الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر وثوب أهل البصرة بالحجاج
قال: ثم خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة. فلما قدم البصرة خطبهم بمثل خطبته بالكوفة، وتوعّد من رآه منهم بعد ثالثة «1» ، ولم يلحق بالمهلّب، فأتاه شريك بن عمرو اليشكرى وكان به فتق، فقال: أصلح الله الأمير، إن بى فتقا، وقد رآه بشر بن مروان فعذرنى، وهذا عطائى مردود فى بيت المال، فأمر به فضربت عنقه، فلم يبق بالبصرة أحد من عسكر المهلب إلّا لحق به.
ثم سار الحجاج إلى رستقباذ «2» ، وبينها وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا، وقال حين نزل بها: يأهل المصرين، هذا المكان والله مكانكم شهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة، حتى يهلك الله عدوّكم، هؤلاء الخوارج المطلين عليكم.
ثم خطب يوما فقال: إن الزيادة التى زادكم إياها ابن الزبير إنما هى زيادة ملحد فاسق منافق، ولسنا نجيزها- وكان مصعب قد زاد الناس فى العطاء مائة مائة- فقال عبد الله بن الجارود: إنها ليست زيادة ابن الزبير، إنما هى زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أنفذها وأجازها على يد أخيه بشر.
فقال له الحجاج: ما أنت والكلام! لتحسننّ حمل رأسك أو لأسلبتّك إيّاه. فقال: ولم؟ إنى لك لناصح، وإن هذا لقول من ورائى.
فنزل الحجاج ومكث أشهرا لا يذكر الزيادة، ثم أعاد القول فيها، فردّ عليه ابن الجارود مثل رده الأول، فقام مصقلة بن كرب العبدى، فقال: إنه ليس للرعيّة أن تردّ على راعيها، وقد سمعنا ما قال الأمير، فسمعا وطاعة فيما أحبّ «1» وكرهنا. فسبّه ابن الجارود وقام فأتاه وجوه الناس فصوّبوا رأيه وقوله، وقال الهذيل بن عمران البرجمى وعبد الله بن حكيم بن زياد المجاشعى وغيرهما: نحن معك وأعوانك، إن هذا الرجل غير كافّ حتى ينقصنا هذه الزيادة فهلمّ نبايعك على إخراجه من العراق، ثم نكتب إلى عبد الملك أن يولّى علينا غيره، فإن أبى خلعناه، فإنه هائب لنا ما دامت الخوارج.
فبايعه الناس سرّا، وأعطوه المواثيق على الوفاء، وبلغ الحجاج ما هم فيه، فأحرز بيت المال.
فلما تمّ لهم أمرهم أظهروه، وذلك فى شهر ربيع الآخر سنة [76 هـ] ست وسبعين، واجتمع الناس على ابن الجارود حتى لم يبق مع الحجاج إلّا خاصّته وأهل بيته، وأرسل الحجاج أعين صاحب حمّام أعين «2» إلى ابن الجارود يستدعيه، فقال: لا كرامة لابن أبى رغال «3» ، ولكن ليخرج عنّا مذموما مدحورا، وإلا قاتلناه. قال أعين:
فإنه يقول لك: أتطيب نفسا بقتلك وقتل بيتك وعشيرتك! والذى نفسى بيده لئن لم تأت لأدعنّ قومك وأهلك خاصة حديثا للغابرين.
وكان الحجاج قد حمّل أعين هذه الرسالة؛ فقال ابن الجارود:
لولا أنك رسول لقتلتك يا ابن الخبيثة، وأمر فوجىء فى عنقه، وأخرج.
وأقبل ابن الجارود بالناس زحفا نحو الحجّاج، وكان رأيهم أن يخرجوه عنهم ولا يقاتلوه. فلما صاروا إليه نهبوا ما فى فسطاطه.
وأخذوا ما قدروا عليه من متاعه ودوابّه، وجاء أهل اليمن فأخذوا امرأته ابنة النعمان بن بشير، وجاءت مضر فأخذوا امرأته الأخرى أم سلمة بنت عبد الرحمن بن عمرو أخى سهيل بن عمرو.
ثم إن القوم انصرفوا عن الحجاج وتركوه. فأتاه قوم من أهل البصرة فصاروا معه خوفا من محاربة الخليفة، فجعل الغضبان ابن القبعثرى الشيبانى يقول لابن الجارود: تعشّ بالجدى قبل أن يتغدّى بك. أما ترى من قد أتاه منكم؟ ولئن أصبح ليكثرن ناصره، ولتضعفنّ منّتكم «1» .
