الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تتمة سنة (101 هـ) احدى ومائة:
ذكر استيلاء يزيد بن المهلب بن أبى صفرة على البصرة وخلعه يزيد بن عبد الملك
قد ذكرنا هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وأنه إنما هرب خوفا من يزيد بن عبد الملك لمنافرة كانت بينهما.
وقيل: كان السبب الذى أوجب كراهة يزيد بن عبد الملك فى يزيد بن المهلب أن ابن المهلب خرج يوما من الحمّام فى أيام سليمان وقد تضمّخ بالغالية، فاجتاز بيزيد بن عبد الملك وهو إلىّ جانب عمر ابن عبد العزيز، فقال يزيد بن عبد الملك: قبّح الله الدنيا! لوددت أنّ مثقال الغالية بألف دينار، فلا يناله إلا كلّ شريف، فقال ابن المهلّب: بل وددت أنّ الغالية فى جبهة الأسد فلا ينالها إلا لى. فقال له يزيد بن عبد الملك: والله لئن وليت يوما لأقتلنّك. فقال ابن المهلب:
والله لئن وليت هذا الأمر وأنا حىّ لاضربنّ وجهك بمائة ألف سيف.
وقيل: كان السبب أنّ يزيد بن المهلب كان قد عذّب أصهار يزيد بن عبد الملك، وكان سليمان بن عبد الملك لما ولى الخلافة طلب آل عقيل فأخذهم وسلّمهم إلى ابن المهلب ليخلّص الأموال منهم، فبعث ابن المهلب إلى البلقاء من أعمال دمشق وبها خزائن الحجاج ابن يوسف وعياله، فنقلهم وما معهم إليه، وكان فيمن أتى به أمّ الحجاج زوجة يزيد بن عبد الملك.
وقيل: بل أخت لها- فعذّبها، فأتى يزيد بن عبد الملك إلى ابن المهلب فى منزله، فشفع فيها، فلم يشفعه، فقال: الذى قرّرتم عليها أنا أحمله،
فلم يقبل منه، فقال لابن المهلب: أما والله لئن ولّيت من الأمر شيئا لأقطعنّ منك عضوا
…
فقال ابن المهلّب: وأنا والله لئن كان ذلك لأرمينّك بمائة ألف سيف.
فحمل يزيد بن عبد الملك المال «1» عنها، وكان مائة ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك. والله أعلم.
قال: فلما ولى يزيد بن عبد الملك كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن، وإلى عدى بن أرطاة، يعرّفهما هرب يزيد، ويأمرهما بالتحرز منه، وأمر عديا أن يأخذ من بالبصرة من آل المهلّب ويحبسهم، فقبض عليهم وفيهم المفضّل وحبيب ومروان بنو المهلب، وأقبل يزيد بن المهلب نحو البصرة، وقد جمع عدىّ بن أرطاة الجموع، وخندق على البصرة، وندب الناس، وجاء يزيد فى أصحابه «2» والذين معه، فالتقاه «3» أخوه محمد بن المهلب فيمن اجتمع إليه من أهله وقومه ومواليه، فمرّ بجموع عدىّ؛ فجعل لا يمرّ بخيل من خيل عدىّ إلا تنحّوا عن طريقه، وأقبل حتى نزل داره، واختلف الناس إليه، فبعث إلى عدىّ أن ابعث إلىّ إخوتى وأنا أصالحك على البصرة وأخلّيك وإياها حتى آخذ لنفسى من يزيد ما أحب. فلم يقبل منه، وأخذ يزيد بن المهلب يعطى من أتاه قطع الذهب والفضّة؛ فمال الناس إليه؛ وكان عدىّ لا يعطى إلّا درهمين درهمين، ويقول: لا يحلّ أن أعطيكم من بيت المال درهما إلا بأمر يزيد بن عبد الملك، ولكن تبلّغوا بهذه حتى يأتى الأمر، فقال الفرزدق «4» :
أظنّ رجال الدّرهمين تقودهم «1»
…
إلى الموت آجال لهم ومصارع
وأكيسهم من قرّ فى قعر بيته «2»
…
وأيقن أنّ الموت لا بدّ واقع
وخرج يزيد حين اجتمع الناس له حتى نزل جبّانة بنى يشكر وهو المنصف «3» فيما بينه وبين القصر، فلقيه قيس وتميم وأهل الشام، فاقتتلوا هنيهة وانهزموا، فتبعهم يزيد وأصحابه حتى دنا من القصر، وخرج إليهم عدىّ بنفسه فقتل من أصحابه وانهزم هو «4» ، وقصد قتل آل المهلب الذين فى حبسه، فأغلقوا الباب ومنعوا عن أنفسهم حتى أدركهم يزيد، ونزل فى دار سالم «5» ابن زياد بن أبيه، وهى إلى جنب القصر، ونصب السلاليم، وفتح القصر، وأتى بعدى بن أرطاة فحبسه، وقال: لولا حبسك إخوتى لما حبستك، وأخرج إخوته وهرب بوجوه أهل البصرة، فلحقوا بالكوفة، وكان يزيد قد بعث حميد بن عبد الملك بن المهلب إلى يزيد ابن عبد الملك فى طلب الأمان، فعاد بما طلب ومعه خالد القسرى وعمرو ابن يزيد الحكمى، فوجد المغيرة بن زياد وقد فرّ من يزيد ابن المهلب، فأخبرهم الخبر، فعادوا إلى يزيد بن عبد الملك ومعهم حميد، وأرسل يزيد بن عبد الملك إلى أهل الكوفة يثنى عليهم ويعدهم
الزيادة، وأرسل «1» أخاه مسلمة وابن أخيه العباس بن الوليد، فى سبعين ألف مقاتل من أهل الشام والجزيرة.
