الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر خبر الخوارج فى هذه السنة
وفى هذه السنة خرج بهلول بن بشر الملقّب كثارة، وهو من الموصل من شيبان، وكان سبب مخرجه أنه خرج يريد الحجّ، فأمر غلامه أن يبتاع له خلّا بدرهم، فأتاه بخمر فأمره «1» بردّه فلم يجبه صاحب الخمر إلى ذلك، فجاء بهلول إلى صاحب القرية وهى من السّواد، فكلّمه، فقال العامل: الخمر خير منك ومن قومك.
فمضى إلى الحج وقد عزم على الخروج، فلقى بمكّة من كان على مثل رأيه، فاتّعدوا قرية من قرى الموصل، فاجتمعوا بها- وهم أربعون رجلا- وأمّروا عليهم البهلول، وكتموا أمرهم، وجعلوا لا يمرّون بعامل إلا أخبروه أنّهم قدموا من عند هشام على بعض الأعمال «2» ، وأخذوا دوابّ البريد.
فلما أتوا إلى القرية التى ابتاع الغلام منها الخمر قال بهلول:
نبدأ بهذا العامل، فقال أصحابه: نحن نريد قتل خالد، وإن بدأنا بهذا شهر أمرنا، وحذرنا خالد وغيره، فنشدناك الله أن تقتل هذا فيفلت منا خالد الذى يهدم المساجد، ويبنى البيع والكنائس، ويولى المجوس على المسلمين، وينكح أهل الذمة المسلمات، لعلّنا نقتله.
قال: والله لا أدع ما يلزمنى لما بعده، وأرجو أن أقتل هذا وخالدا، فأتاه فقتله.
فعلم الناس أنهم خوارج، وهربوا، وخرجت البرد إلى خالد فأعلموه بهم، فخرج خالد من واسط، فأتى الحيرة، وبها جند قد قدموا
من الشام مددا لعامل الهند، فأمرهم خالد بقتالهم، وقال: من قتل منهم رجلا أعطيته عطاء سوى ما أخذ فى الشام، وأعفيته من الدخول إلى الهند.
فسارعوا إلى ذلك، فتوجّه مقدّمهم، وهو من بنى القين، ومعه ستمائة منهم، وضمّ إليه خالد مائتين من الشرط، فالتقوا على الفرات؛ فقال القينى لمن معه من الشّرط: لا تكونوا معنا «1» ليكون الظّفر له ولأصحابه.
وخرج إليهم بهلول، فحمل على القينى فطعنه فأنفذه، وانهزم أهل الشام والشرط، وتبعهم بهلول وأصحابه يقتلونهم، حتى بلغوا الكوفة، ووجد بهلول مع القينى بدرة فأخذها.
وكان بالكوفة ستة يرون رأى «2» بهلول، فخرجوا فقتلوا بصريفين «3» ، فخرج بهلول فقال: من قتل هؤلاء، حتى أعطيه هذه البدرة؟ فجاء نفر فقالوا: نحن قتلناهم، وهم يظنّونه من عند خالد، وصدّقهم أهل القرية، فقتلهم، وترك أهل القرية.
وبلغ خالدا الخبر، فوجّه إليه قائدا من شيبان أحد بنى حوشب ابن يزيد بن رؤيم، فلقيه فيما بين الموصل والكوفة، فانهزم أهل الكوفة، فأتوا خالدا، وارتحل بهلول من يومه يريد الموصل، فكتب عامل الموصل
إلى هشام يخبره بهم، ويسأله جندا، فكتب إليه هشام: وجّه إليهم كثارة بن بشر.
فكتب إليه: إنّ الخارج هو كثارة.
ثم قال بهلول لأصحابه: إنّا والله ما نصنع بابن النصرانيّة شيئا- يعنى خالدا- فلم لا نطلب الرأس الذى سلّط خالدا.
فسار يريد هشاما بالشام، فخاف عمّال هشام من هشام إن تركوه يجوز إلى بلادهم، فسيّر خالد جندا من العراق، وسيّر عامل الجزيرة جندا من الجزيرة، ووجّه هشام جندا من الشام، فاجتمعوا بدير بين الجزيرة والموصل، وأقبل بهلول إليهم.
وقيل: التقوا بكحيل «1» دون الموصل، ونزل بهلول على باب الدّير، وهو فى سبعين، فحمل عليهم فقتل منهم نفرا ستة، وقاتلهم عامّة نهاره، وكانوا عشرين ألفا، فأكثر فيهم القتل والجراح.
ثم إنّ بهلولا وأصحابه عقروا دوابّهم وترجّلوا، فقاتلوا قتالا شديدا، فقتل كثير من أصحاب بهلول وطعن فصرع، فقال أصحابه:
ولّ أمرنا، فقال: إن هلكت فأمير المؤمنين دعامة الشيبانى، فإن هلك فعمرو اليشكرى، ومات بهلول من ليلته، فلما أصبحوا هرب دعامة وتركهم، وخرج عمرو اليشكرى فلم يلبث أن قتل.
وخرج العنزى صاحب الأشهب «2» على خالد فى ستين فوجه إليه خالد السّمط بن مسلم البجلى فى أربعة آلاف، فالتقوا بناحية
الفرات، فانهزم الخوارج، فتلقّاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم.
ثم خرج وزير السّختيانى على خالد بالحيرة فى نفر، فجعل لا يمرّ بقرية إلا أحرقها، ولا يلقى أحدا إلّا قتله، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال؛ فوجّه إليه خالد جندا، فقتلوا عامّة أصحابه، وأثخن بالجراح وأتى به خالد، فأقبل على خالد فوعظه، فأعجب خالد ما سمع منه، فلم يقتله وحبسه عنده. وكان يؤتى به فى الليل فيحادثه، فسعى بخالد إلى هشام.
وقيل: أخذ حروريا قد قتل وحرق وأباح الأموال فجعله سميرا، فغضب هشام، وكتب إليه يأمره بقتله، فأخّر قتله، فكتب إليه ثانيا يذمّه ويأمره بقتله وإحراقه، فقتله وأحرقه ونفرا معه، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات وهو يقرأ «1» :«قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ» .
وخرح الصّحارىّ بن «2» شبيب بن يزيد بناحية جبّل «3» ، وكان قد أتى خالدا يسأله «4» الفريضة، فقال له: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة؟ فمضى وندم خالد، وخاف أن يفتق عليه فتقا، فطلبه فلم يرجع إليه، وسار حتى أتى جبّل، وبها نفر من بنى تيم اللات ابن ثعلبة، فأخبرهم خبره، فقالوا: وما كنت ترجو من ابن النصرانيّة؟
كنت أولى أن تسير إليه بالسيف فتضربه به. فقال: والله ما أردت