فقال: قد قرب المساء. ولكنا نعاجله بالغداة، وكان مع الحجاج عثمان بن قطن، وزياد بن عمرو العتكى، وكان زياد على شرطته بالبصرة، فقال لهما: ما تريان؟ فقال زياد: أرى أن آخذ لك من القوم أمانا وتخرج حتى تلحق بأمير المؤمنين، فقد ارفضّ أكثر الناس عنك، ولا أرى لك أن تقاتل بمن معك.
فقال عثمان بن قطن الحارثى: لكنى لا أرى ذلك، إنّ أمير المؤمنين
قد شركك فى أمره، وخلطك بنفسه، واستنصحك وسلّطك، فسرت إلى ابن الزبير وهو أعظم الناس خطرا فقتلته، فولّاك الله شرف ذلك وسناءه، وولّاك أمير المؤمنين العراقين، فحيث جريت إلى المدى وأصبت الغرض الأقصى تخرج على قعود إلى الشام، والله لئن فعلت لا نلت من عبد الملك مثل الذى أنت فيه من السلطان أبدا، ولكنى أرى أن نمشى بسيوفنا معك فنقاتل حتى نلقى ظفرا أو نموت كراما.
فقال له الحجاج: الرّأى ما رأيت، وحفظ «1» هذه لعثمان، وحقدها على زياد، وجاء عامر بن مسمع إلى الحجاج فقال: إنى قد أخذت لك أمانا من الناس، فجعل الحجاج يرفع صوته ليسمع الناس ويقول: والله لا أؤمّنهم أبدا حتى يأتوا بالهذيل وعبد الله بن حكيم.
ومرّ عباد بن الحصين الحبطى «2» بابن الجارود وابن الهذيل وابن حكيم وهم يتناجون، فقال: أشركونا فى نجواكم. فقالوا: هيهات أن يدخل فى نجوانا أحد من الحبط، فغضب وسار إلى الحجاج فى مائة رجل، فقال له الحجاج: ما أبالى من تخلّف بعدك. وأتاه قتيبة بن مسلم فى قومه من بنى أعصر، وكان الحجاج قد يئس من الحياة، فلما جاءه هؤلاء اطمأنّ، ثم جاءه سبرة بن على الكلابى، وسعيد بن أسلم بن زرعة، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف الأزدى، وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع يقول: إن شئت أتيتك، وإن شئت أقمت وثبطت الناس عنك. فقال: أقم وثبّط الناس عنى.
فلما اجتمع للحجاج عدد «3» يمنع بمثلهم خرج، وعبّأ أصحابه،
وتلاحق الناس به، فلما أصبح إذا حوله ستة آلاف، فقال ابن الجارود لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما الرأى؟ قال: تركت الرأى أمس حين قال لك الغضبان: تعشّ بالجدى قبل أن يتغدّى بك.
وقد ذهب الرأى وبقى الصبر.
فحرّض ابن الجارود الناس، وزحف بهم وعلى ميمنته الهذيل ابن عمران، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد بن ظبيان، وتقدم الحجاج وعلى ميمنته قتيبة بن مسلم، ويقال عبّاد بن الحصين، وعلى ميسرته سعيد بن أسلم، فحمل ابن الجارود فى أصحابه حتى جاوز أصحاب الحجاج، فعطف الحجاج عليه، ثم اقتتلوا ساعة وعاد ابن الجارود بظفر، فأتاه سهم غرب «1» فقتله، ونادى منادى الحجاج بأمان الناس إلا الهذيل وعبد الله بن حكيم، وأمر ألّا يتبع المنهزمون. فانهزم عبيد الله بن زياد بن ظبيان، فأتى سعيد [ابن عباد الجلندى الأزدى بعمان، فقيل لسعيد: إنه رجل فاتك فاحذره، فلما جاء البطيخ بعث إليه]«2» بنصف بطيخة مسمومة، وقال: هذا أوّل شىء جاءنا منه، وقد أكلت نصف هذه، وبعثت إليك بنصفها، فأكلها عبيد الله فأحسّ بالشر، فقال: أردت أن أقتله فقتلنى.
قال: وحمل رأس ابن الجارود وثمانية عشر من وجوه أصحابه إلى المهلب، فنصبت ليراها الخوارج وييأسوا من الاختلاف.
وحبس الحجاج عبيد بن كعب النميرى ومحمد بن [عمير بن]«3»