الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرّحمن الرّحيم [وبه توفيقى]«1»
[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
تتمة الباب الثالث في أخبار الدولة الأموية
[تتمة ذكر بيعة عبد الله بن زبير]
ذكر أخبار المختار ابن أبى عبيد بن مسعود الثقفى
كان المختار بن أبى عبيد ممن بايع مسلم بن عقيل لما بعثه الحسين بن عليّ رضى الله عنهما إلى الكوفة وأنزله فى داره، ودعا إليه. فلما ظهر ابن عقيل كان المختار فى قرية تدعى لقفا «2» ، فأتاه الخبر بظهوره، فأقبل فى مواليه إلى باب الفيل بعد المغرب، وقد أجلس عبيد الله بن زياد عمرو بن حريث بالمسجد ومعه راية، فبعث إلى المختار وأمنه، فجاء إليه.
فلما كان من الغد ذكر عمارة بن عقبة «3» أمره لعبيد الله، فأحضره، وقال له: أنت المقبل فى الجموع لتنصر ابن عقيل! قال: لم أفعل، ولكنى أقبلت ونزلت تحت راية عمرو، فشهد له عمرو بذلك، فضرب ابن زياد وجه المختار بقضيب فشتر «4» عينه وقال: لولا شهادته «5» قتلتك.
وحبسه إلى أن قتل الحسين.
فبعث المختار إلى عبد الله بن عمر بن الخطّاب يسأله أن يشفع [له]«1» فيه، وكان زوج أخته صفية بنت أبى عبيد، فكتب ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يشفع فيه، فأمر يزيد ابن زياد بإطلاقه، فأطلقه وأمره ألّا يقيم غير ثلاث.
فخرج المختار إلى الحجاز، واجتمع بعبد الله بن الزبير وأخبره خبر العراق، وقال له: ابسط يدك أبايعك، وأعطنا ما يرضينا، وثب على الحجاز، فإنّ أهله معك؛ وكان ابن الزبير يدعو لنفسه سرّا، فكتم أمره عن المختار ففارقه إلى الطائف، وغاب عنه سنة ثم سأل عنه ابن الزبير، فقيل له: إنه بالطائف، وإنه يزعم أنه صاحب الغضب ومبيد «2» الجبّارين، فقال ابن الزبير: قاتله الله، لقد اتبعت «3» كذابا متكهّنا، إن يهلك الله الجبّارين يكن المختار أوّلهم.
فبينا هو فى حديثه إذ دخل المختار، فطاف وصلّى ركعتين، وجلس وأتاه معارفه يحدّثونه، ولم يأت ابن الزبير، فوضع ابن الزبير عليه عباس بن سهل بن «4» سعد، فأتاه، وسأله عن حاله، ثم قال له: مثلك يغيب عن الّذى قد اجتمع عليه الأشراف من قريش والانصار وثقيف؟ ولم «5» تبق قبيلة إلا وقد أتاه زعيمها، فبايع هذا الرجل.
فقال: إنى أتيته فى العام الماضى فكتم عنى خبره، فلما استغنى عنّى أحببت أن أريه أنّى مستغن عنه، فقال له العباس: القه [الليلة]«1» وأنا معك، فأجابه إلى ذلك، وحضر عند ابن الزّبير بعد العتمة، فقال له المختار: أبايعك على ألّا تقضى الأمور دونى، وعلى أن أكون أوّل داخل عليك، وإذا ظهرت استعنت بى على أفضل عملك.
فقال ابن الزبير: أبايعك على كتاب الله وسنّة رسوله. فقال:
وشرّ «2» غلمانى تبايعه على ذلك، والله لا أبايعك أبدا إلّا على ذلك، فبايعه وأقام عنده، وشهد معه قتال الحصين «3» ، وكان أشدّ الناس على أهل الشام، فلمّا مات يزيد وأطاع «4» أهل العراق عبد الله ابن الزبير، أقام المختار عنده خمسة أشهر، فلما رآه لا يستعمله جعل يسأل من يقدم من الكوفة عن حال الناس، فأخبره هانىء بن أبى حّية الوداعى «5» باتفاق «6» أهل الكوفة على طاعة ابن الزبير إلّا طائفة من الناس، لو كان لهم من يجمعهم على رأيهم أكل بهم الأرض إلى يوم ما.
فقال المختار، أنا أبو إسحاق [أنا والله لهم]«7» ، أنا أجمعهم على
الحق، وأتّقى «1» بهم ركبان الباطل، وأقتل بهم كلّ جبار عنيد.
ثم ركب دابته «2» وسار نحو الكوفة فوصل إليها.
واختلفت الشيعة إليه، وبلغه خبر سليمان بن صرد وأنه على عزم المسير، فقام فى الشيعة فحمد الله، ثم قال: إن المهدى وابن الرّضا، يعنى محمد ابن الحنفية، بعثنى إليكم أمينا ووزيرا «3» ومنتخبا وأميرا، وأمرنى بقتال الملحدين، والطلب بدم أهل بيته.
فبايعه إسماعيل بن كثير وأخوه، وعبيدة بن عمرو، وكانوا أوّل من أجابه، وبعث إلى الشّيعة وقد اجتمعوا عند ابن صرد، وقال لهم نحو ذلك، وقال: إن سليمان ليس له تجربة بالحرب ولا بالأمور، إنّما يريد أن يخرجكم فيقتلكم ويقتل نفسه، وأنا أعمل على مثال مثّل لى، وأمر بيّن لى، فيه عزّ وليّكم، وقتل عدّوكم، وشفاء صدوركم، فاسمعوا قولى، وأطيعوا أمرى، ثم أبشروا.
فما زال بهذا ونحوه حتى استمال طائفة من الشيعة، فكانوا يختلفون إليه ويعظّمونه، وأكثر الشيعة مع ابن صرد، وهو أثقل خلق الله على المختار.
فلما خرج سليمان بن صرد على ما قدمناه قال عمر بن «4» سعد، وشبث «5» بن ربعى، ويزيد بن الحارث بن رويم لعبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة: إن المختار أشدّ عليكم من سليمان،
إن سليمان إنّما خرج يريد قتال عدوّكم، والمختار يريد أن يثب عليكم فى مصركم، فأتوه، وأخذوه بغتة، وحملوه إلى السجن، فكان يقول فى السجن: أماورب البحار، والنخيل والأشجار، والمهامه، والقفار، والملائكة الأبرار، والمصطفين الأخيار، لأقتلنّ كل جبّار، بكل لدن خطّار، ومهنّد بتّار، وجموع «1» الأنصار، وليسوا بميل أغمار، ولا بعزّل «2» أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدّين، ورأبت شعب صدع المسلمين، وشفيت غليل صدور المؤمنين، وأدركت بثأر النبيّين، لم يكبر عليّ زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا أتى.
وقيل فى خروج المختار إلى الكوفة غير ما تقدّم، وهو أنه قال لعبد الله بن الزّبير وهو عنده: إنى لأعلم قوما لو أنّ لهم رجلا له علم بما يأتى ويذر لاستخرج لك منهم جندا يقاتل بهم أهل الشام. قال: من هؤلاء؟ قال: شيعة عليّ [رضى الله عنه]«3» بالكوفة، قال: فكن أنت ذلك الرجل؛ فبعثه إلى الكوفة، فنزل ناحية منها يبكى على الحسين ويذكر مصابه حتى ألفه الناس وأحبّوه، فنقلوه إلى وسط الكوفة، وأتاه منهم بشر كثير. [والله أعلم «4» ] .