الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفضلت بالمفصل». انتهى.
فإذًا علم أن القرآن اشتمل على التوراة والزبور والإنجيل.
ولا شك أن التوراة والإنجيل فيها أخبار الأنبياء وقصصهم، فيجب في السور التي هي مكان التوراة أن يذكر فيها قصص الأنبياء الذين ذكروا في التوراة. والسور التي مكان الإنجيل قصص الأنبياء الذين ذكروا في الإنجيل، فلم يكن التكرار حينئذ تكرارًا، بل هو تلخيص لما في التوراة والإنجيل والزبور وزيادة خص الله سبحانه وتعالى بها النبي صلى الله عليه وسلم وهي المفصل والله الموفق.
(فصل: فإن سأل سائل): ما الحكمة في عدم تكرار قصة يوسف عليه السلام
وسوقها مساقًا واحدًا في موضع واحد دون غيرها من القصص؟ (أجابوا عن ذلك بأوجه):
أحدها: أن فيها تشبيب النسوة به، وحال امرأة ونسوة افتتن بأبدع الناس جمالاً، فناسب عدم تكرارها لما (فيها) من الإغضاء والستر، وقد صحح الحاكم في مستدركه حديث النهي عن تعليم النساء سورة (يوسف).
ثانيها: [أنها] اختصت بحصول الفرج بعد الشدة بخلاف غيرها من القصص، فإن مآلها إلى الوبال كقصة إبليس، وقوم نوح [وقوم هود وقوم صالح] وغيرهم، [فلما] اختصت بذلك اتفقت الدواعي على نقلها لخروجها عن سمت القصص.
ثالثها: قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: إنما كرر الله قصص الأنبياء وساق قصة يوسف مساقًا واحدًا إشارة إلى عجز العرب، كأن النبي صلى الله عليه والسلام قال لهم:
إن كان من تلقاء نفسي، فافعلوا في قصة (يوسف) ما فعلت في سائر القصص.
قلت: وظهر لي جواب رابع، وهو أن سورة (يوسف) نزلت (بسبب) طلب الصحابة أن يقص عليهم، كما رواه الحاكم في مستدركه فنزلت مبسوطة تامة ليحصل لهم مقصود القصص من استيعاب القصة وترويح النفس بها والإحاطة بطرفيها.
وجواب خامس: وهو أقوى ما يجاب به، أن قصص الأنبياء إنما كررت؛ لأن المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم، والحاجة داعية إلى ذلك لتكرير تكذيب الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلما كذبوا أنزلت قصة منذرة بحلول العذاب، كما حصل على المكذبين، ولهذا قال تعالى في آيات:{فقد مضت سنت الأولين} [الأنفال: 38]، {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرنٍ} [الأنعام: 6] وقصة (يوسف) لم يقصد منها ذلك.
وبهذا أيضًا يحصل الجواب عن حكمة عدم تكرير قصة أصحاب (الكهف) وقصة ذي القرنين وقصة (موسى) مع الخضر وقصة الذبيح.
فإن قلت: قد تكررت [قصة] ولادة يحيى وعيسى مرتين، وليست من قبيل ما ذكرت.
قلت: الأولى من سورة (كهيعص)[مريم] وهي مكية أنزلت خطابًا لأهل مكة، والثانية في سورة (آل عمران)[45 - 47]، وهي مدنية أنزلت خطابًا لليهود [و] لنصارى نجران حين قدموا، ولهذا اتصل بها ذكر المحاجة والمباهلة. انتهى.