الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكناية في قوله {إنا أنزلناه في ليلة القدر} الإشارة إلى قوله: {أقرأ} ، قال القاضي أبو بكر ابن العربي: وهذا بديع جدًا.
فصل:
قال في «البرهان» : ومن ذلك افتتاح السور بالحروف المقطعة واختصاص كل واحدة بما بدئت به
، حتى لم تكن لترد {الم} في موضع {الر} ولا {حم} في موضع (طس). قال: وذلك أن كل سورة بدئت بحرف منها، فإن أكثر كلماتها وحروفها مماثل له، فحق لكل سورة منها ألا يناسبها غير الواردة فيها، فلو وضع {ق} موضع {ن} [لم يكن] لعدم التناسب الواجب مراعاته في كلام الله، وسورة (ق) بدئت به، لما تكر فيها من الكلمات بلفظ القاف، من ذكر القرآن والخلق، وتكرير القول ومراجعته مرارًا، والقرب من ابن آدم، وتلقى الملكين، وقول العتيد، والرقيب، والسائق، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعد، وذكر المتقين، والقلب والقرون، والتنقيب في البلاد، وتشقق الأرض، وحقوق الوعيد وغير ذلك.
وقد تكرر في سورة (يونس) من الكلم الواقع فيها (الراء) مائتا كلمة، أو أكثر فلهذا افتتحت بـ {الر} .
واشتملت سورة (ص) على خصومات متعددة، فأولها خصومة النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار، وقولهم:{أجعل الآلهة إلهًا واحدًا} [سورة ص: 5]، ثم اختصام الخصمين عند
داود، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى، ثم تخاصم إبليس في شأن آدم، ثم في شأن بنيه وإغوائهم.
و{الم} جمعت المخارج الثلاثة: الحلق، واللسان، والشفتين على ترتيبها، وذلك إشارة إلى البداية التي هي بدء الخلق، والنهاية التي هي بدء المعاد، والوسط الذي هو المعاش من [التشريع] بالأوامر والنواهي، وكل سورة افتتحت بها في مشتملة على الأمور الثلاثة.
وسورة الأعراف زيد فيها الصاد على {الم} ، لما فيها من شرح القصص، قصة آدم فمن بعده من الأنبياء، ولما فيها من ذكر {فلا يكن في صدرك حرج} [الأعراف: 2]، ولهذا قال بعضهم:[معنى]{المص} [الأعراف: 1]{ألم نشرح لك صدرك} [الشرح: 1].
وزيد في (الرعد)«راء» لأجل قوله: {رفع السماوات} [الرعد: 2]، ولأجل ذكر الرعد والبرق وغيرهما.
وأعلم أن عادة القرآن العظيم في ذكر هذه الحروف أن يذكر بعدها ما يتعلق بالقرآن كقوله {الم * ذلك الكتاب} [البقرة: 1 - 2]{الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق} [آل عمران: 1 - 3]، {المص * كتاب أنزل إليك} [الأعراف: 1 - 2]، {الر تلك آيات الكتاب المبين} [يوسف: 1]،
{طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} [طه: 1 - 2]، {طسم * تلك آيات الكتاب} [القصص: 1 - 2]، {يس * والقرآن الحكيم} [يس: 1 - 2]، {ص والقرآن ذي الذكر} [ص: 1]، {حم * تنزيل الكتاب} [غافر: 1 - 2]، {ق والقرآن} [ق: 1]، إلا سور ثلاث، (العنكبوت)، و (الروم)، و [ن]، ليس فيها ما يتعلق به. وقد ذكرت حكمة ذلك في «أسرار التنزيل» .
وقال الحرالي في معنى حديث: «أنزل القرآن على سبعة أحرف: زاجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه وأمثال» : أعلم أن القرآن منزل
عند انتهاء الخلق، وكمال كل المر، [بدأ] فكان المتخلق به جامعًا لانتهاء كل الخلق، وكمال كل أمر، فلذلك هو صلى الله عليه وسلم قثم الكون، - وهو الجامع الكامل-، ولذلك كان خاتمًا، وكتابه كذلك، وبدأ المعاد من حين ظهوره، فاستوفى صلاح هذه الجوامع الثلاث التي قد خلت في الأولين بدايتها وتمت عنده غايتها:«بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وهي صلاح الدنيا والدين والمعاد التي جمعها قوله عليه [الصلاة] والسلام: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي» وفي كل إصلاح إقدام وإحجام، فتصير الثلاثة الجوامع ستة هي حروف القرآن الستة، ثم وهب حرفًا جامعًا سابعًا فردًا، [لا زوج له]، فتمت سبعة. فأدنى تلك الحروف هو حرفا صلاح الدنيا، فلها حرفان: حرف الحرام [الذي] لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهر منه لبعده عن تقويمها. والثاني: حرف الحلال الذي تصلح النفس والبدن عليه لموافقته تقويمها، وأصل هذين الحرفين في التوراة وتمامها في القرآن.
ويلي ذلك حرفا [صلاح] المعاد، أحدهما: حرف الزجر والنهي، الذي لا تصلح الآخرة إلا بالتطهر منه لبعده عن حسناها.
والثاني: حرف الأمر الذي تصلح الآخرة عليه لتقضيه لحسناها، وأصل هذين الحرفين في الإنجيل وتمامهما في القرآن. ويلي ذلك حرفا صلاح الدين أحدهما: حرف المحكم الذي بان للعبد فيه خطاب ربه.
والثاني: حرف المتشابه الذي لا يتبين للعبد فيه من جهة قصور عقله عن إدراكه.
فالحروف الخمسة للاستعمال، وهذا الحرف السادس للوقوف والاعتراف بالعجز، وأصل هذين الحرفين في الكتب المتقدمة كلها وتمامها في القرآن، ويختص القرآن بالحرف السابع الجامع وهو حرف المثل المبين للمثل الأعلى، ولما كان هذا الحرف هو الحمد افتتح الله [جل شأنه] به أم القرآن، وجمع فيها جوامع الحروف السبعة التي بثها في القرآن. [فالآية] الأولى تشتمل على حرف الحمد السابع.
والثانية: تشتمل على حرف الحلال والحرام اللذين أقامت الرحمانية بهما الدنيا، والرحيمية الآخرة.
[الثالثة]: تشتمل على أمر الملك القيم على حرفي [الأمر] والنهي اللذين يبدأ أمرهما في الدين.