وقيل: كانوا ثمانين ألفا، فساروا إلى العراق حتى بلغوا الكوفة فنزلوا بالنّخيلة «2» ، واستوثق أمر البصرة لابن المهلّب، وبعث عمّاله على الأهواز وفارس وكرمان، ثم سار يزيد من البصرة، واستعمل عليها أخاه مروان، وأتى واسطا، وأقام عليها أياما يسيرة إلى أن دخلت سنة [102 هـ] اثنتين ومائة، فسار عنها.
واستخلف عليها ابنه معاوية، ونزل «3» عنده بيت المال، وقدم أخاه عبد الملك نحو الكوفة، فاستقبله العباس بن الوليد واقتتلوا، فظفر عبد الملك أوّلا، ثم كانت الهزيمة عليه، فعاد بمن معه إلى أخيه، وأقبل مسلمة يسير على شاطىء الفرات إلى الأنبار، وعقد عليها جسرا فعبر وسار حتى نزل على ابن المهلّب، والتحق بابن المهلّب «4» ناس كثير من الكوفة والثغور، وأحصى ديوانه مائة ألف وعشرين ألفا، فقال: لوددت أنّ لى بهم من بخراسان من قومى.
ثم قام فى أصحابه وحرّضهم على القتال، وكان اجتماع ابن المهلب ومسلمة ثمانية أيام، فلما كان يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة مضت من صفر سنة [102 هـ] اثنتين ومائة خرج مسلمة فى جنوده حتى قرب من ابن المهلّب، والتقوا واقتتلوا؛ فانهزم أصحاب ابن المهلب،
فترجّل وبقى فى جماعة من أصحابه وقد استقتل وهو يتقدّم؛ فكلّما مرّ بخيل كشفها أو جماعة من أهل الشام عدلوا عنه؛ وأقبل نحو مسلمة لا يريد غيره، فلما دنا منه أدنى فرسه ليركب، فعطف عليه أهل الشام، فقتل يزيد والسّميدع «1» ومحمّد بن المهلّب، وكان رجل من كلب يقال له القحل «2» بن عيّاش لما نظر إلى يزيد قال:
هذا والله يزيد، والله لأقتلنّه أو ليقتلنى، فمن يحمل معى يكفينى أصحابه حتى أصل إليه، فحمل معه ناس، فاقتتلوا ساعة، وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا وعن القحل بآخر رمق، فأومأ إلى أصحابه يريهم مكان يزيد وأنه هو الذى قتله، وأنّ يزيد قتله، وأتى مولى لبنى مرّة برأس يزيد إلى مسلمة، فقيل له: أنت قتلته؟ قال: لا، فبعث مسلمة بالرأس إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد ابن عقبة بن أبى معيط.
وقيل: بل قتله الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابى، ولم ينزل لأخذ رأسه أنفة.
قال: ولما قتل يزيد كان المفضّل بن المهلّب يقاتل أهل الشام وهو لا يدرى بقتل أخيه ولا بهزيمة الناس، فأتاه آت وقال له: ما تصنع وقد قتل يزيد وحبيب ومحمد، وانهزم الناس منذ طويل؟ فتفرّق الناس عنه، ومضى المفضّل إلى واسط.
وقيل: بل أتاه أخوه عبد الملك، وكره أن يخبره بقتل يزيد
فيستقتل، فقال له: إنّ الأمير قد انحدر إلى واسط، فانحدر المفضّل بمن بقى من ولد المهلب إليها، فلما علم بقتل يزيد حلف أنّه لا يكلّم عبد الملك أبدا، فما كلّمه حتى قتل بقندابيل «1» .
