها ومضى إلى تكريت، وأرجف الناس بالمدائن بوصول شبيب إليهم، فهرب من بها من الجند نحو الكوفة، وحبس الحجاج سورة ثم أطلقه.
ذكر الحرب بين شبيب والجزل بن سعيد وقتل سعيد بن مجالد
قال: ولما قدم الفلّ «3» الكوفة سيّر الحجاج الجزل بن سعيد ابن شرحبيل الكندى، واسمه عثمان، نحو شبيب، وأوصاه بالاحتياط وترك العجلة، وأخرج معه أربعة آلاف ليس فيهم أحد ممن هزم، فقدّم الجزل بين يديه عياض بن أبى لينة «4» الكندى، فساروا فى طلب شبيب وهو يخرج من رستاق إلى رستاق، يقصد بذلك أن يفرّق الجزل أصحابه فيلقاه وهو على غير تعبئة، فجعل الجزل لا يسير إلا على تعبئة، ولا ينزل إلّا خندق على نفسه.
فلما طال ذلك على شبيب دعا أصحابه وكانوا مائة وستين رجلا،
ففرّقهم أربع فرق كل فرقة أربعين، فجعل أخاه مصادا فى أربعين، وسويد بن سليم فى أربعين، والمحلّل «1» بن وائل فى أربعين، وبقى هو فى أربعين. وأتته عيونه، فأخبروه أن الجزل يريد «2» يزدجرد، فسار شبيب، وأمر كلّ رأس من أصحابه أن يأتى الجزل من جهة ذكرها له، وقال: إنى أريد أن أبيّته «3» ، فسار أخوه فانتهى إلى دير الخرّارة، فرأى للجزل مسلحة مع ابن أبى لينة، فحمل عليهم مصاد فيمن معه، فقاتلوه ساعة، ثم اندفعوا بين يديه، وقد أدركهم شبيب، فقال: اركبوا أكتافهم لتدخلوا عليهم عسكرهم إن استطعتم.
فاتبعوهم فانتهوا إلى عسكرهم، فمنعهم أصحابهم من دخول خندقهم، وكان للجزل مسالح أخرى فرجعت، فمنعهم من دخول الخندق، وجعل شبيب يحمل على المسالح حتى اضطرهم إلى الخندق، ورشقهم أهل العسكر بالنّبل. فلما رأى شبيب أنه لا يصل إليهم «4» سار عنهم وتركهم، ثم نزل هو وأصحابه فاستراحوا، ثم أقبل بهم راجعا إلى الجزل، فأقبلوا وقد أدخل أهل العسكر مسالحهم إليهم وأمنوا، فما شعروا إلّا بوقع حوافر الخيل، فانتهوا إليهم قبل الصبح، وأحاطوا بعسكرهم من جهاته الأربع، ثم انصرف شبيب وتركهم، ولم يظفر بهم، فنزل على ميل ونصف، ثم صلّى الغداة وسار نحو جرجرايا «5» ، وأقبل الجزل فى طلبهم على تعبئته، وسار شبيب
فى أرض الجوخى «1» وغيرها، فطال ذلك على الحجّاج، فكتب إلى الجزل ينكر عليه إبطاءه ويأمره بمناهضتهم، فجدّ فى طلبهم وبعث الحجاج سعيد بن المجالد على جيش الجزل، وأمره بالجدّ فى قتال شبيب وترك المطاولة، فوصل سعيد إلى الجزل وهو بالنّهروان وقد خندق عليه، فقام فى العسكر ووبّخهم وعجزهم.
ثم خرج، وأخرج معه الناس، وضمّ إليه خيول أهل العسكر ليسير بهم جريدة «2» إلى شبيب ويترك الناس «3» مكانهم، فنهاه الجزل عن ذلك، فلم ينته ولم يرجع إليه، وتقدّم ومعه الناس، وأخذ شبيب إلى قطيطيا «4» ، فدخلها وأغلق الباب، وأمر دهقانها «5» أن يصلح لهم غداء، فلم يتهيّأ الغداء حتى أتاه سعيد فى ذلك الجيش، فأعلم الدّهقان شبيبا، فقال: لا بأس، قرّب الغداء، فقرّبه فأكل وتوضّأ وصلّى ركعتين، وركب بغلا، وخرج إلى سعيد وهو على باب المدينة فحمل عليهم، وقال: لا حكم إلا للحكم، فهزمهم وثبت سعيد، ونادى أصحابه، فحمل عليه شبيب، فضربه بالسيف فقتله، فانهزم ذلك الجيش، وقفلوا حتى انتهوا إلى الجزل، وكان قد وقف فى بقيّة العسكر، فناداهم: أيها الناس، إلىّ إلىّ، وقاتل قتالا شديدا حتى حمل جريحا، وقدم المنهزمون الكوفة.