قال: ولما أتت هزيمة ابن المهلّب إلى واسط أخرج ابنه معاوية اثنين وثلاثين إنسانا «2» كانوا عنده، فضرب أعناقهم، منهم عدىّ ابن أرطاة، وابنه محمد، ومالك، وعبد الملك ابنا مسمع وغيرهم، ثم أقبل حتى أتى البصرة بالمال والخزائن، وجاء المفضّل بن المهلب واجتمع إلى المهلّب بالبصرة، وأعدّوا السفن وتجهّزوا للركوب.
فى البحر إلى جبال كرمان، وحملوا عيالهم «3» وأموالهم فى السفن البحريّة، ولجّجوا حتى أتوا جبال كرمان، فخرجو من سفنهم، وحملوا ما معهم على الدوابّ.
وكان المقدّم عليهم المفضّل، وكان بكرمان فلول كثيرة، فاجتمعوا إلى المفضل، وبعث مسلمة مدرك بن ضب الكلبى فى طلبهم وفى أثر الفلّ، فأدرك المفضّل ومن اجتمع إليه، فقاتلوه قتالا شديدا، فقتل من أصحاب المفضل جماعة، وطلب بعض من معه الأمان، ومضى آل المهلب إلى قندابيل، وبعث مسلمة إلى مدرك بن ضب، فردّه؛ وسيّر فى أثرهم هلال بن أحوز التميمى فلحقهم بقندابيل، فأراد آل المهلب دخولها فمنعهم أميرها وادع بن حميد، وكان يزيد بن المهلب قد استعمله عليها، وأخذ عليه العهود والمواثيق أنه إن قتل فى حربه يلجأ أهله إليها ويتحصّنوا بها حتى يأخذوا أمان يزيد بن عبد الملك.
وقال له: قد اخترتك لهم من بين قومى فكن عند حسن ظنّى؛ وعاهده ليناصحنّ أهل بيته إن هم لجئوا إليه.
فلما أتوه «1» منعهم من الدخول، وكتب إلى هلال بن أحوز، فلما التقوا نصب هلال راية أمان، فتفرّق الناس عن آل المهلب، وتقدموا هم بأسيافهم، فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم، وهم المفضل، وعبد الملك، وزياد، ومروان بنو المهلب، ومعاوية بن يزيد بن المهلب.
والمنهال بن أبى عيينة بن المهلب، وعمرو والمغيرة ابنا قبيصة ابن المهلّب، وحملت رءوسهم؛ وفى أذن كلّ واحد رقعة فيها اسمه، ولحق منهم برتبيل أبو عيينة بن المهلب، وعمرو «2» بن يزيد، وعثمان بن المفضل؛ وبعث هلال بالرءوس والنساء الأسرى من آل المهلّب إلى مسلمة بن عبد الملك وهو بالحيرة، فبعثهم إلى يزيد ابن عبد الملك، فبعثهم «3» يزيد إلى العباس بن الوليد وهو على حلب، فنصب الرءوس، وأراد مسلمة أن يبيع الذرية، فاشتراهم منه الجرّاح بن عبد الله الحكمى بمائة ألف، وخلى سبيلهم، ولم يأخذ مسلمة بن الجرّاح شيئا، وكانت الأسرى من آل المهلّب ثلاثة عشر رجلا، فلما جىء بهم إلى يزيد بن عبد الملك كان «4» عنده كثير عزّة فقال «5» :
حليم إذا ما نال عاقب مجملا
…
أشدّ العقاب أو عفا لم يثرّب
فعفوا أمير المؤمنين وحسبة
…
فما تأته من صالح لك يكتب
أساءوا فإن تصفح فإنك قادر
…
وأفضل حلم حسبة حلم مغضب
فقال يزيد: هيهات يا أبا صخر؛ أطّت «1» بك الرّحم، لا سبيل إلى ذلك، إن الله أقاد منهم بأعمالهم الخبيثة، ثم أمر بهم فقتلوا، وبقى غلام صغير. فقال: اقتلونى، فما أنا بصغير. فقال:
انظروا، أنبت؟ فقال: أنا أعلم بنفسى، قد احتلمت ووطئت النساء، فأمر به فقتل.
والذين قتلوا من آل المهلّب بين يدى يزيد بن عبد الملك المعارك وعبد الله، والمغيرة، والمفضل، ومنجاب أولاد يزيد بن المهلب ودويّة»
والحجاج، وغسّان، وشبيب، والفضل أولاد المفضل بن المهلّب، والمفضل ابن قبيصة بن المهلب.
قال: وأما أبو عيينة بن المهلّب فأرسلت هند بنت المهلب إلى يزيد ابن عبد الملك فى أمانه فأمّنه، وبقى عمرو «3» وعثمان حتى ولى أسد ابن عبد الله القسرى خراسان، فكتب إليهما بأمانهما فقدما خراسان.
*** وحجّ بالناس فى هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، وهو عامل المدينة، وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد ابن أسيد، وعلى الكوفة عبد الحميد، وعلى قضائها الشّعبى، وعلى خراسان عبد الرحمن بن نعيم.